خلال العقد الماضي، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه فضاءً بحثيًا محدود الأثر إلى قوّة دافعة تُعيد رسم ملامح الاقتصادات على نطاق عالمي. فما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه قدرات افتراضية أو رهانات مستقبلية، - مثل تمكين الآلات من توليد الشيفرات البرمجية، وأتمتة مسارات عمل بالغة التعقيد، وتحسين سلاسل الإمداد العابرة للحدود، وإنتاج محتوى إبداعي -أضحى اليوم منظومة أدوات ناضجة قابلة للنشر واسع النطاق عبر مختلف القطاعات.

 

أثار الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي موجةً من التساؤلات المحورية لدى صانعي السياسات والاقتصاديين وقادة الأعمال، وعلى رأسها ما إذا كان هذا التحوّل التكنولوجي قادرًا على الإسهام الفعلي في دفع معدلات النمو الاقتصادي على المستوى الوطني، فضلًا عن تحديد الشروط المؤسسية والاقتصادية التي تسمح بتحويل هذه القدرات من وعود تقنية إلى مكاسب إنتاجية ملموسة ذات أثر مستدام.

 

تُظهر النماذج الاقتصادية الكلية، المدعومة بأدلة تجريبية راسخة، ميلاً واضحًا نحو تحقيق آثار إيجابية، وإن كانت هذه الآثار تظل رهينة جملة من القيود الهيكلية. فالذكاء الاصطناعي، بوصفه تكنولوجيا عامة الأغراض، لا يقتصر تأثيره على تحسين الكفاءة التشغيلية، بل يؤدي دورًا بنيويًا أوسع بوصفه محرّكًا للابتكار، ووسيلة لتعزيز الإنتاجية، وأداة لإعادة هيكلة الأنماط الاقتصادية القائمة.

 

كما شهد حضور الذكاء الاصطناعي واعتماده توسّعًا ملحوظًا، ولا سيما مع بروز تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، كما يتجلّى في تطبيقات مثل ChatGPT وGitHub Copilot، وهو ما أسهم في ترسيخه بوصفه مصدرًا متقدمًا للمعلومات والبيانات، بما يعود بالنفع على الشركات والاقتصاد الوطني الأوسع. غير أنّ تعظيم هذه الفوائد يظل مشروطًا بتوافر بنية تحتية قوية ورأس مال بشري مؤهّل قادر على التكامل الفعّال مع هذه التقنيات.

كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي في دفع النمو الاقتصادي

يتسارع اعتماد الذكاء الاصطناعي بوتيرة ملحوظة، إذ ارتفعت نسبة الشركات التي تعتمد هذه التقنيات من نحو 20% في عام 2017 إلى ما يقارب 78% بحلول عام 2025، بما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من الاستخدام المحدود إلى موقع مركزي في الممارسات الاقتصادية والإنتاجية للشركات.

 

 

تنتقل إسهامات الذكاء الاصطناعي في دعم نمو الاقتصادات الوطنية عبر قنوات مترابطة. وفي مقدمتها تعزيز الإنتاجية، وذلك من خلال أتمتة المهام الروتينية—وإن كانت معقّدة—وتعزيز أدائها عبر مختلف فئات سوق العمل، من العمالة المكتبية إلى العمالة اليدوية. ويُفضي هذا التحوّل إلى إعادة توظيف قدرات القوى العاملة في مهام ذات قيمة مضافة أعلى، من بينها صنع القرار الاستراتيجي، وتعزيز الإبداع، والتعامل مع المشكلات المعقّدة.

 

أظهرت أبحاث حديثة أن قدرات الذكاء الاصطناعي قادرة على رفع إنتاجية العمل بما يصل إلى نحو 40% في القطاعات ذات الانكشاف المرتفع على هذه التقنيات، مثل التصنيع والخدمات اللوجستية، ولا سيما في السياقات التي تُدعَم فيها هذه التطبيقات باستثمارات مكمّلة في البنية التحتية وتنمية المهارات. إلى جانب أتمتة المهام، يُوظَّف الذكاء الاصطناعي في تحسين طيف واسع من العمليات التشغيلية، بما في ذلك تخصيص الموارد على امتداد سلاسل الإمداد، وتعزيز الكفاءة اللوجستية، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتحسين إدارة المخزون. وتسهم هذه التطبيقات مجتمعة في تحقيق خفض فعّال للتكاليف ومكاسب ملموسة في الكفاءة، ولا سيما داخل القطاعات كثيفة رأس المال، مثل التصنيع والنقل.

 

ثانيًا، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع بوصفه محرّكًا فاعلًا للابتكار وخلق القيمة. إذ تمكّن الاستثمارات المكثّفة في تطوير التطبيقات القائمة على الذكاء الاصطناعي الشركات من إنتاج سلع وخدمات جديدة بالكامل، تمتد من المركبات ذاتية القيادة إلى الطب الشخصي والخوارزميات المالية المتقدمة، بما يفتح آفاقًا سوقية جديدة ويُولّد تدفّقات إيرادات إضافية تسهم مباشرة في تعزيز نمو الناتج المحلي الإجمالي. وعلاوة على ذلك، يُشكّل الذكاء الاصطناعي محرّكًا رئيسيًا للتحوّل القائم على البيانات داخل الشركات، من خلال نماذج تشغيلية مرتكزة على المنصّات وعمليات فائقة التخصيص، بما يمثّل خروجًا تدريجيًا عن نماذج الأعمال التقليدية. وفي هذا السياق، يُسهم تركّز القيمة الاقتصادية لدى الشركات الرائدة في تقنيات الذكاء الاصطناعي في دفع توسّع اقتصادي إضافي، وإن كان ذلك مصحوبًا بتداعيات محتملة تتعلّق بارتفاع مستويات تركّز الأسواق.

 

ثالثًا، يُتوقَّع أن يُسهم اعتماد الذكاء الاصطناعي في إحداث دفعة ملموسة لإنتاجية عوامل الإنتاج الكلية، بوصفها مقياسًا لكفاءة استخدام العمل ورأس المال وغيرها من المدخلات القابلة للقياس. وعلى الرغم من أن مكاسب هذه الإنتاجية على المستوى الكلي لا تزال محدودة في المرحلة الراهنة—ويُعزى ذلك جزئيًا إلى تكاليف التكيّف وتركيّز الاستثمارات في الأصول غير الملموسة، مثل البيانات والبرمجيات—فإن التقديرات طويلة الأجل تشير إلى آفاق أكثر تفاؤلًا.

 

تشير تقديرات صادرة عن شركات استشارات قانونية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في إضافة تريليونات الدولارات إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030، بما يرفع معدلات النمو السنوي بأكثر من 1.2% في الاقتصادات المتقدمة، وذلك أساسًا عبر تحسين إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية. وفي السياق ذاته، تتوقّع شركة الخدمات المهنية العالمية PricewaterhouseCoopers (PwC)  أن يبلغ إسهام الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي العالمي نحو 15.7 تريليون دولار بحلول عام 2030، وهو ما يسلّط الضوء على الطابع التحويلي واسع النطاق لاعتماد هذه التقنيات عبر القطاعات والاقتصادات المختلفة.

 

غير أنّ تواضع مكاسب إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية على المستوى الكلي في المرحلة الراهنة يُحيل إلى ما يُعرف بـ”مفارقة إنتاجية الذكاء الاصطناعي”. وتشير هذه المفارقة إلى احتمال سوء تقدير القيمة الاقتصادية الحقيقية للذكاء الاصطناعي في إطار المحاسبة الاقتصادية التقليدية، التي تعجز عن استيعاب كامل الرفاه الاقتصادي المتولّد عن الخدمات الرقمية “المجانية”، فضلًا عن الاستثمارات المكثّفة في الأصول غير الملموسة—مثل البرمجيات والبيانات ورأس المال التنظيمي—التي تسبق تحقّق مكاسب الإنتاجية بصورة كاملة. لذا، فإن ترجمة المكاسب المتحققة على مستوى الشركات إلى نمو ملموس في إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية على المستوى الوطني تتطلّب فترة زمنية معتبرة، إلى جانب إعادة تنظيم منهجية وشاملة للهياكل الاقتصادية والتنظيمية.

 

يتركّز إسهام الذكاء الاصطناعي في دفع النمو الاقتصادي على مستويين متكاملين: داخل صناعة الذكاء الاصطناعي ذاتها، وفي القطاعات التي تتبنّى تقنياته. فصناعة الذكاء الاصطناعي، بما تشمل مطوّري نماذج اللغة الكبيرة ومكوّنات العتاد الحاسوبي المتخصّص، وبرمجيات المؤسسات، وبُنى البيانات التحتية، تسهم مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي عبر تكوين رأس المال وتوليد وظائف عالية القيمة وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات.

 

وفي الوقت نفسه، تُسهم القطاعات التقليدية في تعظيم المكاسب الاقتصادية من خلال التوسّع في اعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ففي قطاع التصنيع، تساعد الصيانة التنبؤية وأنظمة الأتمتة الروبوتية على خفض التكاليف وتحسين جودة المخرجات. وفي قطاع الرعاية الصحية، يدعم الذكاء الاصطناعي تسريع عمليات التشخيص ووصف العلاجات، بما ينعكس إيجابًا على نتائج المرضى. أما في القطاع المالي، فتُعزّز الخوارزميات المستخدَمة في التداول وكشف الاحتيال مستويات الكفاءة والاستقرار. وأخيرًا، في قطاعي التجزئة والتجارة الإلكترونية، تُسهم أدوات التنبؤ بالطلب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي واللوجستيات المؤتمتة في رفع الكفاءة التشغيلية ودعم نمو المبيعات.

 

الذكاء الاصطناعي قيد التطبيق

تُظهر الأدلة المستندة إلى النماذج، إلى جانب البيانات التجريبية، أن الشركات التي تعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي تحقق مكاسب ملموسة عبر طيف واسع من المؤشرات، تشمل الإنتاجية والكفاءة والابتكار. وتتراكم هذه المكاسب على المستوى الكلي لتُترجم إلى أثر مباشر في نمو الناتج المحلي الإجمالي.

 

فعلى سبيل المثال، تُشير ورقة عمل بحثية حديثة أعدّها Tatsuru Kikuchi (2025)، استندت إلى تحليل بيانات لأكثر من 500 شركة يابانية، إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يرتبط بزيادة ذات دلالة إحصائية في إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية. وتُظهر نتائج الدراسة أن مكاسب الإنتاجية تُعزى أساسًا إلى خفض التكاليف بنسبة 40%، ونمو الإيرادات بنسبة 35%، وتسارع دورات الابتكار بنسبة 25%.

 

تشير نماذج الاقتصاد الكلي واسعة النطاق التي طوّرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن إنتاجية العمل في اقتصادات مجموعة السبع قد تشهد نموًا سنويًا يتراوح بين نحو 0.4% و1.3%، على مدى أفق زمني يُقدَّر بعشر سنوات، وذلك نتيجة التوسّع في اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

وفي السياق ذاته، قدّرت McKinsey & Company أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده قادر على توليد قيمة اقتصادية عالمية تتراوح بين 2.6 و4.4 تريليون دولار أمريكي، وذلك في المقام الأول عبر تحسين الأداء في مجالات التسويق، والبحث والتطوير، وهندسة البرمجيات، ورفع الكفاءة التشغيلية.

 

كما تُظهر تحليلات قائمة على دراسات قطرية، بما في ذلك أبحاث صادرة عن الصين، أن التقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما تشمل نشر الروبوتات وتعزيز الصادرات عالية التقنية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستويات الناتج الوطني. ويعزّز ذلك الفرضية القائلة بأن نشاط الذكاء الاصطناعي قابل للترجمة إلى نمو اقتصادي ملموس على مستوى الاقتصاد الكلي.

 

وبمجملها، تُظهر هذه النتائج أن إسهامات شركات الذكاء الاصطناعي في دفع النمو الاقتصادي الوطني تتوزّع بين قنوات مباشرة وأخرى غير مباشرة. فعلى المستوى المباشر، تتحقّق الآثار داخل الشركات نفسها عبر مكاسب الإنتاجية وتعزيز الابتكار، فيما تتمثّل القنوات غير المباشرة في الآثار الانتشارية عبر القطاعات، والاستثمار في البنية التحتية، وفتح أسواق وفرص اقتصادية جديدة.

 

تتَعزّز الأنماط الاقتصادية الكلّية ببيانات مستمدة من مستوى الشركات، بما يُظهر أن الذكاء الاصطناعي يحقق بالفعل مكاسب قابلة للقياس في المخرجات وتدفّقات الإيرادات والإنتاجية لدى كبرى شركات التكنولوجيا والخدمات. في الولايات المتحدة، يهيمن قطاع الشركات على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، إذ تمكّنت هذه الشركات من تطوير 40 نموذجًا بارزًا خلال عام 2024، إلى جانب استقطاب استثمارات خاصة بلغ إجماليها نحو 109.1 مليار دولار.

 

تُجسِّد منصّات التكنولوجيا الكبرى—مثل Nvidia، وMicrosoft، وAmazon، وAlphabet، وMeta—هذا المسار بوضوح. ويُعدّ إعلان Nvidia عن خطط استثمارية مجدولة بقيمة 100 مليار دولار في OpenAI مثالًا دالًا على الكيفية التي تقود بها الشركات الأمريكية ديناميات النمو الاقتصادي. وفي هذا الإطار، أسهم التوسّع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في إضافة نحو 160 مليار دولار إلى ما يُعرف بـ”الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي” منذ عام 2022، أي ما يعادل قرابة 0.3 نقطة مئوية من النمو السنوي المُعدَّل.

 

واستشرافًا للمستقبل، تُظهر تقديرات حديثة صادرة عن Goldman Sachs أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع إنتاجية الولايات المتحدة بنحو 1.5% سنويًا على مدى العقد المقبل، مع بدء تبلور أثر ملموس على الناتج المحلي الإجمالي اعتبارًا من عام 2027.

 

تُفضي هذه الاستثمارات الكلّية واسعة النطاق إلى آثار مباشرة ومكاسب ملموسة على مستوى الشركات. فعلى سبيل المثال، سجّل قطاع مراكز البيانات لدى Nvidia إيرادات تُقدَّر بنحو 35.6 مليار دولار في الربع الرابع من عام 2025، وبنحو 115.2 مليار دولار على مدار العام كاملًا، مدفوعةً إلى حدٍّ كبير بتوسّع مزوّدي الخدمات السحابية في توسيع نطاق أعباء العمل القائمة على الذكاء الاصطناعي.

 

وفي السياق ذاته، تُشير تقارير حديثة صادرة عن Microsoft إلى أن قدرات الذكاء الاصطناعي المدمجة ضمن خدمات الحوسبة السحابية Azure أسهمت بعدة نقاط مئوية في النمو الإضافي، مع وصول الإيرادات السنوية إلى ما يتجاوز 75 مليار دولار، مدفوعةً بتسارع الاستخدام المرتبط بتقنيات OpenAI.

 

أسهم برنامج التبنّي الداخلي للذكاء الاصطناعي لدى IBM، المعروف باسم”Client Zero”، في تحقيق مكاسب إنتاجية تُقدَّر بنحو 3.5 مليارات دولار منذ عام 2023، بما يقدّم مثالًا عمليًا على قدرة الذكاء الاصطناعي على رفع الكفاءة التشغيلية على نطاق مؤسسي واسع. ويتعزّز هذا الاتجاه عبر نتائج استطلاعات ودراسات مؤسسية متعددة، إذ أفاد 72% من التنفيذيين بأن استثمارات الذكاء الاصطناعي حققت عوائد تفوق المتوسط. وفي السياق ذاته، تُبرز دراسات حالة لدى مزوّدين مثل Teleperformance  تحقيق خفض ملحوظ في التكاليف وتحسّن ملموس في الكفاءة، عبر تبنّي الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ضمن عمليات خدمة العملاء.

 

وبمجموعها، تُظهر هذه المؤشرات أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرّد تقنية ذات وعود تحويلية نظرية، بل بات محرّكًا فعليًا لنمو الإيرادات، ورفع الإنتاجية، وخلق القيمة عبر طيف واسع من القطاعات. وعلى هذا النحو، يَبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه حلقة وصل مباشرة بين أداء الشركات على المستوى الجزئي والمكاسب الاقتصادية الأوسع على المستوى الوطني.

 

غير أنّ هذه المكاسب، على الرغم من تمكّن الشركات الرائدة والاقتصادات المتقدمة من اقتناصها، لا تزال تتسم بعدم تكافؤ في انتشارها. إذ تواجه العديد من الشركات الصغيرة، والقطاعات التقليدية، والمناطق الأقل تطورًا عوائق جوهرية تحدّ من تبنّي الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. كما تُقيِّد القيود الهيكلية، ونقص المهارات، والتحديات التنظيمية والسياساتية قدرة هذه البيئات على ترجمة الابتكارات القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى ازدهار اقتصادي واسع القاعدة ومستدام.

إطلاق إمكانات الذكاء الاصطناعي لتحقيق نمو شامل

على الرغم من الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي وإسهاماته الواضحة، فإن تحوّل هذه القدرات إلى نمو اقتصادي وطني واسع القاعدة يظل مشروطًا إلى حدٍّ كبير، ويتّسم بتوزيع غير متكافئ للمكاسب. فحتى الآن، تتركّز الفوائد بدرجة أساسية لدى عدد محدود من الشركات الكبرى—ولا سيما منصّات التكنولوجيا العالمية—التي تتمتع ببُنى تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي، وقدرات بحث وتطوير راسخة، وموارد عالية الكثافة في الابتكار التقني. في المقابل، لا يزال تبنّي الذكاء الاصطناعي وتقدّم تطبيقاته لدى الشركات الأصغر والقطاعات التقليدية متأخرًا، وهو ما يحدّ من انتشار المنافع القائمة على الذكاء الاصطناعي عبر مختلف مستويات الاقتصاد ويُضعف قدرتها على دعم نمو شامل ومستدام.

 

إضافةً إلى ذلك، تتّسم قدرات الذكاء الاصطناعي بانحيازٍ مهاري واضح، إذ تُعدّ المهام الروتينية أكثر قابلية للأتمتة مقارنة بتلك التي تتطلّب الإبداع أو الحكم المعقّد. ويترتّب على ذلك ارتفاع مخاطر فقدان الوظائف، إلى جانب اتّساع فجوة الأجور بين العمال الذين تتكامل مهاراتهم مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي وغيرهم، بما يُعمّق أوجه عدم المساواة داخل أسواق العمل.

 

يُشكّل التحوّل البنيوي في حصص الدخل بين عوامل الإنتاج أحد التحديات الجوهرية طويلة الأجل. فالأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تعمل بوصفها بديلًا قويًا للعمالة البشرية في المهام الروتينية، بما يجعلها أقرب وظيفيًا إلى شكل من أشكال رأس المال. ويؤدي ذلك إلى ارتفاع نسبة رأس المال إلى العمل في الاقتصاد، وهو ما ينطوي على مخاطر تراجع حصة العمل من الدخل القومي على المدى الطويل، وما يصاحب ذلك من تعميق محتمل لاختلالات توزيع الثروة.

 

ويتعاظم هذا التحدّي بفعل الطابع المنحاز مهاريًا للذكاء الاصطناعي؛ إذ تكون المهام الروتينية أو القائمة على قواعد محدّدة أكثر قابلية للأتمتة من تلك التي تتطلّب الإبداع أو الحكم المعقّد. ويقود ذلك إلى ارتفاع مخاطر إحلال العمالة، واتّساع فجوة الأجور بين العاملين الذين تتكامل مهاراتهم مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي ونظرائهم الآخرين، بما يُعمّق أوجه عدم المساواة داخل أسواق العمل.

 

تعاني العديد من الدول النامية قصورًا في مهارات محو الأمية الرقمية لدى القوى العاملة، إلى جانب محدودية قدرات علم البيانات وغيرها من الكفاءات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يقيّد قدرتها على توظيف إمكاناته على النحو الأمثل. وإضافةً إلى ذلك، فإن الإطلاق الكامل لقدرات الذكاء الاصطناعي يتطلّب استثمارات كثيفة في البنية التحتية ورأس المال، تشمل مراكز بيانات متقدّمة، واتصالًا موثوقًا بالشبكات، وعتادًا حاسوبيًا متخصّصًا، وإمدادات طاقة مستقرة، فضلًا عن قدرات حوسبة سحابية أو محلية كافية.

 

تُعدّ الدول أو الشركات التي تعاني نقصًا في هذه الموارد أقل قدرة على جني مكاسب الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لذا، فإن تجاوز هذه العوائق وتشكيل نطاق اعتماد الذكاء الاصطناعي وعدالته يتطلّبان دورًا حاسمًا للمؤسسات والأطر التنظيمية، من خلال حوكمة واضحة، وتشريعات متينة لحماية البيانات والخصوصية، وأطر فاعلة لسياسات المنافسة، إلى جانب استثمارات عامة موجّهة. وفي غياب هذه المقومات، يظل خطر تركّز النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي قائمًا، بما يحدّ من قدرته على التحوّل إلى محرّك شامل ومستدام للتنمية الاقتصادية.

 

وأخيرًا، تُبرز حالة عدم اليقين الملازمة للآثار طويلة الأجل—بما في ذلك مخاطر تآكل آليات نقل المعرفة، وتفاوت تراكم رأس المال البشري، وعدم تكافؤ الاستفادة من مكاسب الرفاه—أن الأثر الكلي للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد الكلي ليس مضمونًا بطبيعته، بل يظل رهينًا بالشروط المؤسسية والسياساتية المصاحبة له.

 

وتُبرز هذه القيود مجتمعة أن الذكاء الاصطناعي ليس حلًّا سحريًا قائمًا بذاته، بل أداة تمكينية قوية لا تُؤتي كامل ثمارها إلا ضمن منظومة متكاملة. وتشمل هذه المنظومة انتشارًا واسع النطاق لتقنيات الذكاء الاصطناعي عبر الشركات والقطاعات، واستثمارات مستدامة في البنية التحتية ورأس المال المكمِّل، وتطويرًا منهجيًا لمهارات رأس المال البشري، فضلًا عن دعم فعّال لريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، واعتماد سياسات وحوكمة شاملة تستبق تحديات إحلال العمالة، وعدم المساواة، والتحوّلات الهيكلية. وعند توافر هذه الشروط مجتمعة، يمكن تسريع تفعيل الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي على نحو أكثر توازنًا واستدامة وشمولًا، بما يعزّز النمو الاقتصادي الوطني على نطاق أوسع، ويتيح امتداد فوائده إلى مختلف المناطق والاقتصادات حول العالم.

 

ومن ثم، يتعزّز النمو الاقتصادي الوطني القائم على مكاسب الإنتاجية، والابتكار، وبروز صناعات جديدة عالية القيمة بفعل الذكاء الاصطناعي، وبواسطة الشركات التي تُتقن تبنّي هذه التقنيات وتطويرها على نحو شامل. غير أنّ التحدّي المحوري أمام صانعي السياسات يظلّ متمثّلًا في ضمان توزيع هذه المكاسب بصورة واسعة القاعدة ومستدامة، بما يدعم ازدهارًا اقتصاديًا شاملًا ويُرسّخ منافع النمو عبر مختلف قطاعات الاقتصاد.

المراجع

Business Wire. “82% of Enterprise Leaders Now Use Generative AI Weekly, Multi-Year Wharton Study Finds as Investment and ROI Continue to Build.” Business Wire, October 28, 2025.https://www.businesswire.com/news/home/20251028556241/en/82-of-Enterprise-Leaders-Now-Use-Generative-AI-Weekly-Multi-Year-Wharton-Study-Finds-as-Investment-and-ROI-Continue-to-Build

 

Fortune. “How Much GDP Artificial Intelligence Could Add, According to Goldman Sachs.” Fortune, September 17, 2025.https://fortune.com/2025/09/17/how-much-gdp-artificial-intelligence-goldman-sachs-160-billion/

 

GeekWire. “Microsoft Posts Strong Quarter, Cites Broad AI and Cloud Growth as Azure Revenue Tops $75B Annually.” GeekWire, 2025.https://www.geekwire.com/2025/microsoft-posts-strong-quarter-cites-broad-ai-and-cloud-growth-as-azure-revenue-tops-75b-annually/

 

Goldman Sachs. “AI May Start to Boost U.S. GDP in 2027.” Goldman Sachs Insights, 2023.
https://www.goldmansachs.com/insights/articles/ai-may-start-to-boost-us-gdp-in-2027

 

International Monetary Fund (IMF). “AI Will Transform the Global Economy. Let’s Make Sure It Benefits Humanity.” IMF Blog, January 14, 2024. https://www.imf.org/en/blogs/articles/2024/01/14/ai-will-transform-the-global-economy-lets-make-sure-it-benefits-humanity

 

Kikuchi, Tatsuru. “Artificial Intelligence Adoption and Firm Productivity: Evidence from Japan.” arXiv Working Paper, 2025.https://ideas.repec.org/p/arx/papers/2508.03757.html

 

McKinsey Global Institute. “The Economic Potential of Generative AI: The Next Productivity Frontier.” McKinsey & Company, 2023.https://www.mckinsey.com/capabilities/tech-and-ai/our-insights/the-economic-potential-of-generative-ai-the-next-productivity-frontier

 

Nature Scientific Reports. “Economic and Productivity Impacts of Artificial Intelligence.” Scientific Reports 15 (2025).https://www.nature.com/articles/s41598-025-25413-6

 

NVIDIA. “NVIDIA Announces Financial Results for Fourth Quarter and Fiscal 2025.” NVIDIA Newsroom, 2025.https://nvidianews.nvidia.com/news/nvidia-announces-financial-results-for-fourth-quarter-and-fiscal-2025

 

Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). The Effects of Generative AI on Productivity, Innovation and Entrepreneurship. Paris: OECD Publishing, 2024.
https://www.oecd.org/en/publications/the-effects-of-generative-ai-on-productivity-innovation-and-entrepreneurship_b21df222-en.html

 

Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). Macroeconomic Productivity Gains from Artificial Intelligence in G7 Economies. Paris: OECD Publishing, 2025.
https://www.oecd.org/content/dam/oecd/en/publications/reports/2025/06/macroeconomic-productivity-gains-from-artificial-intelligence-in-g7-economies_dcf91c3e/a5319ab5-en.pdf

 

PricewaterhouseCoopers (PwC). Sizing the Prize: What’s the Real Value of AI for Your Business and How Can You Capitalise? PwC, 2017.https://www.pwc.com/gx/en.html

 

Stanford Institute for Human-Centered Artificial Intelligence (HAI). AI Index Report 2025. Stanford University, 2025.http://hai.stanford.edu/ai-index/2025-ai-index-report

 

Vanguard. “The Impact of Artificial Intelligence on Productivity and the Workforce.” Vanguard, 2024.https://corporate.vanguard.com/content/corporatesite/us/en/corp/articles/ai-impact-productivity-and-workforce.html

 

Zhang, William Xiaoci. “Determinants of AI Performance and Their Effect on National GDP: An Empirical Study.” ResearchGate Working Paper, 2024. https://www.researchgate.net/publication/385545565_Determinants_of_AI_performance_and_their_effect_on_national_GDP_an_empirical_study

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *