تُرسِّخ استراتيجية الأمن القومي (NSS) الإطار الحاكم لرؤية القوة الأميركية، وتكشف عن الكيفية التي تفهم بها الولايات المتحدة طبيعة البيئة الدولية، وتُحدِّد من خلالها أولوياتها، وتختار الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي ستعتمد عليها في صون مصالحها الوطنية. ومن هذا المنطلق، تضطلع الاستراتيجية بدورٍ محوري في توجيه تخطيط الدفاع، وصياغة عقيدة السياسة الخارجية، وضبط آليات التنسيق بين الوكالات الحكومية، فضلًا عن إرسال رسائل واضحة إلى الحلفاء والخصوم على السواء بشأن اتجاهات الانخراط الأميركي في نظام دولي يشهد تحوّلات متسارعة.
تُشكّل استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، الصادرة عن إدارة ترامب في نوفمبر 2025، مقاربة واضحة لكيفية تموضع هذه الإدارة في عالم يتّسم بتصاعد التفكّك الجيوسياسي، واحتدام التنافس، وتزايد القيود الداخلية. ويتمثّل هدفها الجوهري في تحويل رؤية الإدارة للعالم إلى إطار متماسك يحدّد بدقّة ما ستمنحه الولايات المتحدة الأولوية، وما ستتراجع عنه، والظروف التي ستدفعها إلى توظيف رأسمالها السياسي، ونفوذها الاقتصادي، أو قوتها العسكرية.
بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تكتسب قراءة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 أهمية خاصة، إذ إنها تُجسِّد المبادئ التي تُشكِّل ملامح الموقف الأميركي المتحوّل تجاه المنطقة. ويعكس تركيز الاستراتيجية على تقاسم الأعباء، وتقليص الانخراط العسكري المباشر، والشراكات ذات الطابع التبادلي تحوّلًا في سقف التوقعات الموجّهة إلى الفاعلين الإقليميين، في حين يواصل تركيزها على أمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتنافس الاستراتيجي مع القوى الخارجية رسم الإطار الناظم لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. وباعتبارها صياغة رسمية لكيفية إدراك الإدارة لمصادر التهديد وفرص الحركة، تُقدِّم استراتيجية الأمن القومي أوضح خارطة طريق متاحة لتوجّهات واشنطن، كما ترسم الإطار المرجعي الذي ستُصاغ في نطاقه قراراتها حيال الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
يبرز الاختلاف الأوضح في أن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 جاءت أكثر إيجازًا على نحو ملحوظ مقارنة بنسخة عام 2017 (29 صفحة مقابل 55 صفحة)، كما تعكس تبنّي تعريفٍ أضيق وأكثر تحفظًا للمصالح الوطنية الجوهرية للولايات المتحدة على الصعيد العالمي.
جاءت استراتيجية الأمن القومي لعام 2017 في سياق تحوّل أوسع نحو منطق “تنافس القوى الكبرى” مع الصين وروسيا، في حين تعتمد استراتيجية عام 2025 نبرة أكثر تصالحية على نحو ملحوظ تجاه المنافسين، إذ تتجنّب الإشارة إلى هذا الإطار التنافسي، مفضِّلة تركيزًا طاغيًا على قضايا أقرب إلى الداخل الأميركي، وفي مقدّمتها ملف الهجرة.
يتمثّل اختلاف جوهري آخر في إعادة ترتيب إدارة ترامب لأولوياتها الاستراتيجية؛ إذ تراجعت منطقة الإندو-باسيفيك عن موقعها المتقدّم في سلّم الاهتمامات، في مقابل انتقال النصف الغربي من الكرة الأرضية إلى صدارة التركيز. ففي استراتيجية الأمن القومي لعام 2017، شكّلت منطقة الإندو-باسيفيك — ولا سيما الصين — محور الأولوية العليا، بينما يعكس التحوّل الراهن إعادة توجيه الانتباه نحو نصف الكرة الغربي، بما يوفّر للصين هامشًا مؤقتًا لالتقاط الأنفاس، ويثير في المقابل مخاوف متنامية لدى الاتحاد الأوروبي وأوروبا ككل.
أمّا فيما يتعلّق بالشرق الأوسط، فقد تعاملت استراتيجية الأمن القومي لعام 2017 مع المنطقة بوصفها إحدى ستّ أولويات رئيسية، وركّزت بدرجة كبيرة على ثلاثة تحدّيات أساسية: مواجهة إيران، وهزيمة تنظيم داعش وغيرها من الجماعات الإسلامية المتطرّفة، وضمان تدفّق الطاقة. ورغم أنها أدخلت مقاربة تبادلية تنسجم مع شعار “أميركا أولًا”، فإنها ظلّت تنظر إلى المنطقة باعتبارها ساحة مركزية للمصالح الأمنية الأميركية تتطلّب قدرًا معتبرًا من الاهتمام والانخراط.
تذهب استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 بسياسة الانسحاب وتقليص الانخراط إلى مداها المنطقي الأبعد، إذ تعيد إعادة تعريف الشرق الأوسط، لا باعتباره في الأساس بؤرة مخاطر أمنية تستوجب تدخّلًا عسكريًا، بل بوصفه مجالًا للاستثمار ومنصة لإقامة شراكات تبادلية تحكمها الحسابات البراجماتية للمصالح. كما ينصبّ التركيز على تجنّب الانخراط العسكري طويل الأمد، وتوجيه الاهتمام نحو الفرص الاقتصادية، مع تأكيد صريح على النيّة في إعادة توجيه الموارد بعيدًا عن الشرق الأوسط من أجل تكريسها لمناطق أخرى على الساحة العالمية.
تكمن الخلاصة الأهم التي تبرزها استراتيجية الأمن القومي في التحوّل الذي قد يتّسم بطابعٍ مُربِك ومُزعزع للاستقرار في النهج الأميركي تجاه أوروبا، إذ يجري إعادة تعريف العلاقة من منظومة قائمة على ضمانات دفاع جماعي شبه مؤكّدة إلى شراكة يغلب عليها الطابع التصادمي والتبادلي، وتُدار وفق منطق الالتزامات المشروطة والمقايضات المباشرة. ويتجلّى الأثر الأكثر إلحاحًا في التسريع غير المسبوق لمطلب تقاسم الأعباء داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث تدفع الاستراتيجية الدول الحليفة نحو هدف إنفاق دفاعي يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مقرونًا بإشارات صريحة إلى تقليص الدور الأميركي في منظومة الردع التقليدي داخل القارة الأوروبية.
وتقضي هذه السياسة بأن يغدو الدعم الأميركي المستقبلي رهينًا بمدى استعداد الحليف لتحمّل “مسؤوليات أمنية إقليمية أكبر”، الأمر الذي يُعيد تشكيل التحالف، فعليًا، ليصبح شبكة تبادلية تُمنَح فيها المساندة بوصفها عائدًا مباشرًا على حجم الاستثمار والالتزام. وعلاوة على ذلك، تعتمد الاستراتيجية نبرة أكثر ليونة وميلًا إلى التهدئة تجاه روسيا، إذ تُقدِّم إحياء الانخراط الدبلوماسي واستعادة “الاستقرار الاستراتيجي” على منطق المواجهة المستمرة. ويرتبط هذا التوجّه بإلحاح واضح على التوصّل إلى تسوية سريعة للحرب الروسية–الأوكرانية، التي تنظر إليها الاستراتيجية بوصفها عامل تشتيت، كما يبعث بإشارة صريحة إلى طيّ صفحة سياسة توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وعلى نحوٍ يُمثّل قطيعة لافتة مع عقودٍ من النهج الأميركي التقليدي، تُعبّر استراتيجية الأمن القومي عن موقف أيديولوجي صريح يتّسم بالعدائية تجاه الاتحاد الأوروبي وغيرها من الكيانات العابرة للحدود، إذ تنتقدها بوصفها أطُرًا تُسهم في تقليص سيادة الدول الأعضاء وتفرض قيودًا على المصالح الاقتصادية الأميركية عبر ما تعتبره إفراطًا في التنظيم والتشريعات.
وتستخدم الاستراتيجية لغة مُثقَلة بدلالات أيديولوجية، محذِّرة من خطر “الطمس الحضاري” الناتج عن الهجرة وتراجع معدّلات المواليد، كما تدعو — على نحوٍ جدلي — إلى أن تُعطي السياسة الأميركية أولوية نشطة لـ “تشجيع معارضة داخلية داخل المجتمعات الأوروبية للمسار الراهن لأوروبا”، ودعم “الأحزاب الأوروبية ذات التوجّه الوطني”، بما يُمثّل إعلان نوايا غير مسبوق للتدخّل في الحياة السياسية الديمقراطية لدول حليفة.
لا تعكس استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 تحوّلًا حادًا أو قرارًا استثنائيًا مقصودًا لإعادة توجيه السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط بقدر ما تمثّل حلقة متقدّمة في مسارٍ ممتدّ من تقليص الانخراط الأميركي في المنطقة عبر إدارات متعاقبة. غير أنّ ما يميّز هذه الاستراتيجية هو أنها تُصرّح بهذا التوجّه بوضوح وصراحة غير معهودة؛ إذ تُقرّ بأن الأسس التاريخية التي دفعت الولايات المتحدة إلى منح الشرق الأوسط أولوية استراتيجية — وعلى رأسها الاعتماد على موارد الطاقة واعتبارات التنافس الجيوسياسي في سياق الحرب الباردة — قد تآكلت إلى حدٍّ كبير، ولا سيما بعد تحوّل الولايات المتحدة إلى مُصدِّر صافٍ للطاقة، وهو ما أعاد صياغة موقع المنطقة في سلّم الاهتمامات الأميركية.
يتمثّل أحد الأهداف الأساسية لهذا الإطار الجديد في تجنّب “الحروب الأبدية” وإنهاء مشاريع بناء الدول الممتدّة زمنيًا، بما يعكس توجّهًا واضحًا نحو نقل أعباء الأمن وإعادة الإعمار إلى الشركاء الإقليميين. ووفق هذه المقاربة، تُعلن الولايات المتحدة صراحةً تخلّيها عن مساعيها السابقة لتعزيز الإصلاحات الديمقراطية، مؤكّدةً أنها لن تعود إلى ممارسة الوعظ أو الضغط على القادة الإقليميين أو الملكيات الخليجية بشأن تقاليدهم الداخلية وأنماط الحوكمة المعتمدة لديهم. وعوضًا عن ذلك، تتّجه الإدارة إلى قبول واقع هذه الدول كما هو، مع إعادة توجيه بناء العلاقات نحو تقاطع المصالح الأمنية والترتيبات التجارية ذات العائد المرتفع. ويُفترض أن يُشكّل هذا التوجّه، في حدّ ذاته، عامل طمأنة للمنطقة؛ إذ إن تبنّي إدارة أميركية لنهجٍ لا يُقحم نفسه في دوائر صنع القرار الداخلي للدول يفسّر إلى حدٍّ بعيد سبب تطلّع عددٍ كبير من قادة المنطقة إلى عودة دونالد ترامب، بدلًا من بدائل مثل كامالا هاريس أو جو بايدن، الذي كان قد صرّح علنًا بنيّته وصم المملكة العربية السعودية بوضع الدولة المنبوذة.
على الرغم من أن هذا التحوّل العام نحو تقليص الانخراط قد يثير مخاوف، ولا سيّما لدى دول الخليج، فإن استراتيجية الأمن القومي تُحدِّد بوضوح مصالح أساسية غير قابلة للمساومة ستظلّ تحكم طبيعة النشاط الأميركي في المنطقة. وتؤكّد الولايات المتحدة استمرار التزامها بمنع أي قوّة معادية من تحقيق هيمنة إقليمية، ولا سيّما على إمدادات النفط والغاز الحيوية والممرّات البحرية الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر. كما تتصوّر الاستراتيجية تحوّلًا تدريجيًا من انخراطٍ مكثّف ذي طابع عسكري إلى مقاربة تضع التكنولوجيا المتقدّمة والاستثمار في صدارة الأولويات، سعيًا إلى دمج الشركاء في الشرق الأوسط ضمن صناعات تقودها الولايات المتحدة، مثل الذكاء الاصطناعي، والطاقة النووية، ومعالجة المعادن النادرة.
وفي حين تفترض الاستراتيجية أن عددًا من النزاعات الإقليمية يقترب من مراحل التسوية، فإنها تراهن بدرجة كبيرة على إسرائيل لقيادة احتواء إيران عسكريًا، وفي المقابل تتوقّع من دول الخليج العربية تحمّل كلفة إعادة إعمار المناطق التي دمّرتها الحروب، مثل سوريا وغزة. وفي المحصّلة، تتعامل استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 مع الشرق الأوسط بوصفه فضاءً تجاريًا واستثماريًا تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تعظيم مكاسبها الاقتصادية، مع الحدّ الصارم من أعبائها السياسية والعسكرية.
على الرغم من التأكيد المتكرر في استراتيجية الأمن القومي وخطاب الرئيس ترامب على التوجّه نحو تقليص الانخراط والانسحاب من المنطقة، فإن هذا الطرح يصطدم سريعًا بحدود الواقع وتوازناته، لتكشف المقاربة المعلنة — كما هو الحال مع العديد من القرارات الأميركية في السنوات الأخيرة — عن فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة، وتكشّف عن تناقضات بنيوية يصعب تجاوزها في التطبيق العملي.
على الرغم من وجود قدرٍ من الصواب في رؤية هذه الإدارة — ولا سيّما تجاه دول الخليج — بوصفها مصدرًا للاستثمارات، وتعاملها مع الملكيات الخليجية كما هي من دون اشتراطات سياسية داخلية، وهو ما تجلّى عمليًا في دعوة الرئيس ترامب لولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض، وكذلك في الموافقة على بيع رقائق إلكترونية متقدّمة لدولة الإمارات، فإن هذا التوجّه يعكس مقاربة براجماتية تقوم على المصالح أكثر مما تقوم على الاعتبارات القيمية.
في المحصّلة، لا تستطيع الولايات المتحدة ببساطة أن تفكّ ارتباطها بالمنطقة أو أن تنسحب منها على نحوٍ كامل؛ فمهما سعت إدارة ترامب إلى إبراز استقلالية الولايات المتحدة في مجال الطاقة، تظلّ الحاجة قائمة إلى الحفاظ على حضور أميركي في الشرق الأوسط عند مستوى لا يقلّ — في الحدّ الأدنى — عن مستواه القائم. ومن هنا، يمكن النظر إلى استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 بوصفها مكسبًا مهمًا للشرق الأوسط عمومًا، ولدول الخليج على وجه الخصوص؛ إذ تضع حدًّا للتدخّل الأميركي في الشؤون الداخلية، وتفتح في المقابل مساحات أوسع للاستثمار والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي. ورغم الخطاب المتكرّر حول تقليص الانخراط، تكشف الاستراتيجية — في جوهرها — عن إدراك ضمني بأن الانسحاب الكامل غير قابل للتحقّق واقعيًا، وأن العلاقة مع المنطقة ستستمر، ولكن ضمن مقاربة أكثر براجماتية وأقل كلفة سياسية وعسكرية على الولايات المتحدة.
Chatham House. “Trump’s New National Security Strategy: Cut Deals, Hammer Europe, and Tread Gently around Autocrats.” December 9, 2025. https://www.chathamhouse.org/2025/12/trumps-new-national-security-strategy-cut-deals-hammer-europe-and-tread-gently-around
European Parliamentary Research Service. The 2025 US National Security Strategy. By Gisela Grieger. European Parliament, December 2025. https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/ATAG/2025/779261/EPRS_ATA(2025)779261_EN.pdf.
Soufan Center. “Trump National Security Strategy Pivots from the Middle East.” December 10, 2025. https://thesoufancenter.org/intelbrief-2025-december-10/.
The White House. National Security Strategy 2025. Washington, D.C.: The White House, 2025. https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2025/12/2025-National-Security-Strategy.pdf.
تعليقات