دائماً ما تظل التوقعات السياسية محل شك، حتى تضعها الأحداث على محك الاختبار الحقيقي. في سلسلة "هل كانوا على صواب؟"، نأخذكم في رحلة عكسية؛ نبحث في أوراق الماضي لنقرأ ما تنبأ به المحللون، ثم نصطدم بواقع الحاضر لنكتشف الحقيقة المجردة. واليوم، نضع توقعات "بيتر زيهان" تحت المجهر، ونقارنها بتفاصيل الحرب الدائرة الآن، لنكشف بدقة: أين أصاب كبد الحقيقة، وأين طاشت سهامه تماماً؟"
يُعد بيتر زيهان محللاً جيوسياسياً وخبيراً استراتيجياً أمريكياً. تضمنت مسيرته المهنية العمل في عدة مراكز بحثية؛ إذ عمل باحثاً في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (Center for Political and Strategic Studies)، وتولى منصب نائب الرئيس في شركة “ستراتفور” (Stratfor) المتخصصة في مجال الاستخبارات الجيوسياسية. وتستند منهجيته التحليلية إلى دراسة المتغيرات الجغرافية، والبيانات الديموغرافية، وموارد الطاقة، كأدوات رئيسية لفهم وتفسير آليات صنع القرار لدى الدول.
يقدم كتابه “القوة العظمى الغائبة”، الصادر عام 2017 عن مؤسسة “زيهان أون جيوبوليتيكس” (Zeihan on Geopolitics)، مقاربة استشرافية للتحولات المستقبلية في بنية النظام الدولي بشقيه السياسي والاقتصادي. وتستند الأطروحة المركزية للكتاب إلى فرضية تفكك الهيكلية العالمية الراهنة نتيجة تفاعل محددين استراتيجيين؛ يتمثل الأول في طفرة استخراج الغاز والنفط الصخري التي وفرت للولايات المتحدة استقلالاً تاماً في قطاع الطاقة، مما يقلص من مبرراتها الجيوسياسية للاستمرار في تحمل الأعباء الأمنية والاقتصادية لتأمين خطوط الملاحة والتجارة البحرية الدولية.
ويتحدد المتغير الثاني في التحولات الديموغرافية السلبية، وتحديداً تقلص الشريحة الشابة في دول صناعية محورية كالصين وروسيا. ويُشير التحليل إلى أن هذا الانكماش السكاني سيُفضي بالضرورة إلى تراجع في معدلات الإنتاج والاستهلاك، مما يُنذر بتقويض استقرار النماذج الاقتصادية القائمة بشكل أساسي على التصدير للأسواق الخارجية.
ونتيجة للانسحاب الأمريكي المرتقب وما قد يعقبه من فراغ أمني، يشير الكتاب في قسمه الأخير إلى توجه الدول نحو الخيار العسكري لتأمين احتياجاتها الاستراتيجية من الموارد والطاقة. وفي هذا السياق، يحدد زيهان مسارح عمليات محتملة لهذه النزاعات الإقليمية، تشمل شرق أوروبا والمحيط الهادئ، فضلاً عن تخصيصه فصلاً بعنوان “حرب الخليج القادمة” لاستشراف مسار صراع عسكري في الشرق الأوسط يهدف إلى السيطرة على إمدادات النفط ومضيق هرمز، وهو الفصل الذي يمثل النقطة المرجعية الأساسية لمقارنة نظريات الكاتب مع أحداث عملية “الغضب العارم” الجارية.
وقد توقع زيهان الأحداث الجارية للحرب الحالية بوضوح في سياق الفصل المسمى “حرب الخليج القادمة” من كتابه. ولكن، مع بدء عملية “الغضب العارم” (Epic Fury) وبإسقاط تلك التوقعات على مجريات الأحداث، يبرز تطابق ملموس في مسارات استراتيجية محددة، بالتوازي مع تباينات واضحة في جوانب أخرى، مما يمهد لتقييم موضوعي يوضح نقاط التوافق والاختلاف بين الرؤية الاستشرافية والواقع الفعلي.
تتوافق عدة مسارات ميدانية في النزاع الراهن مع الرؤية الاستشرافية لزيهان، ويبرز في مقدمتها:
استهداف البنية التحتية للطاقة: توقع زيهان أن هدف الأطراف المتحاربة الأول سيكون تدمير القدرة الاقتصادية للخصم من خلال ضرب منشآت الطاقة كأداة استراتيجية لشل القدرات الاقتصادية والموارد المالية، وقد تجلى ذلك بوضوح خلال عملية “الغضب العارم”؛ إذ استهدفت إسرائيل حقل “بارس الجنوبي” للغاز في إيران، ليعقب ذلك رد إيراني مباشر طال منشآت حيوية إقليمية، شملت مركز “رأس تنورة” لمعالجة النفط في المملكة العربية السعودية، ومجمع “حبشان” للغاز في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومحطة “رأس لفان” القطرية لتصدير الغاز المسال
إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل: وفي سياق متصل، تحققت الافتراضات المتعلقة بالانعكاسات المباشرة للنزاع على أمن الممرات المائية؛ حيث أسفرت العمليات العسكرية عن توقف حركة الملاحة التجارية والشحن عبر مضيق هرمز. وأدى هذا الإغلاق الفعلي إلى تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التأمين البحري إلى مستويات تقيد حركة الملاحة التجارية، مما يؤكد هشاشة خطوط التجارة العالمية عند تعرض هذا الممر الحيوي للتهديد.
توسع رقعة الحرب خارج الحدود: أكد زيهان أن الصواريخ لن تلتزم بالحدود الدولية. وهو ما حدث بالفعل؛ فالرد الإيراني لم يقتصر على إسرائيل، بل شمل ضرب مراكز القيادة والدعم اللوجستي التابعة للولايات المتحدة وقوات التحالف. استهدفت الصواريخ الإيرانية مدينة أربيل في شمال العراق، والأردن ودول الخليج بالكامل، مما حول المنطقة كلها إلى مسرح عمليات واحد.
وفي مقابل التطابق في بعض الجوانب، تباينت المعطيات الميدانية مع توقعات أخرى لزيهان كما يلي:
أزمة أشباه الموصلات بدلاً من أزمة النفط: ففي حين ركزت تحليلاته على اندلاع أزمة اقتصادية عالمية مدفوعة بالأساس بنقص إمدادات النفط وارتفاع أسعاره، أفرزت المواجهات الحالية تعقيدات اقتصادية ذات طبيعة مختلفة. فقد أسفر استهداف منشآت الغاز في منطقة الخليج عن عجز حاد في الغازات الصناعية الدقيقة والضرورية لإنتاج أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية. وأدى هذا النقص المستجد إلى تعطل شبه تام في سلاسل التوريد التكنولوجية العالمية، لا سيما تلك المرتبطة بتشغيل خوادم الذكاء الاصطناعي، مما جعل الأزمة الراهنة تتجاوز أبعاد قطاع الطاقة لتشكل أزمة هيكلية في قطاع التصنيع التكنولوجي.
حرب صواريخ عن بعد بدلاً من الغزو البري: وعلى الصعيد العسكري، خالفت طبيعة العمليات التوقعات التي رجحت اندلاع حرب تقليدية تعتمد على التوغل البري وتحرك المدرعات عبر الحدود الجغرافية. وبخلاف ذلك، ارتكزت عملية “الغضب العارم” بشكل كلي على استراتيجية القصف التدميري عن بُعد؛ حيث اقتصرت التحركات العسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل على استخدام القاذفات الاستراتيجية الثقيلة كطراز (B-2)، والمقاتلات الشبحية من الجيل الخامس، والصواريخ الباليستية دقيقة التوجيه، مدعومة بأسراب مكثفة من الطائرات المسيرة. وقد رسخ هذا النهج التفوق الجوي والتقني المطلق كأداة وحيدة لإدارة المعركة، مستبعداً تماماً الحاجة إلى نشر أو تحريك قوات مشاة على الأرض.
الولايات المتحدة لم تنعزل: تتمحور الفرضية المركزية لزيهان حول حتمية الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، استناداً إلى انتفاء الحاجة لموارد الطاقة الإقليمية عقب طفرة النفط الصخري. غير أن المعطيات الميدانية نقضت هذا التوجه؛ إذ تضطلع الولايات المتحدة بدور قيادي في إدارة عملية “الغضب العارم”. وقد تجلى ذلك عبر تنفيذ القوات الأمريكية عمليات عسكرية واسعة النطاق استهدفت تحييد البنية التحتية العسكرية لإيران، وشملت تدمير المنشآت النووية، والقواعد البحرية، ومجمعات التصنيع الدفاعي. وتؤكد هذه التحركات تمسك الإدارة الأمريكية بالحفاظ على نفوذها الاستراتيجي العالمي وتأمين مصالحها، متجاوزة بذلك خيارات العزلة الجيوسياسية.
الحرب ليست صراعاً ثنائياً بين السعودية وإيران: استندت توقعات زيهان على افتراض اندلاع مواجهة إقليمية مباشرة ومحدودة بين المملكة العربية السعودية وإيران كمسار رئيسي للنزاع. ورغم انخراط الرياض في جهود التصدي للهجمات وتعرض بعض منشآتها لضربات صاروخية، فإن طبيعة الحرب الدائرة لا تُصنف كصراع ثنائي بين دولتين جارتين. بل يعتمد الهيكل العملياتي الراهن على تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، بهدف توجيه ضربات استباقية لتقويض القدرات الإيرانية، مما يغاير التصورات النظرية التي حصرت الصراع في إطار التنافس الإقليمي الثنائي
وفي الختام، تكشف مقارنة توقعات بيتر زيهان بمعطيات عملية “الغضب العارم” عن دقة رؤيته للنطاق الجغرافي والأهداف الاقتصادية للصراع، مقابل قصورها في تحديد الأطراف الفاعلة والمنهجية التكتيكية. فقد أثبتت مجريات الأحداث استمرارية الدور الاستراتيجي للولايات المتحدة عالمياً، وبرهنت على الأهمية المحورية لقطاع أشباه الموصلات بصورة توازي أسواق الطاقة، مما يفرض حتمية التحديث المستمر للنماذج الاستشرافية لمواكبة المتغيرات التكنولوجية والتوجهات السيادية التي تعيد صياغة المشهد الجيوسياسي والعسكري.
تعليقات