شاركَ مركزُ الحبتور للأبحاث في أعمالِ الملتقى العربيِّ السَّنويِّ الثَّالث لمراكزِ الفِكر، الذي انعقدَ تحت شعار: "دورُ مراكزِ الفِكر في توظيفِ تقنياتِ الذَّكاء الاصطناعيِّ لتعزيزِ صُنع القرارِ المُستنير"، حيثُ احتضنتِ الأمانةُ العامَّةُ لجامعةِ الدُّول العربيَّة فعاليَّاتِ الملتقى في مَقرِّها بالقاهرة، وذلك يومي ٢٣ و٢٤ نوفمبر ٢٠٢٥.

 

وقد مُثِّلَ المركزُ بوفدٍ ترأّستهُ الدُّكتورة عزة هاشم (المديرُ العامُّ للمركز)، وبمشاركةِ كُلٍّ من الأستاذةِ روان خضير (الباحثةِ بوحدةِ الإنذارِ المُبَكِّر)، والأستاذةِ فرح أبوريه (الباحثة بوحدةِ الدِّراساتِ السِّياسيَّة)، والأستاذِ عبد العظيم محمد (مصمم جرافيكي).

 

هذا، وانصبَّت جلساتُ الملتقى على مناقشةِ آليَّاتِ توظيفِ مراكزِ الفِكر لتقنياتِ الذَّكاء الاصطناعيِّ في منهجيَّاتِ البحثِ والتَّحليل، واستعراضِ الأدواتِ والفُرصِ المُتاحةِ لدمجِ هذه التَّقنياتِ بفاعليَّةٍ لتعزيزِ الكفاءةِ المؤسَّسيَّة، فضلًا عن بحثِ التَّحدِّياتِ والمخاطرِ المُحتملةِ الَّتي قد تُواجهُ مراكزَ الفِكر العربيَّة في هذا السِّياق.

فعاليَّاتُ اليومِ الأوَّل: الذَّكاءُ الاصطناعيُّ في مراكزِ الفِكر.. الأدواتُ، التِّقنياتُ، والفُرصُ النَّاشئة

دُشِّنَت أعمالُ اليومِ الأوَّلِ بجملةٍ من الفعاليَّاتِ الاستهلاليَّةِ الَّتي رسَّخَت الإطارَ العامَّ للنِّقاشاتِ حولَ محوريَّةِ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ في العمليَّةِ البحثيَّة. حيثُ استُهِلَّ البرنامجُ بعرضٍ مرئيٍّ وثائقيٍّ استعرضَ أهدافَ المُلتَقَى، ومسارَهُ التَّطوُّريَّ، وأثرَهُ المُتنامي، مِمَّا أتاحَ للمشاركينَ تكوينَ رؤيةٍ شاملةٍ حولَ طبيعةِ الحدثِ وتطلُّعاتِه.

 

وتَلا ذلكَ إلقاءُ كلماتٍ ترحيبيَّةٍ، تناوبَ عليها كُلٌّ من سعادةِ السَّفير أحمد رشيد خطابي (الأمينِ العامِّ المُساعدِ ورئيسِ قطاعِ الإعلامِ والاتِّصال)، والوزيرِ المُفوَّضِ الدُّكتور علاء التميمي (مديرِ إدارةِ البُحوثِ والدِّراساتِ الاستراتيجيَّةِ بالأمانةِ العامَّةِ لجامعةِ الدُّولِ العربيَّة)، وقد أجمعتِ الكلماتُ في مُجمَلِها على ضرورةِ توثيقِ سبل التَّعاونِ بينَ المؤسَّساتِ البحثيَّةِ العربيَّة، لا سيَّما في ظلِّ التَّسارعِ التِّكنولوجيِّ غيرِ المسبوق.

 

وقد تشعَّبت محاورُ النِّقاشِ لتُعالِجَ قضايا جوهريَّة، أبرزُها: صياغةُ آليَّاتٍ فعَّالةٍ لدمجِ أدواتِ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ في صُلبِ المنظومةِ البحثيَّةِ لمراكزِ الفِكرِ العربيَّة، ووضعُ أُطُرٍ أخلاقيَّةٍ ضابطةٍ لضمانِ الاستخدامِ المسؤول. كما شَدَّدَ الحضورُ على أولويَّةِ تأهيلِ الكوادرِ البحثيَّة، وإطلاقِ مبادراتٍ توعويَّةٍ تُعزِّزُ من ممارساتِ الاستخدامِ الآمنِ والشَّفَّافِ لهذهِ التِّقنياتِ في الحقلِ البحثيِّ.

كلمةُ الدُّكتورة عزة هاشم.. المديرُ العامُّ لمركزِ الحبتور للأبحاث

شَدَّدَتِ الدُّكتورة عزة هاشم، المديرُ العامُّ لمركزِ الحبتور للأبحاث، على أنَّ انخراطَ مراكزِ الفِكرِ العربيَّةِ في رَكْبِ التَّحوُّلِ الرَّقميِّ المُتسارِعِ لم يَعُد ترفًا أو خيارًا إضافيًّا، بل غَدَا استحقاقًا وجوديًّا وشَرْطًا لازِمًا لضمانِ فاعليَّةِ دورِهَا التَّنويريِّ والاستشاريّ، وأشارت إلى أنَّ الذَّكاءَ الاصطناعيَّ باتَ رافدًا محوريًّا في العُدَّةِ اليوميَّةِ للباحث، شريطةَ أن يُؤطَّرَ استخدامُهُ بضوابطَ أخلاقيَّةٍ ومهنيَّةٍ صارمة، تُبقيهِ في مِساحةِ “المُعينِ” لا “البديلِ” عن المَلَكةِ النَّقديَّةِ البشريَّة.

 

وفي هذا الصَّدد، دَعَت هاشم إلى تدشينِ مبادرةٍ لصياغةِ “ميثاقٍ عربيٍّ للضَّوابطِ الأخلاقيَّةِ لاستخدامِ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ بحثيًّا“؛ ليكونَ مرجعيَّةً ناظِمةً تُرسِّمُ حدودَ الاقتباسِ وآليَّاتِ التَّوثيق، وتفصلُ بدقَّةٍ بينَ الإبداعِ البشريِّ والتَّوليدِ الآليّ. مُؤكِّدةً أنَّ العِبرةَ لا تكمنُ في حظرِ الأدواتِ التِّقنيَّةِ مثل(ChatGPT)، بل في “منهجيَّةِ التَّوظيف”؛ فالتَّحليلُ والكتابةُ هما جوهرُ العمليَّةِ البحثيَّة، أمَّا التِّقنيةُ فهي وسيلةٌ مُساعِدةٌ تخضعُ مُخرجاتُها لمِشرَطِ التَّنقيحِ والخبرةِ البشريَّة.

 

وتطرَّقتِ هاشم إلى التَّحوُّلِ الجِذريِّ في سِماتِ “الباحثِ الكُفْء”؛ إذ لم تَعُد المهاراتُ الكلاسيكيَّةُ -من استنباطٍ وصياغةٍ- كافيةً وحدَها، بل باتَ لزامًا اقترانُها بـ “الكفاءةِ الرَّقميَّة” وفهمِ آليَّاتِ عملِ المِنصَّاتِ الذَّكيَّةِ وحدودِها، لإنتاجِ معرفةٍ رصينةٍ في عصرِ طوفانِ البيانات.

 

واختتمت هاشم حديثَهَا بالتَّنويهِ إلى خصوصيَّةِ عملِ باحثِ “مراكزِ الفِكر” الَّذي تفرضُ عليهِ ديناميكيَّةُ السِّياسةِ وتعدُّدُ المِلفَّاتِ حاجةً مُلِحَّةً لتوظيفِ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ في الرَّصدِ والتَّصنيف، مُنبِّهةً في الوقتِ ذاتِهِ إلى التَّحدِّي الاستراتيجيِّ المُتعلِّقِ بضبطِ “مُدخلاتِ ومُخرجاتِ” الأنظمةِ الذَّكيَّةِ عربيًّا، وتحديدِ مسؤوليَّةِ البياناتِ المُغذِّيَةِ لهذه النَّماذج، وهو ما يستدعي حوارًا مؤسَّسيًّا مُستدامًا لبناءِ بُنيةٍ معرفيَّةٍ عربيَّةٍ آمنةٍ وموثوقة.

فعاليَّاتُ اليومِ الثَّاني: تعزيزُ صُنعِ القرارِ المدعومِ بالذَّكاءِ الاصطناعيّ.. التَّحدِّياتُ والمخاطر

في إطارِ مشاركةِ مركزِ الحبتور للأبحاثِ ضِمْنَ اليوم الثاني من الملتقي، استعرضتِ الباحثتانِ فرح أبو رية وروان خضير، مُخرَجاتِ الورقةِ البحثيَّةِ الَّتي أعدَّها المركز، والَّتي شَرَّحَت واقعَ استخداماتِ أدواتِ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ الرَّاهنةِ في مراكزِ الفِكر، مُسلِّطةً الضَّوءَ على التَّحدِّياتِ الأخلاقيَّةِ والمُعوِّقاتِ المؤسَّسيَّةِ الَّتي تكتنفُ هذا التَّوظيف. كما قاربَ العرضُ ممارساتِ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ في ضوءِ المعاييرِ الدَّوليَّةِ والتَّشريعاتِ النَّاشئةِ الخاصَّةِ بحوكمتِه.

 

وفي صدد الإجابةِ عن تساؤلِ المُنتدَى المركزيِّ حولَ مدَى “جاهزيَّةِ مراكزِ الفِكر”، طرحتِ الورقةُ خارطةَ طريقٍ عمليَّةً لدمجِ هذه التِّقنياتِ بمسؤوليَّة؛ حيثُ اقترحت حزمةً من المساراتِ التَّطبيقيَّة، أبرزُها: صياغةُ سياساتٍ داخليَّةٍ ومواثيقِ شرفٍ تضمنُ شفافيَّةَ المُخرَجاتِ النِّهائيَّة، وإرساءُ آليَّاتٍ صارمةٍ للرَّقابةِ البشريَّةِ (Human Oversight) لضمانِ الدِّقَّةِ والمصداقيَّة، لا سيَّما في الأبحاثِ ذاتِ التَّأثيرِ المباشرِ في صُنعِ القرار. وذلك بالتَّوازي مع ضرورةِ الاستثمارِ في بناءِ قُدراتِ الكادرِ البحثيِّ، وتطبيقِ معاييرَ دقيقةٍ لحوكمةِ البياناتِ واختيارِ أدواتٍ آمنةٍ تكفُلُ حمايةَ السّريَّةِ والملكيَّةِ الفكريَّة.

 

واختُتِمَ العرضُ بالتَّشديدِ على أهميَّةِ “تصنيفِ الأنشطةِ البحثيَّة” وَفقَ مستوياتِ المخاطر، وتحديدِ نِسَبٍ آمنةٍ لاستخدامِ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ لكلِّ فئة، مع قصرِ الاعتمادِ المؤسَّسيِّ على الأدواتِ المُمتثِلةِ لمعاييرِ الأمن. كما أوصتِ الباحثتانِ بتبنِّي “النَّماذجِ التَّحليليَّةِ الهجينة” الَّتي تُزاوجُ بين المُعالجةِ الآليَّةِ والخبرةِ البشريَّةِ الرَّصينة، مع الالتزامِ المبدئيِّ بالإفصاحِ عن الاستعانةِ بالتِّقنيةِ في الدِّراسات، وإخضاعِ هذه السِّياساتِ لتقييمٍ ومراجعةٍ أخلاقيَّةٍ دوريَّةٍ لضمانِ مواكبتِهَا للمُستجدَّات.

 

وعليه، جاءت مشاركةُ مركزِ الحبتور للأبحاثِ في الملتقى السَّنويِّ الثَّالثِ لمراكزِ الفِكرِ تأكيدًا للدَّورِ العربيِّ المُتصاعدِ في رسمِ ملامحِ مُستقبلِ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ، بوصفِهِ مَجالًا بحثيًّا وتطبيقيًّا مُتقدِّمًا، وقد خلُصَت الفعاليَّاتُ إلى أنَّ تطويرَ البُنيةِ الرَّقميَّةِ، وتوحيدَ معاييرِ الحوكمةِ الأخلاقيَّةِ، وتنميةَ القُدراتِ البحثيَّةِ المُتخصِّصةِ، تُمثِّلُ ركائزَ جوهريَّةً للانتقالِ نحو نموذجٍ معرفيٍّ يَعتمِدُ الذَّكاءَ الاصطناعيَّ بوصفِهِ أداةً لإنتاجِ المعرفة، لا بديلًا عن العقلِ الإنسانيِّ.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *