لا تُدار الحروب الحديثة بالسلاح وحده، بل بقدرة الدولة أيضًا على تمويل هذا السلاح، والحفاظ على استدامة تشغيله، وامتصاص كلفته المتصاعدة داخل بنية الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، يُعدّ اقتصاد الدفاع أحد الأطر التحليلية الرئيسة لفهم كيفية تكيّف الدول مع الحروب الممتدة، بوصفه المنظومة المالية والصناعية والإنفاقية التي تُمكّن الدولة من بناء قدرتها العسكرية، والحفاظ على جاهزيتها، وإعادة توجيهها بما يتوافق مع مقتضيات الصراع. وفي أوقات السلم، تميل هذه المنظومات إلى قدر من الاستقرار النسبي؛ غير أنها تتحول في زمن الحرب إلى آلية ضاغطة تُعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتعيد توجيه الموارد، وتفرض على الدولة خيارات مالية أكثر كلفة وحساسية. وفي هذا السياق، أدى تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، بالتوازي مع اتساع نطاق المواجهة مع إيران ووكلائها الإقليميين، إلى دفع اقتصادات الدفاع لدى أطراف الصراع نحو مرحلة أكثر ضغطًا واختلالًا، انعكست في تصاعد أعباء الموازنات، وتزايد الاعتماد على الدين، وإعادة هيكلة أولويات الإنفاق بما يتماشى مع متطلبات الحرب واتساعها.
تتناول هذه الدراسة أثر التصعيد العسكري المستمر في إعادة تشكيل اقتصادات الدفاع لدى ثلاثة من أبرز الفاعلين: إسرائيل وإيران والولايات المتحدة. وتجمع بين تحليل الاستجابات المالية قصيرة الأجل واستشراف المسارات الأطول أمدًا للموازنات العامة، لتخلص إلى أن ما يشهده الإنفاق العسكري لا يقتصر على طفرة ظرفية، بل يعكس تحولًا عميقًا يعيد ترتيب أولويات الاقتصاد الكلي. وقد تجسّد هذا التحول في اتساع العجوزات المالية، وتآكل الحيز المتاح للإنفاق على الخدمات المدنية لصالح المتطلبات العسكرية، وتسريع وتيرة تعبئة الصناعات الدفاعية المحلية، إلى جانب تصاعد الضغوط على الجدارة الائتمانية السيادية. وفي السياق ذاته، ترسّخت مستويات مرتفعة من الإنفاق العسكري داخل الأطر المالية الوطنية بصورة يُرجّح استمرارها حتى بعد أي وقف لإطلاق النار. وعلى مستوى الشرق الأوسط، بات الفصل بين كلفة العمليات العسكرية ومؤشرات الصحة الاقتصادية الوطنية أكثر تعقيدًا، بما يعكس تداخلاً متزايدًا بين اعتبارات الأمن والاقتصاد.
قبل التصعيد الذي اندلع في أكتوبر 2023، عكست الموازنات الدفاعية لكل من إسرائيل وإيران والولايات المتحدة ثلاثة نماذج متمايزة في بنيتها الأمنية والمالية. فقد حافظت إسرائيل على موازنة عسكرية متقدمة تقنيًا ومستقرة نسبيًا، ترتكز إلى دعم أمريكي ممتد وذي طابع مؤسسي. وفي المقابل، تحركت إيران ضمن بيئة مالية مقيدة بفعل العقوبات، معتمدة على مزيج من الإنفاق الدفاعي الرسمي وآليات تمويل أقل شفافية ترتبط بالحرس الثوري الإيراني. أما الولايات المتحدة، فواصلت تكريس موقعها بوصفها أكبر منفق عسكري في العالم، مستندة إلى انتشار دفاعي واسع النطاق والتزام أمني مستمر تجاه إسرائيل، بما يعكس نموذجًا عالميًا لإدارة القوة العسكرية وتمويلها.
حافظت إسرائيل خلال هذه المرحلة على وضع دفاعي مستقر نسبيًا، وإن ظل مرتفع الكلفة، إذ بلغ إنفاقها العسكري نحو 27.5 مليار دولار في عام 2023، بما يعادل 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي، مستندًا بدرجة كبيرة إلى تدفقات المساعدات العسكرية الأمريكية وإلى قاعدة صناعية دفاعية محلية متقدمة تقودها شركات مثل “إلبيت سيستمز” و”رافائيل” و”الصناعات الجوية الإسرائيلية”. وفي المقابل، اتسم الوضع الدفاعي المالي لإيران بقيود واضحة فرضتها العقوبات الاقتصادية، حيث بلغ الإنفاق الرسمي نحو 10.3 مليارات دولار في عام 2023. إلا أن حجم الإنفاق العسكري الفعلي بدا أوسع من ذلك بكثير، في ضوء اعتماد الحرس الثوري الإيراني على آليات تمويل ممتدة خارج الموازنة العامة، بما يعكس نمطًا هيكليًا من محدودية الشفافية ازدادت أهميته مع تصاعد وتيرة الصراع. وفي المحصلة، أسهمت هذه المعطيات في تكوين قاعدة مالية أولية اتسمت بدرجات متفاوتة من الهشاشة وقابلية التعرض للضغط، وهو ما جعلها أكثر استعدادًا لتحولات حادة مع اندلاع المواجهات واسعة النطاق. وانطلاقًا من هذه القاعدة تحديدًا، تسارع التوسع في الإنفاق العسكري خلال زمن الحرب، إذ أدى التصعيد الذي بدأ في أكتوبر 2023 إلى إعادة تشكيل سريعة للموازنات الدفاعية عبر إقرار اعتمادات طارئة، وتوسيع الإنفاق التكميلي، وفرض تعديلات مالية ممتدة على المدى الأطول لدى الأطراف الثلاثة.
ويبرز هذا التباين بوضوح أكبر عند مقارنته بالتطورات التي شهدتها الفترة 2025–2026، حيث انتقل الإنفاق الدفاعي من حالة الارتفاع المدروس إلى موجة توسع أكثر حدة واتساعًا. ففي هذا السياق، ارتفع الإنفاق العسكري العالمي إلى نحو 2.72 تريليون دولار في عام 2024، مسجلًا أكبر زيادة سنوية منذ نهاية الحرب الباردة، وسط نمو لافت في كل من أوروبا والشرق الأوسط. وعلى المستوى الإقليمي، بلغ الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط نحو 243 مليار دولار، بزيادة بلغت 15% مقارنة بعام 2023، بما يعكس تصاعدًا واضحًا في حدة التوترات الأمنية وترجمته المباشرة إلى توسع متسارع في الإنفاق الدفاعي.
في سياق هذا الاتجاه الأوسع، برز توسّع الإنفاق الدفاعي في إسرائيل بصورة أكثر حدة ووضوحًا. فبحلول عام 2025، بلغ الإنفاق العسكري نحو 32.7 مليار دولار، بما يعادل قرابة 9% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقارب ضعف نسبته قبل الحرب. غير أن التصعيد مع إيران لم يقتصر على تثبيت هذا المسار التصاعدي، بل دفع الإنفاق الدفاعي إلى تجاوز التقديرات الأولية لموازنة عام 2026، بما يعكس انتقال الموازنة العسكرية من توسّع متوقَّع إلى مسار مفتوح تحكمه ديناميات الصراع وتسارعه. وفي هذا الإطار، ورغم أن الموازنة الدفاعية قُدِّرت مبدئيًا بنحو 34.6 مليار دولار، فإن الصيغة النهائية التي أقرّها الكنيست خصّصت نحو 143 مليار شيكل (ما يعادل قرابة 45.8 مليار دولار) لوزارة الدفاع، في أكبر مخصص دفاعي في تاريخ إسرائيل. وقد تزامن هذا التوسع مع أعباء مالية كبيرة فرضتها الحرب، إذ تشير التقديرات إلى أن كلفة الصراع بلغت بالفعل نحو 11.5 مليار دولار من حيث الأثر المباشر على الموازنة.
وبعيدًا عن الأرقام الإجمالية، كثفت إسرائيل استثماراتها في الإنتاج الدفاعي المحلي ومشتريات التسليح بهدف الحفاظ على الجاهزية العملياتية واستدامتها. وشمل ذلك إبرام عقود جديدة مع شركات مثل “إلبيت سيستمز”، إلى جانب التوسّع السريع في إنشاء سلاسل إمداد لوجستية واسعة النطاق. ووفقًا لوزارة الدفاع، وصلت خلال شهر واحد نحو 200 طائرة شحن محمّلة بما يقارب 8,000 طن من المعدات العسكرية، بما يسلّط الضوء على حجم الاستهلاك الميداني وتسارع وتيرة إعادة الإمداد.
ويُموَّل جزء كبير من هذا التوسع عبر اتساع العجز المالي، بما يرسّخ مستويات مرتفعة من الإنفاق الدفاعي داخل البنية الاقتصادية لإسرائيل ويمنحها طابعًا أكثر استدامة في الأجل المتوسط. وبينما يعكس هذا المسار الأعباء المالية المرتبطة بحرب تقليدية ممتدة، فإن هيكل تمويل النشاط العسكري في إيران يستند إلى نموذج مغاير، تشكّله قيود العقوبات ومنطق الحرب غير المتكافئة، حيث تؤدي القنوات الخارجة عن الموازنة والإيرادات المرتبطة بالطاقة دورًا محوريًا في استدامة هذا التمويل.
ولم يكن المسار الإيراني أقل أهمية، وإن ظل محاطًا بالقدر نفسه من الغموض الهيكلي الذي طبع المرحلة السابقة. فقد ارتفع إنفاقها العسكري في عام 2025 إلى نحو 23.1 مليار دولار، بزيادة بلغت 35% مقارنة بالعام السابق، منها 12.36 مليار دولار أُدرجت ضمن بنود الموازنة الرسمية، فيما جرى توجيه مبالغ إضافية عبر حصص نفطية واعتمادات مخصصة لمشروعات خاصة تفتقر إلى الشفافية. كما أعلنت إيران في أكتوبر 2024 زيادة بنسبة 200% في موازنتها العسكرية، في مؤشر واضح إلى سعيها للحفاظ على قدرة دفاعية وهجومية مرتفعة، وإلى أن منظومة العقوبات لم تنجح في كبح طموحاتها العسكرية.
ويتزامن هذا التوسع مع تصاعد الضغوط الاقتصادية الكلية، في وقت يواصل فيه التضخم المرتفع تقويض القوة الشرائية، ويشهد الريال الإيراني تراجعًا مستمرًا، فيما يظل الاعتماد الكبير على عائدات النفط عاملًا إضافيًا يفاقم هشاشة الاستقرار المالي في مواجهة التقلبات الخارجية وتشديد العقوبات. وفي ظل هذه البيئة الضاغطة، يُموَّل هذا التوسع الدفاعي بصورة متزايدة عبر عجز مالي متكيّف مع العقوبات، حيث تسدّ القنوات الخارجة عن الموازنة والإيرادات المرتبطة بالطاقة فجوة محدودية الموارد الرسمية للدولة. وفي المحصلة، تؤكد هذه المعطيات أن خط الأساس الذي سبق عام 2023 لم يكن يمثل سقفًا للإنفاق، بقدر ما شكّل نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من العسكرة المستدامة التي تغذيها ديناميات الصراع، في ظل غياب مؤشرات واضحة على انحسارها في المدى المنظور.
أفرزت الحرب متعددة الجبهات التي تخوضها إسرائيل تداعيات مالية فورية ذات دلالة تاريخية، عكست حجم التحول الذي طرأ على موقع الإنفاق العسكري داخل الاقتصاد الوطني. فكما سبقت الإشارة، بلغ الإنفاق العسكري نحو 32.7 مليار دولار في عام 2025، فيما شهد عام 2024 قفزة حادة تمثلت في ارتفاع الإنفاق بنسبة 65% ليصل إلى نحو 46.5 مليار دولار، مسجلًا أكبر زيادة سنوية منذ حرب عام 1967. وقد انعكس هذا التصاعد في ارتفاع الإنفاق الدفاعي إلى 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ 5.3% في عام 2023، ما وضع إسرائيل في المرتبة الثانية عالميًا بعد أوكرانيا من حيث نسبة الإنفاق العسكري إلى حجم الاقتصاد. كما بلغت الموازنة الدفاعية الرسمية نحو 30.5 مليار دولار، في حين اتسمت العمليات العسكرية بوتيرة تشغيلية مرتفعة رفعت كلفة الاستنزاف الميداني بصورة ملحوظة، حيث بلغ الإنفاق الدفاعي في ديسمبر 2024 وحده نحو 5.7 مليارات دولار.
ويرتبط جزء معتبر من هذه التكاليف بالبنية الاعتراضية للدفاع الصاروخي الإسرائيلي، التي تُعد من أكثر مكونات الحرب استنزافًا من الناحية المالية. فتكلفة الصاروخ الاعتراضي في منظومة “القبة الحديدية” تبلغ نحو 50 ألف دولار، فيما تصل تكلفة صاروخ “آرو-3” إلى نحو 2.5 مليون دولار. ويكشف هذا التفاوت عن اختلال واضح في هيكل الكلفة عند مقارنته بالصواريخ الباليستية الإيرانية، التي تتراوح تكلفة إنتاجها بين 200 ألف و500 ألف دولار. ونتيجة لذلك، لم يقتصر أثر الحرب على رفع وتيرة الإنفاق العسكري فحسب، بل امتد ليُحدث ضغوطًا مالية ملموسة على الوضع المالي العام في إسرائيل.
وتراجع عجز الموازنة إلى 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، متجاوزًا الهدف المحدد عند 5.2%، مدعومًا بارتفاع الإيرادات. غير أن إقرار الملحق التمويلي المرتبط بحرب إيران في مارس 2026 يُتوقع أن يؤدي إلى اتساع ملموس في عجز عام 2026 ليتجاوز التقديرات السابقة البالغة 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم أن السقف النهائي المعدّل لا يزال خاضعًا لمفاوضات الموازنة الجارية.غير أن هذا التحسن النسبي لا يحجب حجم الضغوط التي تكبّدها الاقتصاد الإسرائيلي في ذروة التصعيد، إذ اتسع العجز في عام 2024 إلى 6.9% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزًا بفارق كبير الهدف الحكومي المحدد عند 2.25%، فيما ارتفع الدين العام ليقترب من 70% من الناتج، وهي مستويات لم تُسجَّل منذ أوائل العقد الأول من الألفية. وسرعان ما انعكست هذه التحولات على نظرة الأسواق الائتمانية السيادية، حيث خفّضت وكالة “موديز” التصنيف الائتماني لإسرائيل مرتين خلال أربعة عشر شهرًا، من A1 إلى A2 في فبراير 2024، ثم إلى Baa1 في يونيو 2025، مستندة إلى استمرار العمليات العسكرية، وتصاعد الإنفاق الدفاعي، وتنامي حالة عدم اليقين المالي.
وفي الوقت ذاته، جاء الإنفاق الحربي على حساب الأولويات المدنية، بما عكس بوضوح تحوّل الموازنة العامة نحو منطق التعبئة العسكرية. فقد تضمّنت موازنة عام 2024 خفضًا بنسبة 3% في إجمالي الإنفاق الحكومي، شمل تقليص مخصصات الرفاه والتعليم والرعاية الصحية، إلى جانب زيادة ضريبة القيمة المضافة وارتفاع أقساط التأمين، بما حمّل الفئات منخفضة الدخل عبئًا أكبر. كما أقرت موازنة عام 2025 خفضًا إضافيًا بنسبة 5% في الإنفاق المدني، بالتزامن مع رفع ضريبة القيمة المضافة من 17% إلى 18%، في مسار يعكس تعميق إعادة توجيه الموارد العامة نحو المتطلبات العسكرية. وفي هذا الإطار، قدّر بنك إسرائيل إجمالي تكاليف الحرب خلال الفترة من 2023 إلى 2025 بنحو 220 مليار شيكل، دون احتساب الخسائر الأوسع في الإيرادات.
وترافقت هذه التحولات مع تعبئة متسارعة للصناعة الدفاعية المحلية في إسرائيل، في مسعى واضح لتقليص الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية وتعزيز القدرة على تلبية متطلبات الحرب من الداخل. وفي هذا السياق، وسّعت شركات “إلبيت سيستمز” و”رافائيل” و”الصناعات الجوية الإسرائيلية” قدراتها الإنتاجية بشكل كبير في مجالات الذخائر والمسيّرات وأنظمة الاعتراض الصاروخي، فيما سجلت “إلبيت” حجم طلبيات قياسيًا تجاوز 21 مليار دولار بحلول منتصف عام 2024. وقد أسهم هذا التوسع في الحد جزئيًا من الاعتماد على الواردات، لكنه استلزم في المقابل استثمارات ضخمة مدعومة حكوميًا، بما عمّق الضغوط على مسار الدين العام في الأجل الطويل. وبينما يجسّد هذا المسار الضغوط المالية المرتبطة بحرب تقليدية مباشرة وتعبئة واسعة النطاق، فإن هيكل تمويل النشاط العسكري في إيران يستند إلى نموذج اقتصادي مختلف إلى حد بعيد، يتشكل تحت تأثير العقوبات، وأنماط الحرب غير المباشرة، وقنوات التمويل الخارجة عن الموازنة.
تعكس الاستجابة المالية لإيران نمطًا يختلف جذريًا عن نظيرتها في إسرائيل، إذ تتشكل في ظل اقتصاد مثقل بالعقوبات، وبالتوازي مع تفضيل استراتيجي للحرب غير المتماثلة يعتمد بدرجة كبيرة على قنوات تمويل خارجة عن الموازنة. وقد قيّدت العقوبات قدرة الدولة على توسيع الإنفاق عبر الموازنة الرسمية، ما دفع إلى تعميق الاعتماد على مسارات تمويل موازية يديرها الحرس الثوري، تشمل عائدات الطاقة، وشبكات الشركات الإنشائية، والأنشطة التجارية. وفي هذا الإطار، تراجع الإنفاق العسكري الرسمي بنسبة 10% في عام 2024 ليبلغ نحو 7.9 مليارات دولار، رغم استمرار انخراط الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، مثل حزب الله وحماس والحوثيين، في عمليات نشطة عبر عدة جبهات.
وتشير تقديرات بديلة إلى أن الإنفاق الدفاعي الفعلي لإيران في عام 2024 بلغ نحو 16.7 مليار دولار، أي ما يقارب 25% من الموازنة الوطنية، وهو فارق يعكس اعتماد الحرس الثوري على مصادر تمويل ذاتية عبر كيانات تجارية تنشط في قطاعات البناء والنقل واستخراج النفط. وقد أتاح هذا النمط لطهران الحفاظ على نشاطها العسكري الإقليمي مع الحد من الانعكاسات المباشرة للقيود المالية التي تفرضها العقوبات على الموازنة الرسمية للدولة. وفي هذا السياق، يُقدَّر أن إيران أنفقت منذ عام 2012 أكثر من 20 مليار دولار لدعم جماعات مسلحة خارجية. كما أن تنفيذ وابل صاروخي باليستي واحد في 1 أكتوبر 2024، شمل نحو 180 صاروخًا، كلّفها ما بين 36 و90 مليون دولار.
وتكشف هذه المعطيات عن فجوة مالية لافتة عند مقارنتها بالتكلفة التقديرية لاعتراض هذا الهجوم، والتي بلغت نحو 2.3 مليار دولار تكبّدتها إسرائيل وحلفاؤها. ومع ذلك، فإن تنفيذ ضربات تقليدية مباشرة بهذا الحجم يظل عالي الكلفة بالنسبة لطهران، لا سيما عند مقارنته بنموذجها التقليدي القائم على الحروب بالوكالة الأقل كلفة والأكثر مرونة. وانطلاقًا من هذه النقطة، تبرز الولايات المتحدة بوصفها الفاعل المالي الثالث الرئيس في هذا الصراع. فعلى خلاف إسرائيل وإيران، حيث يرتبط الإنفاق الدفاعي بمتطلبات عملياتية مباشرة، يتجلى الدور الأمريكي أساسًا في تقديم الدعم العسكري الاستراتيجي، وتوفير الإسناد اللوجستي، وإعادة تزويد منظومات الدفاع لدى الحلفاء.
أدّت الولايات المتحدة دور المموّل المالي الرئيس لإسرائيل، بما جعلها ركيزة حاسمة في دعم قدرتها العسكرية واستدامة عملياتها خلال الحرب. فمنذ أكتوبر 2023، أقرّت واشنطن تشريعات توفّر ما لا يقل عن 16.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية المباشرة، من بينها حزمة تكميلية بقيمة 8.7 مليارات دولار في أبريل 2024، خُصّص منها 6.7 مليارات دولار لأنظمة الدفاع الصاروخي. وعند احتساب أشكال الدعم الأمني الأوسع، يرتفع إجمالي المساعدات العسكرية الأمريكية إلى ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار. غير أن أحد الأبعاد الأكثر أهمية، والأقل تناولًا في الخطاب العام، يتمثل في استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية. فبحلول مايو 2025، كانت الولايات المتحدة قد سلّمت نحو 90 ألف طن من الأسلحة والمعدات عبر 800 طائرة نقل و140 سفينة، وهو ما استدعى اعتمادات إضافية من الكونجرس لإعادة تكوين مخزونات الاحتياطي الحربي واستعادة الجاهزية الأمريكية لمواجهة سيناريوهات موازية.
وفي موازاة ذلك، يعكس المسار التصاعدي للكلفة المالية ضغوطًا متسارعة على الموازنة الأمريكية؛ إذ طلب البنتاجون رسميًا موافقة البيت الأبيض على حزمة تمويل طارئة تكميلية تتجاوز 200 مليار دولار، متجاوزًا بذلك تقديرًا سابقًا بنحو 50 مليار دولار طُرح في أوائل مارس 2026. وبحلول 19 مارس، كانت الولايات المتحدة قد أنفقت بالفعل ما يُقدَّر بنحو 18 مليار دولار على الصراع، فيما بلغت كلفة العمليات نحو 11 مليار دولار خلال الأسبوع الأول من الضربات وحده. ويستهدف هذا الاعتماد المالي الضخم بالأساس تعويض النقص الحاد في الذخائر الحيوية، وإعادة بناء المخزونات المستنزفة، وتغطية النفقات العسكرية الناجمة عن المواجهة المباشرة مع إيران، على أن يشمل كذلك ما تم إنفاقه بالفعل والاحتياجات المتوقعة في المرحلة المقبلة. ومع تأكيد التقديرات أن الكلفة التشغيلية للصراع تقترب من مليار دولار يوميًا، يتضح أن الحرب باتت تفرض ضغوطًا مالية غير مسبوقة، تدفع واشنطن نحو إجراء تعديلات أعمق في بنيتها المالية تتجاوز بكثير الإطار التقليدي لمستويات الإنفاق الدفاعي.
وفي انعكاس مباشر لتصاعد هذا العبء المالي بوتيرة متسارعة، أشارت تقارير صادرة عن الكونجرس في مارس 2026 إلى أن الإدارة الأمريكية تستعد لتقديم طلب تمويل طارئ إضافي قد يتجاوز 50 مليار دولار. ويستهدف هذا الاعتماد الكبير بالأساس تعويض النقص الحاد في الذخائر الحيوية، وتغطية الأضرار العسكرية التي تكبّدتها الولايات المتحدة خلال المراحل الأولى من المواجهة المباشرة مع إيران. ومع تقديرات تشير إلى أن الكلفة التشغيلية للصراع قد تصل إلى نحو مليار دولار يوميًا، يتضح أن الحرب باتت تفرض ضغوطًا مالية غير مسبوقة، تتجاوز حدود الاستجابة التقليدية داخل الموازنات الدفاعية.
وتُظهر الاستجابات المالية لكل من إسرائيل وإيران والولايات المتحدة أن أثر الصراع الممتد لا يقتصر على زيادة الإنفاق الحربي المباشر، بل يمتد إلى إعادة تشكيل أولويات الموازنات الوطنية على نحو أعمق وأكثر استدامة. ومن ثم، تمثل هذه التحولات قاعدة تفسيرية ضرورية لفهم التحول الأطول أمدًا في اقتصادات الدفاع، وهو ما يتناوله القسم التالي.
تشير اتجاهات الموازنات على المدى الطويل إلى أن التصعيد منذ أكتوبر 2023 لا يمثل صدمة مالية عابرة، بقدر ما يعكس تحولًا ممتدًا في اقتصادات الدفاع في الشرق الأوسط. فقد أعادت الحرب تشكيل أولويات الإنفاق العام على نحو مرشح للاستمرار طوال ما تبقى من العقد. وتُظهر التجربة الإسرائيلية بعد عام 1973، وكذلك حرب إيران–العراق في ثمانينيات القرن الماضي، أن مخصصات الدفاع نادرًا ما تعود بالكامل إلى مستويات ما قبل الأزمات، وهو مسار تشير المعطيات الحالية إلى أنه مرشح للتكرار. ويكمن المحرك الرئيس لهذا التحول في ما يمكن وصفه بـ “التقييد المؤسسي”، حيث تؤدي زيادات الإنفاق في زمن الحرب إلى ترسيخ برامج تسليح طويلة الأمد، وتوسيع الهياكل العسكرية، وتشكيل قوى سياسية ومؤسسية تميل إلى مقاومة تقليص الإنفاق في مرحلة ما بعد الصراع.
وبالنسبة لإسرائيل، يُتوقع على نطاق واسع أن يظل الإنفاق الدفاعي في حدود 7-8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال النصف الثاني من العقد، بما يفرض استثمارات مستمرة لإعادة تكوين مخزونات الصواريخ الاعتراضية، وتوسيع مظلة الدفاع الصاروخي، وتحديث القدرات الجوية والسيبرانية. كما أن تخفيضات التصنيف الائتماني وتراكم الدين خلال الفترة 2024-2025 سيقيدان مرونة السياسة المالية، بما يفرض مفاضلات ممتدة بين متطلبات الاستثمار الدفاعي والإنفاق الاجتماعي لسنوات مقبلة. ستواجه الولايات المتحدة التزامات مالية مستمرة ترتبط بإعادة تكوين المخزونات العسكرية والوفاء بالتعهدات طويلة الأجل للدعم الدفاعي، في وقت تُلقي فيه الانقسامات السياسية الداخلية حول المساعدات الخارجية بظلال من عدم اليقين على مسار الاعتمادات المستقبلية. ويتعين فهم هذا العبء في ضوء موازنة أساسية للبنتاجون تجاوزت بالفعل تريليون دولار للسنة المالية 2026، عقب ضخ نحو 150 مليار دولار إضافية من خلال قانون التسوية لعام 2025، بما يجعل طلب التمويل التكميلي البالغ 200 مليار دولار ليس إجراءً طارئًا معزولًا، بل امتدادًا لمستوى إنفاق دفاعي بلغ بالفعل مستويات تاريخية مرتفعة. وفي المقابل، يُرجّح أن تواصل إيران الاعتماد على نمط التمويل غير المتماثل والقنوات الخارجة عن الموازنة، بما يتيح للحرس الثوري الحفاظ على شبكات الوكلاء الإقليمية دون تحميل الموازنة الرسمية أعباء إضافية. وقد أظهر هذا النموذج قدرة واضحة على الصمود تحت ضغوط عام 2024، ما يعزز احتمالات استمراره دون تغير جوهري.
أما في حالة إيران، فيعكس المسار طويل الأمد اقتصادًا دفاعيًا مقيّدًا، لكنه يتمتع بقدر ملحوظ من القدرة على التكيّف. فاستمرار معدلات التضخم المرتفعة، وتراجع قيمة العملة، ومحدودية الوصول إلى أسواق رأس المال العالمية، ستظل عوامل تضغط على التوسع المالي الرسمي، بما يعزز الاعتماد على الإيرادات المرتبطة بالنفط وقنوات التمويل الخارجة عن الموازنة عبر الحرس الثوري. ويتيح هذا النموذج لطهران الحفاظ على استمرارية أنشطتها العسكرية وشبكات الوكلاء، مع تقليص ظهور العبء المالي الحقيقي داخل الأطر الرسمية. غير أن هذا المسار يرسّخ في المقابل اختلالات اقتصادية ممتدة، من بينها اتساع الفجوة بين الإنفاق المعلن والإنفاق الفعلي. وعلى المدى الطويل، يُرجّح أن يفضي هذا النمط الهجين إلى تكريس اقتصاد دفاعي مزدوج المسار، تتعايش فيه قيود الموازنة الرسمية مع منظومة تمويل عسكري مستدامة وغير شفافة.
في المحصلة، لم يؤدِ تصاعد الصراع في الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023 إلى زيادة الإنفاق العسكري فحسب، بل أطلق عملية إعادة تشكيل عميقة لاقتصادات الدفاع في كل من إسرائيل وإيران والولايات المتحدة. وتكشف الزيادات المتواصلة في الإنفاق العسكري لدى هذه الأطراف أن التوسع المالي في زمن الحرب لم يعد مجرد استجابة ظرفية، بل بات يعكس تحولًا ممتدًا في أولويات الموازنات الوطنية. فالتصاعد الحاد في الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي، واعتماد إيران على قنوات تمويل خارجة عن الموازنة وضعيفة الشفافية، وتزايد الالتزامات المالية الأمريكية، كلها مؤشرات على أن الصراع لم يعد يُعيد تشكيل القدرات العسكرية وحدها، بل يعيد أيضًا رسم البنية المالية للدول وأنماط تخصيص مواردها. ومع اتساع أعباء الدفاع وتصاعد الضغوط على الإنفاق المدني، تجد الحكومات نفسها أمام مفاضلات أكثر تعقيدًا بين متطلبات الأمن والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. وعلى هذا الأساس، تتمثل الخلاصة الجوهرية في أن ترسّخ النزعة العسكرية داخل التخطيط المالي لا يجعل التراجع عنها لاحقًا صعبًا فحسب، بل يحولها إلى مسار مكلف ومعقد سياسيًا واقتصاديًا.
Anadolu Agency. “Israeli Parliament Approves Record 2026 Defense Budget.” Anadolu Agency, March 30, 2026. https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israeli-parliament-approves-record-2026-defense-budget/3884472
Al Arabiya English. “Iron Dome: How Does Israel’s Key Anti-Missile Shield Work.” October 2, 2024. https://english.alarabiya.net/News/middle-east/2024/10/02/iron-dome-how-does-israel-s-key-anti-missile-shield-work
Bank of Israel. Bank of Israel Official Website. Accessed March 2026. https://www.boi.org.il/
Congressional Research Service. U.S. Foreign Aid to Israel. RL33222. Washington, DC, updated 2024. https://www.congress.gov/crs-product/RL33222
Folley, Aris, and Jacob Fulton. “Iran War Triggers Talk of Supplemental Defense Funding.” Roll Call, March 3, 2026. https://rollcall.com/2026/03/03/iran-war-triggers-talk-of-supplemental-defense-funding/
Frantzman, Seth J. “Israel Approves $45B Defense Budget as Iran War Rages.” Breaking Defense, March 30, 2026. https://breakingdefense.com/2026/03/israel-approves-45b-defense-budget-as-iran-war-rages/
Galit Altstein. “Israel Plans to Expand Budget by $13 Billion for Iran War.” Bloomberg.com, Bloomberg, 10 Mar. 2026, www.bloomberg.com/news/articles/2026-03-10/netanyahu-s-cabinet-to-expand-budget-by-13-billion-to-fund-war. Accessed 16 Mar. 2026.
Global Business Press. “Record Military Spending in the Middle East in 2024: SIPRI.” Global Business Press, April 28, 2025. https://gbp.com.sg/stories/record-military-spending-in-the-middle-east-in-2024-sipri/
Israel Ministry of Finance. “Iran War Has Cost Israel $11.5 Billion in Budgetary Expenses.” Reuters, April 12, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-war-has-cost-israel-115-billion-budgetary-expenses-ministry-says-2026-04-12/
Karim, Zubaida, and Anna Thurin. “Israeli Defense Spending Jumped in 2024, Part of Overall Rise in Middle East: SIPRI.” Breaking Defense, April 28, 2025. https://breakingdefense.com/2025/04/israeli-defense-spending-jumped-in-2024-part-of-overall-rise-in-middle-east-sipri/
Lopes da Silva, Diego, Nan Tian, Xiao Liang, Lorenzo Scarazzato, Zubaida A. Karim, Jade Guiberteau Ricard, Florian Erdle, and Kateryna Kuzmuk. Trends in World Military Expenditure, 2024. SIPRI Fact Sheet. Stockholm: Stockholm International Peace Research Institute, April 2025. https://www.sipri.org/publications/2025/sipri-fact-sheets/trends-world-military-expenditure-2024
Musameh, Mina. “Middle East Military Burden Is World’s Highest in 2023 as Israel Spending Up 24%.” The National, April 21, 2024. https://www.thenationalnews.com/business/economy/2024/04/21/middle-east-military-burden-is-worlds-highest-in-2023-as-israel-spending-up-24/
Reed, Jack. “Reed Warns Trump’s War in Iran Risks Repeating the Failures of Iraq.” Jack Reed, U.S. Senator for Rhode Island. March 11, 2026. https://www.reed.senate.gov/news/releases/reed-warns-trumps-war-in-iran-risks-repeating-the-failures-of-iraq
National Defense Magazine. “Congress Lacks Clarity on Pentagon’s $200 Billion Iran War Request.” National Defense Magazine, March 25, 2026. https://www.nationaldefensemagazine.org/articles/2026/3/25/congress-lacks-clarity-on-pentagons-200-billion-iran-war-request
Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). SIPRI Military Expenditure Database. Stockholm: SIPRI, 2024. https://www.sipri.org/databases/milex
The Government View. “How Much Is Israel Spending on Interceptors?” The Government View, 2024. https://thegovernmentview.com/middle-east/how-much-is-israel-spending-on-interceptors
Washington Today. “Congress Awaits White House Request for Iran War Funding.” Washington Today, March 4, 2026. https://nationaltoday.com/us/dc/washington/news/2026/03/04/congress-awaits-white-house-request-for-iran-war-funding/
Washington Post. “Pentagon Seeks Over $200 Billion in Iran War Supplemental Budget Request.” The Washington Post, March 18, 2026. https://www.washingtonpost.com/national-security/2026/03/18/iran-cost-budget-pentagon/
World Bank. “Military Expenditure (% of GDP) — Middle East & North Africa.” World Bank Open Data. Accessed March 2026. https://data.worldbank.org/indicator/MS.MIL.XPND.GD.ZS?locations=XQ
تعليقات