ترصد هذه الدراسة اتجاهات الرأي العام في المجتمعات العربية تجاه الذكاء الاصطناعي، وذلك استنادًا إلى بيانات جُمعت في نوفمبر 2025، مع تركيز خاص على الاعتماد المتزايد على نماذج أجنبية وتداعيات ذلك على القيم الثقافية والهوية العربية. وتُبرز النتائج تنامي المخاوف إزاء الدور الذي قد تؤديه أنظمة الذكاء الاصطناعي في التأثير على الأعراف السائدة، وإعادة تشكيل الهوية الجمعية، وإعادة ترتيب الأولويات المجتمعية، بما يحمله ذلك من آثار بعيدة المدى.

 

ومن خلال تحليل تصوّرات الرأي العام بشأن الحاجة إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية، والجهات التي ينبغي أن تتولّى قيادتها، تُقدّم هذه الدراسة قراءة معمّقة لكيفية تحوّل الاعتماد التكنولوجي، على نحو متزايد، إلى قضية ذات أبعاد استراتيجية وثقافية مرتبطة بالهوية في مختلف أنحاء العالم العربي.

 

أُتيح للمشاركين في البداية التعبير عمّا إذا كانت المجتمعات العربية تعتمد على نماذج ذكاء اصطناعي أجنبية. ومن اللافت أنّه، رغم تضمّن الاستبيان خيار “لا تعتمد إطلاقًا”، لم يختره أيّ من المشاركين. وبدلًا من ذلك، انقسمت الآراء بين الاعتماد الجزئي والاعتماد الكامل؛ إذ يرى 68% أنّ المجتمعات العربية تعتمد جزئيًا على نماذج ذكاء اصطناعي أجنبية، بينما يعتقد 32% أنّ هذا الاعتماد كامل.

وقد يعكس هذا التمييز بين الاعتماد الكامل والجزئي الكيفية التي يُدرك بها الأفراد استخدام الذكاء الاصطناعي، لا نوعية النماذج المستخدمة فحسب. فعلى سبيل المثال، قد يُنظر إلى «الاعتماد الجزئي» على أنّه استخدام نماذج ذكاء اصطناعي أجنبية، لكن مع التفاعل معها باللغة العربية أو من خلال واجهات محلية، الأمر الذي قد يحدّ من الإحساس بالاعتماد المباشر، رغم بقاء البنية التقنية الأساسية خارج الإطار العربي.

 

ترى أغلبية واضحة من المشاركين، بنسبة 73%، أنّ نماذج الذكاء الاصطناعي تؤثّر في القيم العربية، مقابل 27% لا يرون لهذا التأثير حضورًا يُذكر. ويبدو أنّ هذا التصوّر يستند إلى فهم واسع لمفهوم القيم، يشمل الأبعاد اللغوية والثقافية والدينية والأخلاقية والفكرية على حدّ سواء. ولا ينصبّ هذا القلق، في جوهره، على الأصل الأجنبي لنماذج الذكاء الاصطناعي بقدر ما يرتبط بإمكاناتها في التأثير في أنماط التفكير والسلوك، وإعادة تشكيل الأعراف الاجتماعية والثقافية. كما يعكس هذا الموقف قدرًا من التحفّظ الأوسع تجاه التقنيات الجديدة وغير المألوفة؛ إذ يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مجالًا “غير مكتمل المعالم”، لا تزال انعكاساته على القيم العربية موضع توقّع وقلق في آنٍ واحد.

 

 

على الرغم من أنّ غالبية المشاركين يرون أنّ نماذج الذكاء الاصطناعي تؤثّر في القيم العربية، فإن طبيعة هذا التأثير لا تزال غير محسومة. فقد صنّف 55% من المشاركين هذا التأثير بوصفه محايدًا، وهو توصيف لا ينبغي فهمه على أنّه غياب للتأثير، بل باعتباره تعبيرًا عن تصوّر مفاده أنّ أثر الذكاء الاصطناعي على القيم العربية لم يتّضح بعد في اتجاه إيجابي أو سلبي قاطع في المرحلة الراهنة.
ينسجم هذا التفسير مع بنية الاستبيان نفسها؛ إذ تُثبت المسألة السابقة وجود تأثير من حيث المبدأ، بينما تتناول هذه المسألة اللاحقة كيفية إدراكه. وعليه، فإن غلبة توصيف “المحايد” تعبّر عن حالة من عدم اليقين والتحفّظ، لا عن إنكار لوجود التأثير.

وفي الوقت ذاته، يكشف توزيع الإجابات عن ميلٍ واضح نحو القلق؛ إذ يرى 36% من المشاركين أنّ تأثير الذكاء الاصطناعي سلبي، مقابل 9% فقط يقيّمونه بوصفه إيجابيًا. ويشير هذا الخلل في التوازن إلى أنّه، رغم تردّد شريحة واسعة في حسم اتجاه التأثير، فإن من يمتلكون موقفًا محدّدًا يميلون بدرجة أكبر إلى توقّع تداعيات سلبية على القيم العربية. وتُظهر النتائج مجتمعة أنّ الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه كقوّة تحوّلية قيد التشكل، الأمر الذي يفسّر هيمنة الحذر والتريّث على تصوّرات الرأي العام في المرحلة الراهنة.

 

 

تتقاطع تصوّرات المشاركين بشأن الهوية إلى حدٍّ كبير مع مواقفهم إزاء القيم، وهو تقاطع مفهوم في ظلّ الترابط البنيوي بين المفهومين. غير أنّ تقدير حجم التأثير على الهوية يبدو أقلّ نسبيًا؛ إذ يرى 68% من المشاركين أنّ الذكاء الاصطناعي قادر على التأثير في الهوية العربية، مقابل 32% لا يشاركون هذا التصوّر. ويُحتمل أن يعكس هذا التفاوت إدراكًا واسعًا للهوية بوصفها أكثر رسوخًا وعمقًا واستمرارية من منظومة القيم، الأمر الذي يجعل شريحة من المشاركين أقلّ ميلاً إلى الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قادر، في المرحلة الراهنة، على إحداث تحوّل جوهري فيها.

 

 

تتّسم تصوّرات التأثير على الهوية بدرجة عالية من التقارب مع المواقف المتعلّقة بالقيم. إذ يتوقّع 50% من المشاركين أن يكون تأثير الذكاء الاصطناعي على الهوية العربية محايدًا، فيما تتوزّع الآراء الأخرى على نحو متوازن نسبيًا بين من يرونه إيجابيًا (23%) ومن يقيّمونه سلبيًا (27%). ويعكس هذا التوازن في النسب حالةً من التشكّل المستمر للرأي العام بشأن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والهوية. فمع تعمّق اندماج هذه التقنيات في الحياة اليومية، يُرجَّح أن تتبلور مواقف أكثر وضوحًا وحسمًا إزاء انعكاساتها على الهوية العربية على المدى القريب والمتوسط.

 

 

على الرغم من تباين التقديرات بشأن طبيعة تأثير الذكاء الاصطناعي، تُظهر النتائج توافقًا واسعًا حول الحاجة إلى تطوير ذكاء اصطناعي عربي؛ إذ يرى 82% من المشاركين أنّ هذه الحاجة قائمة بوضوح. ويعزّز هذا التوجّه اختيار 14% لخيار “ربما”، بما يعكس درجة معتبرة من الانفتاح والاستعداد للنقاش، في حين لا تتجاوز نسبة الرافضين للفكرة 4.5%. ويعكس هذا الإجماع شبه الكامل إدراكًا متناميًا لأهمية الاستثمار في تقنيات ذكاء اصطناعي تنطلق من الخصوصيات اللغوية والثقافية والاجتماعية العربية، بوصفها عنصرًا أساسيًا في تعزيز الاستقلالية التقنية وحماية الهوية في ظل التحوّلات الرقمية المتسارعة.

 

 

عند استطلاع آراء المشاركين حول الجهة التي ينبغي أن تقود تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية، جاء الباحثون في المرتبة الأولى بنسبة 45%، تليهم الحكومات بنسبة 36%. ويعكس هذا الترتيب تصوّرًا سائدًا للذكاء الاصطناعي بوصفه مجالًا عالي التخصّص والتعقيد التقني، يتطلّب قيادة قائمة على الخبرة العلمية والمعرفة المتعمّقة بالمجال، أكثر من اعتماده على الأطر الإدارية أو السياسية وحدها.
وفي الوقت ذاته، قد يعكس الدور البارز المنسوب إلى الحكومات توقّعاتٍ تتعلّق بالتنظيم والرقابة والتنسيق الاستراتيجي طويل الأمد. وفي المقابل، لم تحظَ منظمات المجتمع المدني سوى بنسبة 4.5%، ما يشير إلى محدودية الدور المتصوَّر لها في توجيه مسار تطوير الذكاء الاصطناعي في العالم العربي.

ويرجَّح أن يعكس ذلك الحضور المؤسسي المحدود والتأثير الضعيف نسبيًا لمنظمات المجتمع المدني في عمليات صنع السياسات عبر المنطقة. أمّا بقية الإجابات فقد اندرجت ضمن فئة “أخرى”، وهو ما يشير إلى قدر من الانفتاح على أدوار بديلة لفاعلين خارج الأطر التقليدية.

اتجاهات الرأي العام” سلسلة قائمة على البيانات، تهدف إلى تصوير توجهات الرأي العام إزاء القضايا الإقليمية والعالمية الراهنة، ويقوم على إعدادها وتحريرها فريق من كبار الباحثين في برنامج الإنذار المبكر بمركز الحبتور للأبحاث، وهما حبيبة ضياء الدين وأحمد السعيد.

 

وتستند النتائج المعروضة إلى بيانات جُمعت عبر استطلاعات رأي على وسائل التواصل الاجتماعي ونماذج إلكترونية وُزِّعت من خلال البريد الإلكتروني. وعلى الرغم من الحرص على تحقيق عينة واسعة ومتنوعة، فإنّ النتائج تعبّر عن آراء وتوجهات المشاركين فقط، ولا ينبغي تفسيرها على أنّها تمثّل الموقف العام أو تعكس بالضرورة رأي مركز الحبـتور للبحوث.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *