أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن ألمانيا "في أمسّ الحاجة إلى شراكات جديدة أكثر من أي وقت مضى"، وذلك مع استهلاله جولة شملت المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، أعلن خلالها أن برلين ستخفف القيود التي طالما فرضتها على صادرات الأسلحة إلى دول الخليج. وحتى سنوات قليلة مضت، كان من الصعب تصور صدور مثل هذا التصريح عن مستشار ألماني. غير أن هذا المشهد لا يمثل تحولًا معزولًا، بل يعكس مسارًا أوسع أخذ يتبلور في مختلف أنحاء القارة؛ فالدبابات الكورية الجنوبية تصل إلى الموانئ البولندية، والطائرات المسيّرة التركية تُستقدم لحماية أجواء دول البلطيق، وطائرات النقل البرازيلية تنضم إلى الأساطيل الأوروبية، فيما تتسابق العواصم الأوروبية، من لندن إلى برلين، لاستقطاب استثمارات صناديق الثروة السيادية الخليجية.
وبعد عقود من الاعتماد على مظلة أمنية واحدة، تبدو أوروبا اليوم في خضم إعادة تشكيل شبكة شراكاتها الدفاعية، في توجه يصفه المسؤولون بأنه استراتيجية لتنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على طرف واحد. ويكتسب هذا التحول دلالة رمزية خاصة هذا الأسبوع مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، عاصمة الدولة الشريكة التي لم تحسم أوروبا، يومًا، طبيعة العلاقة التي تريد نسجها معها. غير أن كل استراتيجية تفترض وجود بدائل، والبدائل تفترض وجود من يملك قرار الاختيار. ومن هنا يبرز السؤال المحوري الذي تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عنه: هل تختار أوروبا بالفعل شركاءها الدفاعيين الجدد، أم أن فجواتها المتنامية في القدرات العسكرية هي التي باتت تفرض عليها خياراتها؟
ترتكز المجر على قطاع زراعي راسخ ومتطور يشكّل قاعدة إنتاجية موثوقة تعزز استقرار الإنتاج وتدعم استدامة منظومتها الزراعية على المدى الطويل، إذ تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة والمحاصيل الدائمة نحو 4.3 ملايين هكتار، من بينها قرابة 130 ألف هكتار من الأراضي المروية، بما يعكس قدرة إنتاجية مستقرة وقابلة للتوسع. وتشمل المحاصيل الرئيسية القمح بمساحة 0.9 مليون هكتار، والذرة بمساحة 0.8 مليون هكتار، ودوار الشمس بمساحة 0.7 مليون هكتار، في حين تغطي المراعي نحو 0.8 مليون هكتار وتمتد الغابات على مساحة 2 مليون هكتار، بما يعكس تنوعًا في أنماط الاستخدام الزراعي والموارد الطبيعية. وعلى مستوى الإنتاج الحيواني، تضم البلاد نحو 2.8 مليون رأس من الخنازير و33.8 مليون طائر من الدواجن، وهو ما يعزز من تنوع القاعدة الزراعية ويمنحها مرونة إنتاجية تدعم قدرتها على الإسهام في منظومات الأمن الغذائي على نطاق أوسع.
واتساقًا مع هذه القاعدة الإنتاجية، يعتمد اقتصاد المجر على التصدير بوصفه محرّكًا رئيسيًا للنمو، وهو ما دفع إلى تسريع تبنّي التطورات التكنولوجية وتخفيف القيود المالية، بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة، عبر قطاعات متعددة، الأمر الذي انعكس مباشرة في تحسين جودة المنتجات وتعزيز مستويات الربحية. وفي هذا السياق، استفاد القطاع الزراعي بشكل لافت من هذه التحولات، إذ شهدت صادرات المحاصيل والإنتاج الحيواني نموًا متواصلًا على مدى السنوات. وقد شكّلت الصادرات الزراعية نحو 9.1% من إجمالي صادرات المجر في عام 2024، وتوزعت على سلع رئيسية تشمل الحبوب ومنتجاتها بنسبة 13%، وأعلاف الحيوانات بنسبة 12%، واللحوم ومنتجاتها بنسبة 9%، ومنتجات الألبان بنسبة 5%، إضافة إلى الفواكه والخضروات بنسبة 5%. وانطلاقًا من ذلك، يعزّز الدور المتقدم للمجر في القطاع الزراعي قدرتها على تبنّي مقاربات فعّالة لمعالجة تحديات الأمن الغذائي، بما يوسّع في الوقت ذاته نطاق العوائد الاستراتيجية للدول التي تنخرط في شراكات معها.
ترتبط دولة الإمارات العربية المتحدة والمجر بشراكة متينة تتجاوز الإطار الجغرافي التقليدي، إذ شهدت العلاقات الثنائية منذ إقامة الروابط الدبلوماسية بين البلدين مسارًا تصاعديًا نحو مستويات متقدمة من التنسيق والتكامل عبر مجالات متعددة، تشمل الطاقة والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، يعكس هذا الزخم التعاوني قابلية استراتيجية لتوسيع نطاق الشراكة بين أبوظبي وبودابست بما يتجاوز القطاعات التقليدية، ليشمل التعامل مع أحد أبرز التحديات العالمية المستمرة، والمتمثل في الأمن الغذائي.
وانطلاقًا من هذا الزخم التعاوني، تمتلك المجر قاعدة زراعية متقدمة وإمكانات إنتاجية معتبرة، في حين ترسّخ دولة الإمارات موقعها بوصفها بوابة إلى الأسواق العالمية، ومركزًا للتكنولوجيا، ومصدرًا فاعلًا لرأس المال. وعلى هذا الأساس، تبرز بين البلدين فرص نوعية لتطوير شراكة غذائية تتفوق في إمكاناتها على ما هو قائم مع بقية دول المنطقة. وفي هذا السياق، يمكن لبودابست أن تؤدي دور حلقة ارتكاز في سلاسل إمداد الغذاء، تربط أوروبا الوسطى بالشرق الأوسط عبر موانئ البحر الأدرياتيكي، مدعومةً بالتعاون في التقنيات الزراعية بما يعزز كفاءة الإنتاج والنقل. وفي المقابل، يمكن لموانئ دولة الإمارات أن تؤدي دور حلقة وصل استراتيجية تتيح نفاذ المنتجات المجرية إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا بكفاءة أعلى، بما يرسّخ تكاملًا وظيفيًا بين القدرات الإنتاجية واللوجستية للطرفين.
في عالم تسوده التحوّلات المتسارعة المدفوعة بالتقدم التكنولوجي، يُعاد رسم ملامح المشهد العالمي على وقع الصعود اللافت لتقنيات الذكاء الاصطناعي، تلك التقنية التي باتت تضطلع بدور جوهري في إحداث تحوّلات اقتصادية كبرى، وإطلاق عصر جديد من النمو في الناتج المحلي الإجمالي. وتُعدّ منطقة الشرق الأوسط من بين أكثر المناطق حيويةً في ما يتعلّق بدمج الذكاء الاصطناعي، إذ لا تكتفي بمجرد الرصد أو مواكبة حركة التطور، بل تتبنّى هذا التحوّل بشكل ثوري، حيث تسعى حكومات المنطقة إلى تسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي لإعادة تشكيل سياساتها، وتطبيق استراتيجيات وطنية طموحة، واستقطاب استثمارات أكثر ذكاءً، وإعادة بناء مستقبلها على أسس رقمية أكثر تطورًا. وقد بدأت ملامح هذا التحول تؤتي ثمارها، حيث باتت اقتصادات عدّة في المنطقة أكثر مرونةً وديناميكية، وتطورت النظم لتعمل بكفاءة وذكاء أعلى، ما أسهم في توفير خدمات أفضل وأكثر فاعلية لشعوبها.
ورغم التقدّم السريع والنمو المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي داخل الشرق الأوسط، لا تزال المنطقة تواجه جملة من التحديات التي تُعيق المسار التحويلي المنشود، من أبرزها النقص في الكوادر البشرية المؤهّلة بالقدر الكافي، والحاجة المستمرة إلى حلول مبتكرة وأساليب جديدة لسد هذه الفجوة. وفي المقابل، تفتقر معظم دول المنطقة إلى إطار تشريعي متكامل ينظّم استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل عادل وأخلاقي، بما يضمن اتساقه مع المبادئ الإنسانية والمعايير الدولية. كما أن الحاجة المتنامية إلى تطوير بنية تحتية رقمية مستدامة تؤكد أن الطريق لا يزال يتطلّب المزيد من الجهود والعمل المؤسسي. غير أن تجاوز هذه التحديات والعقبات كفيل بإطلاق الإمكانات الكاملة للمنطقة، وتعزيز قدرتها التنافسية، وتمكينها من لعب دور محوري في مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي.