شهدت المواقف الأوروبية تجاه إسرائيل خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا، مدفوعًا في الأساس بالحرب على غزة في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023. وقد بدأ هذا التحول في صورة حالة من التوجّس المتصاعد، قبل أن يتبلور تدريجيًا في تراجع واضح في مستويات التأييد الشعبي لإسرائيل عبر القارة الأوروبية، حيث اتجه قطاع متزايد من الرأي العام إلى اعتبار ردّها العسكري مفرطًا في حدّته. غير أن هذا التحول في المزاج العام لم يواكبه انتقال موازٍ على المستوى السياسي، إذ واصل القادة الأوروبيون تبنّي مقاربة حذرة ذات طابع دبلوماسي، ساعين إلى تحقيق توازن دقيق بين التعبير عن القلق والحفاظ على التزامات راسخة، في مقدمتها التأكيد المستمر على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". غير أن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجيًا في الآونة الأخيرة. فقد أدّى التصعيد الإقليمي المرتبط بإيران إلى فرض ضغوط اقتصادية واستراتيجية مباشرة على أوروبا، ما دفع صُنّاع القرار إلى تبنّي استجابة أكثر حزمًا، وإن ظلت مضبوطة ضمن إطارها العام. وفي الوقت ذاته، تعكس التحولات السياسية داخل القارة، بما في ذلك بروز قيادات أقل انحيازًا تقليديًا لإسرائيل، مثل رئيس الوزراء المجري بيتر ماجيار، مسارًا تدريجيًا لإعادة معايرة المواقف، لا قطيعة مفاجئة في السياسة.
وقد تجلّى هذا التحول بوضوح لافت في أواخر أبريل 2026، عندما برزت داخل الاتحاد الأوروبي مناقشات حول تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ورغم أن المقترح لم يحظَ بالتوافق اللازم للمضي فيه، في ظل عرقلة دول محورية مثل ألمانيا وإيطاليا، فإنه كشف في الوقت ذاته عن انتقال خيارات كانت تُعد سابقًا خارج نطاق التصوّر إلى صلب النقاش السياسي. وفي حين أن تعليق الاتفاقية قد يترتب عليه آثار اقتصادية ملموسة بالنسبة لإسرائيل، فإن تفعيله يظل محكومًا بتوازنات داخلية معقّدة داخل الاتحاد الأوروبي. غير أن تعذّر المضي في هذا المسار لا يعني غياب أدوات التأثير؛ إذ لا يزال الاتحاد الأوروبي يحتفظ بطيف من الآليات البديلة القادرة على إحداث ضغط فعّال على إسرائيل.
بلغت المواقف الأوروبية تجاه إسرائيل أدنى مستوياتها منذ تأسيس الدولة في أواخر أربعينيات القرن الماضي، في انعكاس لتحوّل واضح ومستمر في المناخين السياسي والمجتمعي عبر القارة. وفي هذا السياق، بدأ هذا التحوّل يتبلور مع اندلاع الحرب على غزة، التي نظر إليها قطاع واسع من الأوروبيين باعتبارها مفرطة في حدّتها، ما دفع إلى إعادة تقييم مواقف كانت راسخة لعقود. ومع تتابع التطورات، تكرّس هذا الاتجاه في صورة تراجع أوسع في مستويات التأييد، الأمر الذي يشير إلى أن التحوّل لم يعد ظرفيًا، بل يعكس تغيرًا أعمق وأكثر استدامة في بنية الاتجاهات السائدة.
غير أن تطوّر القيادة السياسية لم يعكس هذا التحوّل المجتمعي بالوتيرة ذاتها. فعلى مدار معظم العام الماضي، واصل غالبية القادة الأوروبيين تبنّي الخطاب الحذر المألوف، مع التعبير عن القلق إزاء السياسات الإسرائيلية، بالتوازي مع التأكيد المتكرر على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". وفي هذا الإطار، ظل هذا التوازن الخطابي، الذي شكّل سمة راسخة في الدبلوماسية الأوروبية لعقود، قائمًا إلى أن بدأ يتصدّع في الآونة الأخيرة. ومع ذلك، وبينما خرج عدد محدود من القادة عن هذا النمط في وقت مبكر، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بقيت الغالبية متمسكة بالمواقف التقليدية إلى أن برز عامل أكثر مباشرة دفع نحو إعادة التموضع. وفي هذا السياق، جاء هذا العامل المحفِّز مع التصعيد المرتبط بإيران. فعلى خلاف الحرب على غزة، التي أعادت تشكيل الرأي العام في المقام الأول، بدأت المواجهة الإقليمية الأوسع تؤثر بصورة مباشرة في المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لأوروبا. وتكتسب هذه المفارقة أهمية محورية في فهم مسار التحوّل، إذ بينما تحرّك المزاج العام بدوافع إنسانية وأخلاقية، تبدو استجابات القيادات السياسية مدفوعة بضغوط ملموسة تمس الاستقرار وأمن الطاقة والمرونة الاقتصادية. وعلى هذا الأساس، يشير التحوّل في مواقف القادة الأوروبيين إلى أن تغيّر السياسات يرتبط بدرجة أوثق بحسابات المصالح المادية، لا بالقيم العامة وحدها.
وقد تجلّى هذا التحوّل بوضوح أكبر تحت وطأة البعد الاقتصادي للأزمة، الذي برز بوصفه عاملًا حاسمًا في توجيه مسار التفاعلات. ففي هذا السياق، تفاعلت أسواق الطاقة سريعًا مع التصعيد، حيث ارتفعت أسعار النفط من نحو 72–73 دولارًا للبرميل قبل اندلاع المواجهة إلى ما يقارب 120 دولارًا عند ذروتها، قبل أن تستقر لاحقًا عند حدود 93 دولارًا عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار. وعلى المنوال ذاته، سلكت أسعار الغاز مسارًا مماثلًا، إذ صعدت من نحو 35.5 يورو لكل ميجاواط/ساعة إلى مستويات تجاوزت 60 يورو، قبل أن تستقر عند قرابة 44 يورو. ورغم أن أوروبا لا تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة المباشرة عبر مضيق هرمز، فإن ارتباطها الأوسع بأسواق الطاقة العالمية يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.
وفي امتداد لهذه الضغوط، أسهمت تقلبات أسعار الصرف، بحكم تسعير النفط بالدولار الأمريكي، في تضخيم الكلفة الإجمالية، ما فرض أعباء إضافية على الاقتصادات الأوروبية والمستهلكين على حد سواء. ولم تقتصر هذه التداعيات على قطاع الطاقة فحسب، بل امتدت إلى قطاعات أخرى، من بينها الطيران. فقد بدأت بالفعل ارتفاعات كلفة وقود الطائرات والقيود على الإمدادات في إرباك العمليات التشغيلية، حيث اتجهت شركات الطيران إلى تعديل الأسعار، بل وإلغاء بعض الرحلات في حالات معينة قبيل فترات الذروة السياحية. وفي المحصلة، تعزّز هذه التطورات إدراك صُنّاع القرار الأوروبيين بأن عدم الاستقرار الإقليمي يخلّف آثارًا داخلية مباشرة، ما يسرّع بدوره الحاجة إلى إعادة تقييم مواقف السياسة الخارجية.
وبالتوازي مع ذلك، تكشف التحولات السياسية داخل أوروبا عن مسار تدريجي لإعادة ضبط المواقف. ففي المجر، يعكس انتخاب رئيس الوزراء بيتر ماجيار انتقالًا نحو تبنّي مقاربة أكثر توازنًا مقارنة بالموقف الداعم لإسرائيل دون تحفظ، الذي طبع مرحلة سلفه. ومع تأكيده استمرار اعتبار إسرائيل شريكًا اقتصاديًا مهمًا، أوضح ماجيار أن قرارات الاتحاد الأوروبي ستُقيَّم مستقبلًا على أساس كل حالة على حدة، بدلًا من عرقلتها بصورة تلقائية. وفي هذا الإطار، تعكس مواقفه الداعية إلى إعادة الانخراط في الأطر القانونية الدولية توجّهًا نحو مواءمة سياسات هنغاريا بشكل أوثق مع المعايير الأوروبية الأوسع، بدلًا من مواصلة النهج الانعزالي الذي ساد في المرحلة السابقة.
وفي امتداد لهذه التحولات، أسهمت التوترات الإقليمية في توسيع الفجوة السياسية داخل المواقف الأوروبية. فقد اتسمت ردود الفعل الأوروبية تجاه الضربات الإسرائيلية في لبنان، ولا سيما في دول مثل فرنسا وبلجيكا، بقدر أكبر من النقد، بما يعكس تنامي حالة عدم الارتياح داخل العواصم الأوروبية. ويشير ذلك إلى أن هذا التحول لم يعد محصورًا في الاعتبارات الاقتصادية وحدها، بل بات يتعزز بصورة متزايدة بفعل تطورات جيوسياسية تضع التوازنات الدبلوماسية القائمة أمام اختبارات متصاعدة.
وفي المحصلة، تعكس هذه الديناميكيات مسار تحوّل يقوم على مستويين متداخلين ومتوازيين. فقد بادر الرأي العام الأوروبي إلى التغيّر أولًا، مدفوعًا بتداعيات الحرب على غزة وأبعادها الإنسانية، بينما جاءت استجابة القيادات السياسية لاحقًا، تحت وطأة الانعكاسات الاستراتيجية والاقتصادية للتصعيد الإقليمي الأوسع. ومن خلال هذا التفاعل، يتبلور اتجاه نحو إعادة توجيه تدريجية لكنها واضحة في موقف أوروبا تجاه إسرائيل، تتشكل عبر تراكم ضغوط مجتمعية، وتزايد الهشاشة الاقتصادية، وإعادة تموضع جيوسياسي، بما يجعل هذا التحول أقرب إلى مسار تراكمي متدرّج منه إلى قطيعة مفاجئة في السياسة.
يتزايد داخل إسرائيل إدراكٌ بأن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو فقدان جزء من ثقله على الساحة الدولية، وهو ما ينعكس في تراجع مكانته كشريك مركزي في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية. وفي المقابل، اتجهت الأولوية الاستراتيجية بصورة أوضح نحو الولايات المتحدة، التي لا تزال الحليف الأكثر ثباتًا لإسرائيل، وتُعد على نطاق واسع الفاعل الخارجي الوحيد القادر على التأثير الفعلي في توجهاتها. وفي هذا السياق، يتنامى داخل دوائر صنع القرار اعتقاد بأن التباينات مع الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في ما يتصل بالقضية الفلسطينية، مرشحة للتعمّق بدلًا من الانحسار.
وعلى هذا الأساس، تظل التوقعات بشأن أي تحسّن قريب في العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي محدودة، في ظل تصاعد الدعوات إلى إعادة توجيه الشراكات نحو بدائل أخرى، لا سيما مع القوى الصاعدة والاقتصادات الآسيوية مثل الصين. ومع ذلك، لا يحظى هذا التوجّه بإجماع داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، إذ بدأت شخصيات في صفوف المعارضة تُقرّ بشكل متزايد بأهمية الحفاظ على العلاقات مع أوروبا، بل والعمل على تطويرها. ويعكس هذا الاتجاه تقديرًا أكثر براغماتية لثقل الاتحاد الأوروبي المستمر، ليس فقط بوصفه فاعلًا دوليًا، بل أيضًا كشريك اقتصادي محوري.
وفي سياق أوسع، وبالنسبة لإسرائيل التي تتحرك ضمن عقيدة أمنية تشكّلت في ظل صراعات متكررة ومتداخلة، تمتد من غزة ولبنان إلى إيران وسوريا، فإن الحفاظ على تنوّع الشراكات الخارجية لا يُعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية. إذ يعزّز العبء الاقتصادي التراكمي لهذه الصراعات أهمية الإبقاء على علاقات مستقرة مع أطراف تتمتع بثقل مالي وتجاري كبير، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي.
وفي ما يتصل باتجاهات السياسة، يُرجَّح أن تواصل إسرائيل الاعتماد على نهج مألوف يقوم على إدارة العلاقة مع أوروبا بدلًا من السعي إلى إصلاحها بصورة شاملة. فقد ارتكز هذا النهج تاريخيًا على استثمار الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي للحيلولة دون تبلور موقف موحّد إزاء القضايا المرتبطة بإسرائيل، وهو ما أتاح في بعض الحالات إبطاء وتيرة صنع القرار الأوروبي أو الحدّ من فاعليته. ويبرز مثال دال على ذلك في غياب أي استنتاجات رسمية صادرة عن مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط منذ يونيو 2016، في خروج واضح عن الممارسة السابقة.
غير أن استدامة هذا النهج باتت تكتنفها درجة متزايدة من عدم اليقين. فالتغيرات التي تشهدها الساحة السياسية الأوروبية، بما في ذلك تبدّل القيادات في دول كانت أقرب إلى تبنّي مواقف متوافقة مع إسرائيل، تثير تساؤلات حول مدى استمرار وجود حلفاء موثوقين داخل الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، ورغم احتمال استمرار إسرائيل في توظيف الانقسامات الأوروبية الداخلية، فإنها قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم مقاربتها العامة، والاتجاه نحو انخراط أكثر بنّاءً إذا ما أرادت الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأجل في أوروبا.
لا يزال الاتحاد الأوروبي يحتفظ بطيف واسع من أدوات التأثير في علاقته مع إسرائيل، حتى وإن ظل تعليق اتفاقية الشراكة بين الطرفين خيارًا يصعب تحقيقه سياسيًا. فمنذ دخولها حيّز التنفيذ عام 2000، شكّلت هذه الاتفاقية الركيزة الأساسية للعلاقات الثنائية، إذ وفّرت لإسرائيل وصولًا تفضيليًا إلى الأسواق الأوروبية، إلى جانب تنظيم أطر التعاون في مجالات التجارة والبحث العلمي والدبلوماسية. كما ترتكز الاتفاقية على بند خاص بحقوق الإنسان، وهو ما منحها أهمية متزايدة في النقاشات الأخيرة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن جدوى تعليقها. ومع ذلك، ورغم طرح بعض الدول الأعضاء مقترحات في هذا الاتجاه، فإن هذه الجهود لم تتحوّل إلى خطوات عملية، وذلك في المقام الأول نتيجة الانقسامات السياسية داخل الاتحاد، حيث حالت كل من ألمانيا وإيطاليا دون المضي في المقترح في 21 أبريل. وفي هذا السياق، تبرز الأهمية الاقتصادية للاتفاقية بوصفها إحدى أبرز أدوات التأثير المتاحة لأوروبا. إذ يُعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لإسرائيل، حيث استحوذ على نحو 32% من إجمالي تجارتها في السلع عام 2024، فيما تُقدَّر صادراتها إلى السوق الأوروبية بما يتراوح بين 17 و20 مليار يورو سنويًا.
ومن شأن أي تعليق للاتفاقية أن يلغي مزايا الوصول المعفى من الرسوم الجمركية، ويعيد فرض الرسوم التي تتراوح عادة بين 2% و10% على السلع الصناعية، وقد ترتفع إلى مستويات أعلى بالنسبة للمنتجات الزراعية. وحتى بافتراض متوسط جمركي معتدل عند حدود 5%، فإن ذلك قد يفرض كلفة إضافية تُقدَّر بنحو 900 مليون يورو سنويًا على الصادرات الإسرائيلية. والأهم من ذلك، أن تراجع مستوى المواءمة التنظيمية قد يفضي إلى بروز حواجز غير جمركية، تشمل تشديد متطلبات الاعتماد وإطالة أمد سلاسل الإمداد، بما يرفع إجمالي كلفة التجارة بنسبة إضافية تتراوح بين 5% و15%. وفي هذا الإطار، قد تؤدي هذه الضغوط مجتمعة إلى خفض الصادرات الإسرائيلية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة تتراوح بين 10% و20%، بما يعادل خسائر سنوية تُقدَّر بنحو 2 إلى 4 مليارات يورو. ولا تقتصر التداعيات على جانب الصادرات فحسب، إذ ستواجه إسرائيل أيضًا ارتفاعًا في كلفة وارداتها من المعدات والآلات والمركبات الأوروبية، فضلًا عن المدخلات الصناعية، وهو ما سينعكس بدوره في زيادة الضغوط السعرية داخليًا وارتفاع تكاليف الإنتاج.
غير أن توظيف هذه الأدوات يظل محكومًا بقيود مؤسسية معقّدة. إذ يتطلب التعليق الكامل للاتفاقية إجماع الدول الأعضاء السبع والعشرين، وهو ما يبدو مستبعدًا إلى حد كبير في ظل تباينات سياسية راسخة تغذّيها اعتبارات تاريخية وتفضيلات استراتيجية وطنية. وحتى التعليق الجزئي الذي يستهدف الترتيبات التجارية يستلزم أغلبية مؤهلة تمثل ما لا يقل عن 65% من سكان الاتحاد الأوروبي، بما يمنح الدول ذات الكثافة السكانية العالية قدرة حاسمة على تعطيل القرار.
وفي هذا السياق، تفسّر هذه القيود الإجرائية سبب عدم انتقال الاتحاد الأوروبي، رغم تصاعد الضغوط، من مرحلة النقاش إلى اتخاذ خطوات تنفيذية. ومع ذلك، لا تقتصر أدواته على هذا الخيار وحده؛ إذ يحتفظ بطيف من البدائل التي، وإن كانت أقل حدّة، تظل قادرة على إحداث ضغط ملموس على إسرائيل:
في إطار السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، يمكن فرض عقوبات على أفراد بعينهم بدلًا من الدولة. وتشمل هذه التدابير تجميد الأصول داخل ولايات الاتحاد، وحظر السفر، ومنع إجراء معاملات مع كيانات قائمة داخل الاتحاد. وقد طُبّق هذا النهج بالفعل على مستوطنين إسرائيليين وأطراف مرتبطة بأعمال عنف في الضفة الغربية. ومع ذلك، تُصنَّف إسرائيل ضمن فئة “الأنظمة منخفضة الكثافة”، التي تضم الدول ذات العدد الأدنى من الأفراد الخاضعين لعقوبات الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، تشمل هذه الفئة، على نحو لافت، فرنسا نفسها، وهي من الدول المؤسسة للاتحاد، بما يعكس محدودية نطاق هذه التصنيفات. إذ لا تتجاوز نسبة الأفراد أو الكيانات الإسرائيلية المدرجة ضمن قوائم العقوبات نحو 0.02% من الإجمالي. وفي الوقت ذاته، تجدر الإشارة إلى أن إدراج إسرائيليين ضمن عقوبات الاتحاد الأوروبي لم يبدأ إلا في عام 2024، ما يعكس خطوات أولية حذرة قد تشير إلى تحول تدريجي، وإن ظل محدودًا، في توجهات السياسة الأوروبية.
وفي حين أن توسيع نطاق العقوبات ليشمل مسؤولين رفيعي المستوى، بما في ذلك شخصيات سياسية مؤثرة، سيواجه مقاومة سياسية ويظل مشروطًا بالإجماع، فإنه يظل أداة أكثر مرونة وأقل إحداثًا للاضطراب الاقتصادي مقارنة بالإجراءات التجارية الشاملة.
حتى من دون اللجوء إلى تعليق كامل للاتفاقية، يستطيع الاتحاد الأوروبي تشديد الرقابة التنظيمية، وتأخير إجراءات الاعتماد، أو إدخال تعقيدات إدارية ترفع كلفة النفاذ إلى السوق. ونظرًا لمدى اعتماد إسرائيل على التجارة مع أوروبا، فإن حتى الزيادات المحدودة في هذه القيود قد تُحدث آثارًا اقتصادية تراكمية، لا سيما في القطاعات عالية القيمة مثل الصناعات الدوائية والكيماويات والتصنيع المتقدم.
تمنح مشاركة إسرائيل في البرامج المموّلة من الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في إطار برنامج “هورايزون” وبرامج “إيراسموس+”، وصولًا إلى موارد مالية كبيرة تُقدَّر بأكثر من مليار يورو حتى عام 2027، فضلًا عن الاندماج في شبكات البحث الأوروبية. ومن شأن ربط هذه المشاركة بشروط أو تقييدها أن يترتب عليه آثار مالية مباشرة، كما قد ينعكس على المنظومة التكنولوجية في إسرائيل، لا سيما في القطاعات ذات الاستخدامات المزدوجة.
أتاحت التعديلات الأخيرة على لوائح الاتحاد الأوروبي إمكانية تعليق الإعفاء من التأشيرة على أساس اعتبارات تتعلق بحقوق الإنسان. ورغم أن هذا الإجراء نادر الاستخدام، فإنه يفتح المجال أمام فرض متطلبات تأشيرة على المواطنين الإسرائيليين الراغبين في السفر إلى منطقة شنغن. ومن شأن خطوة كهذه أن تحمل دلالات رمزية قوية، إلى جانب تبعات عملية، لا سيما على صعيد التبادلات التجارية والأكاديمية والسياسية.
وفي هذا السياق، يُفهم نفوذ الاتحاد الأوروبي بوصفه متعدد الطبقات، لا قائمًا على أداة واحدة. فبينما يمثّل تعليق اتفاقية الشراكة الإجراء الأكثر تأثيرًا، فإنه لا يشكّل المسار الوحيد. إذ يحتفظ الاتحاد بقدرة على ممارسة الضغط عبر مزيج من الأدوات الاقتصادية والتنظيمية والسياسية. ويتمثّل التحدي الجوهري ليس في غياب هذه الآليات، بل في القدرة على مواءمة مواقف الدول الأعضاء بشأن كيفية توظيفها.
European Council on Foreign Relations (ECFR). “Mapping EU Leverage in MENA: Israel.” Accessed April 28, 2026. https://ecfr.eu/special/mapping_eu_leverage_mena/israel.
YouGov. “Net Favourability Towards Israel Reaches New Lows in Key Western European Countries.” Accessed April 29, 2026. https://yougov.com/en-gb/articles/52279-net-favourability-towards-israel-reaches-new-lows-in-key-western-european-countries.
Euronews. “Why Oil and Gas Prices Could Stay High in Europe Even If the Iran War Ends.” April 9, 2026. https://www.euronews.com/business/2026/04/09/why-oil-and-gas-prices-could-stay-high-in-europe-even-if-the-iran-war-ends.
Deutsche Welle (DW). “Jet Fuel Crisis Deepens as Lufthansa Cuts 20,000 Flights.” Accessed April 27, 2026. https://www.dw.com/en/jet-fuel-crisis-deepens-as-lufthansa-cuts-20000-flights/a-76889141.
Al Jazeera. “A €42bn Dilemma: What Is Stopping EU from Holding Israel to Account?” April 22, 2026. https://www.aljazeera.com/economy/2026/4/22/a-42bn-euro-dilemma-what-is-stopping-eu-from-holding-israel-to-account.
European Union. “EU Sanctions Tracker: Nationalities – Israel.” Accessed April 28, 2026. https://data.europa.eu/apps/eusanctionstracker/nationalities/IL.
UnitedXP. “EU Trade Relations with Israel: Facts, Figures and Latest Developments.” Accessed April 29, 2026. https://www.unitedxp.co.il/eu-trade-relations-with-israel-facts-figures-and-latest-developments/.
Al Jazeera. “Which Countries Trade the Most with Israel and What Do They Buy and Sell?” May 22, 2025. https://www.aljazeera.com/news/2025/5/22/which-countries-trade-the-most-with-israel-and-what-do-they-buy-and-sell.
Council of the European Union. “Extremist Israeli Settlers in the Occupied West Bank and East Jerusalem as Well as Violent Activists Blocking Humanitarian Aid to Gaza: Five Individuals and Three Entities Sanctioned under the EU Global Human Rights Sanctions Regime.” July 15, 2024. https://www.consilium.europa.eu/en/press/press-releases/2024/07/15/extremist-israeli-settlers-in-the-occupied-west-bank-and-east-jerusalem-as-well-as-violent-activists-blocking-humanitarian-aid-to-gaza-five-individuals-and-three-entities-sanctioned-under-the-eu-global-human-rights-sanctions-regime/.
تعليقات