كتب بواسطة

مثلت عملية العزم المطلق، التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في الثالث من يناير 2026 وأفضت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وقرينته سيليا فلوريس، فصلاً ختامياً لسنوات من الجمود والصراع الدبلوماسي. بيد أن هذا الحدث، الذي جاء تتويجاً لمسار طويل من التصعيد، تجاوز في دلالاته مجرد إسقاط لنظام سياسي؛ إذ كان إيذاناً صريحاً ببعث "مبدأ مونرو" في أكثر صيغه صرامة. وقد تجلى ذلك في تصريح الرئيس الأمريكي فور نجاح العملية، حين قطع بأن "الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لم تعد موضع شك بعد اليوم". وعليه، فقد شكلت هذه العملية تحولاً جيوسياسياً مفصلياً، لم تقتصر ارتداداته على تاريخ أمريكا اللاتينية فحسب، بل امتدت لتعيد رسم عقيدة السياسة الخارجية الأمريكية برمتها.

 

أحدثت العملية صدمة استراتيجية في العواصم المعادية لواشنطن، حيث أعادت للأذهان حقبة التدخلات الأمريكية المباشرة إبان الحرب الباردة، ولكن بأدوات وتقنيات القرن الحادي والعشرين. فلم يعد التهديد الأمريكي مقتصرا على العقوبات الاقتصادية أو العزلة الدبلوماسية، بل تحول إلى توظيف للقوة الصلبة "الذكية" القادرة على اختراق السيادة الوطنية واستهداف رؤوس الأنظمة. وسيفرض هذا التحول الجذري على الدول المصنفة ضمن دائرة العداء الأمريكي -سواء في الكاريبي أو الشرق الأوسط- إعادة تقييم شاملة لحساباتها الأمنية والاستراتيجية، وسط مخاوف جدية من أن تكون كاراكاس مجرد فاتحة لسلسلة من عمليات "تغيير الأنظمة" التي تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الدولي وفق الرؤية الأمريكية الأحادية.

أمريكا اللاتينية: مَنْ على الرادار؟

في سياق المشهد الجيوسياسي لنصف الكرة الغربي، مثلت فنزويلا إبان حقبة مادورو أحد أضلاع ما تصفه الدوائر الأمريكية بـ ثالوث الطغيان، جنبا إلى جنب مع كوبا ونيكاراغوا. وعقب إحكام الولايات المتحدة قبضتها على كاراكاس وإزاحة مادورو، بات من المرجح أن تنعطف البوصلة الأمريكية تلقائيا شطر الأنظمة المتبقية ذات التوجهات المماثلة في أمريكا اللاتينية، سعيا لإعادة ترتيب الأوراق في فنائها الخلفي. وقد كرست استراتيجية الأمن القومي للرئيس ترامب لعام 2025 هذا التوجه، عبر إعادة إحياء ما يعرف بـ “تعديل ترامب” لمبدأ مونرو، متعهدة باستعادة الهيمنة الأمريكية المطلقة في الإقليم، وحرمان القوى المناوئة من أي موطئ قدم. وفيما يلي، نستشرف الدول والقيادات التي قد تكون التالية في مرمى الضغوط أو التدخلات الأمريكية.

 

كوبا

تتصدر الحكومة الشيوعية في كوبا، بقيادة ميغيل دياز كانيل، طليعة الأهداف المحتملة عقب فنزويلا. وقد عقد الرئيس ترامب مقاربة مباشرة بين الحالتين، واصفا الوضع الكوبي بأنه محاك إلى حد كبير لما يجري في فنزويلا، ملمحًا إلى أن على حكام هافانا استشعار الخطر بعد معاينة مصير مادورو. فعلى الصعيد الجيوسياسي، لطالما مثلت كوبا شوكة في خاصرة واشنطن لأكثر من ستة عقود، بوصفها نظامًا شيوعيًا فاشلًا يمارس العداء من قلب الفناء الخلفي للولايات المتحدة. فضلا عن ذلك، فهي توفر موطئا استراتيجيًا لخصوم واشنطن؛ إذ ترسو سفن الاستخبارات الروسية في موانئها بصفة دورية، فيما تبدي الصين اهتمامًا اقتصاديًا متناميًا بها. ومع انقطاع شريان النفط الفنزويلي، دخل الاقتصاد الكوبي في حالة من السقوط الحر، ما يشكل فرصة سانحة للتدخل. فقد كانت هافانا تعتمد على تدفق نحو 35 ألف برميل يوميا من النفط الفنزويلي بأسعار تفضيلية لتأمين الطاقة الكهربائية. والآن، وبغياب هذا الدعم الحيوي، يرجح المحللون حدوث انهيار نهائي للاقتصاد الكوبي؛ لا سيما مع فقدان البيزو 95% من قيمته منذ عام 2020، والتراجع الحاد في إنتاج المحاصيل والسكر، وتدهور الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء.

 

وتتفاقم الأزمة الإنسانية والسياسية في الجزيرة بعمق؛ إذ فر أكثر من ربع السكان خلال السنوات القليلة الماضية في موجة نزوح تضاهي نظيرتها الفنزويلية، مما ينذر بتأجيج اضطرابات داخلية عارمة ضد نظام دياز كانيل. من وجهة نظر واشنطن، تجعل هذه العوامل كوبا تبدو ضعيفة. فكوبا اقتصاديةً، تعاني من الضعف والعزلة، وقد يُتيح تغيير النظام للمصالح التجارية الأمريكية فرصةً لإعادة دخول سوقٍ مُغلقة منذ ستينيات القرن الماضي، والقضاء على النموذج الاشتراكي في نصف الكرة الأرضية.

 

نيكاراغوا

على الصعيد الجيوسياسي، نجح دانيل أورتيغا –رئيس نيكاراغوا- في نسج شبكة تحالفات ربطت نيكاراغوا بخصوم الولايات المتحدة؛ إذ استقطب الاستثمارات الروسية -مانحا موسكو تواجدًا أمنيًا محدودًا- وحافظ على علاقات وثيقة مع كل من كوبا وفنزويلا. بيد أنه، ومع سقوط نظام مادورو وفقدان الدعم الفنزويلي، بات أورتيغا يواجه عزلة خانقة، مما يثير تساؤلات المراقبين حول قدرة نظامه على الصمود منفردًا في غياب رعاته الأيديولوجيين. ومن هذا المنطلق، قد تنظر الولايات المتحدة إلى تغيير النظام في نيكاراغوا بوصفه الخطوة المنطقية التالية لتفكيك آخر قلاع ثالوث الطغيان. وتعد هذه الخطوة، من الناحية العملية، أيسر نسبيا مقارنة بالحالة الفنزويلية؛ فنيكاراغوا، التي تعد أفقر دول أمريكا الوسطى، تمتلك جيشا متواضع القدرات وتفتقر إلى التحالفات الصلبة. وفي حال حدوث تدخل عسكري أمريكي، فإن حجمه سيحاكي غزو بنما عام 1989 نظرا لتقارب حجم القوات المسلحة النيكاراغوية مع قوات الدفاع البنمية إبان حقبة نورييغا. ورغم التحديات التي تفرضها تضاريس المنطقة من غابات ومرتفعات، إلا أن تأمين المراكز الحضرية الرئيسية، كماناغوا، يظل ممكنا عبر ضربة عسكرية مركزة.

 

عسكريًا، يعزز وجود القيادة الجنوبية الأمريكية في المحيط الإقليمي من احتمالية التدخل السريع. ومع ذلك، وكما هو الشأن مع كوبا، لا يمكن إغفال التكاليف السياسية والدبلوماسية؛ إذ من المرجح أن تجاهر دول أمريكا اللاتينية المجاورة -بما فيها كوستاريكا الديمقراطية- بإدانة الغزو، حتى وإن كانت تضمر العداء لأورتيغا، كما يتوقع أن تصدر منظمة الدول الأمريكية والأمم المتحدة إدانات تعتبر التدخل انتهاكًا للسيادة. في المقابل، قد تتذرع إدارة ترامب بمبررات قانونية؛ كربط أورتيغا بشبكات الاتجار بالمخدرات وتصنيف حكومته كمنظمة إرهابية مخدرات، على غرار التهم التي سيقت ضد مادورو. والواقع أن الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب في سبتمبر 2025 قد صنف نيكاراغوا بالفعل كدولة عبور رئيسية للمخدرات، مما يمهد الطريق لتشريع التدخل تحت غطاء الحرب على المخدرات. وثمة ذريعة أخرى محتملة تتمثل في التدخل لدواعي إنسانية؛ فبالنظر إلى القمع المفرط في ماناغوا، قد تتذرع واشنطن بمسؤولية الحماية للذود عن أرواح النيكاراغويين وصون ديمقراطيتهم.

 

حالات أخرى في أمريكا اللاتينية

حالات أخرى في المشهد اللاتيني بالتوازي مع كوبا ونيكاراغوا، مارست الولايات المتحدة ضغوط متفاوتة الحدة على حكومات أخرى في أمريكا اللاتينية، سعيا لضمان اتساق المنطقة مع الأجندة الاستراتيجية لواشنطن. وعوضا عن اللجوء إلى خيار الغزو العسكري المباشر، غالبا ما ترتكز هذه المساعي على توظيف حزمة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، أو العمليات السرية، بغية التأثير في توجهات تلك الأنظمة.

 

كولومبيا

تمثل كولومبيا حالة استثنائية في المشهد اللاتيني؛ فرغم كونها حليفًا تقليديًا راسخًا للولايات المتحدة، إلا أن رئيسها غوستافو بيترو يتبنى توجها يساريًا يدعو إلى إصلاح سياسات مكافحة المخدرات وتوطيد العلاقات مع فنزويلا. وقد وجه ترامب تهديدات علنية لبيترو، محذرًا إياه في أواخر عام 2025 بضرورة “توخي الحذر”، ووصل الأمر إلى حد اتهامه بالتواطؤ الفعلي في إنتاج الكوكايين بقوله: “إنه يصنع الكوكايين، وهم يرسلونه إلى الولايات المتحدة”. ويشير هذا الخطاب التصعيدي بوضوح إلى احتمالية مواجهة كولومبيا لإجراءات أمريكية حال تقاعسها عن التعاون في “حرب المخدرات”.

 

ومع ذلك، يبدو من غير المرجح أن تقدم الولايات المتحدة على عملية لتغيير النظام ضد بيترو تحاكي السيناريو الفنزويلي؛ فكولومبيا دولة ديمقراطية وازنة تمتلك جيشا قويا، ومن شأن أي عدوان أمريكي صريح أن يزعزع الاستقرار الإقليمي والعلاقات البينية. وبدلا من ذلك، يرجح أن تلجأ واشنطن إلى حزمة من الإجراءات العقابية، كإلغاء التصنيف المعتمد لتعاون كولومبيا في مكافحة المخدرات، أو فرض عقوبات على مسؤولين حكوميين، أو حتى تنفيذ عمليات محدودة عبر الحدود تستهدف مختبرات المخدرات أو الكارتيلات في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة.

 

والواقع أن توظيف ترامب للعملية الفنزويلية كان بمثابة رسالة إنذار لبيترو؛ فمن خلال استعراض الاستعداد لاستخدام القوة في الإقليم، تسعى الولايات المتحدة للضغط على كولومبيا للامتثال لأولوياتها سواء في مكافحة تهريب المخدرات أو السياسة تجاه فنزويلا دون الحاجة لغزو فعلي. كما إن هوامش إجبار كولومبيا على الإذعان تظل محدودة؛ فعلى الصعيد الاقتصادي، بوسع الولايات المتحدة التلويح بحوافز تجارية أو إشهار سلاح التهديد كفرض تعريفات جمركية أو تقليص المساعدات، على غرار ما حدث في سياقات أخرى مثل فرض ترامب رسوما وجيزة على البرازيل في عهد لولا دا سيلفا. بيد أن أي محاولة عنيفة للإطاحة ببيترو – باستثناء الدعم السري المحتمل لخصومه السياسيين- ستواجه ردود فعل عكسية حادة في أمريكا اللاتينية. وتجسد الحالة الكولومبية استراتيجية المراقبة والتحذير؛ أي توظيف العملية الفنزويلية كورقة ضغط لإلزام القادة الآخرين بالنهج الأمريكي، بدلا من اعتبارها نموذجا قابلا للتكرار الفوري.

إيران - هدفٌ مُتاح أم مُغامرةٌ غيرُ محسوبة؟

لئن كانت أمريكا اللاتينية تُمثّل الجبهة المُستحدثة للسياسة الخارجية الأمريكية، فإن إيران تظل الخصم الأزلي فيما وراء البحار. ولم تمر التحركات الهجومية لترامب في فنزويلا دون صدىً في طهران؛ بل على النقيض، فقد أجّجت التكهنات بأن الجمهورية الإسلامية قد تكون الهدف التالي على أجندة طموحات واشنطن في تغيير الأنظمة. وفي غضون ساعاتٍ من إقصاء مادورو، وجّه مسؤولون إسرائيليون تحذيراً علنياً مفاده أن “على النظام في إيران أن يُمعن النظر فيما يجري في فنزويلا. كما حذّر الرئيس ترامب نفسه طهران من مغبة القتل العنيف للمتظاهرين السلميين، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستتدخل لإنقاذهم. ويُشكل هذا الخطاب تصعيداً خطيراً، ويحمل في طياته تلويحاً قوياً باحتمالية التدخل العسكري المباشر ضمن سيناريوهات محددة.

 

وفي الحالة الإيرانية، لا يقتصر الاستهداف على شخوصٍ بعينهم، بل يطال منظومةً ثيوقراطيةً متكاملة؛ حيث يُعَدُّ المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي—صاحب السلطة المطلقة ورمز النظام الثوري لعام 1979—الشخصية المحورية، تسانده قيادة الحرس الثوري التي تُمثّل دعامة النظام الصلبة. وعلى النقيض من فنزويلا، التي توفرت على زعيم معارضة جاهز للاعتراف الدولي خوان غوايدو، تفتقر إيران إلى حكومة بديلة تحظى بقبول واشنطن؛ فالمعارضة الإيرانية تعاني من التشرذم بين ملكيين، وإصلاحيين، ومنفيين من منظمة مجاهدي خلق، وغيرهم. وهذا يعني أن أي مسعى أمريكي لتغيير النظام سيصطدم بغياب شريك محلي واضح لتسلم السلطة، مما يضفي غموضاً كثيفاً على المآلات النهائية.

 

ولطالما شكّلت إيران هدفاً استراتيجياً للولايات المتحدة لعقود، نظراً لموقعها الحيوي وأيديولوجيتها المناهضة للغرب؛ إذ تُصنّف الدولة الأولى في رعاية الإرهاب عبر دعمها لحزب الله في لبنان، والميليشيات في العراق وسوريا، والحوثيين في اليمن. ومن شأن إرساء نظام حليف في طهران أن يقلب موازين القوى في الشرق الأوسط جذرياً لصالح الولايات المتحدة وحلفائها، ولا سيما إسرائيل. فضلاً عن ذلك، تنخرط طهران في تعاون وثيق مع دول مثل فنزويلا للالتفاف على العقوبات الأمريكية عبر نقل النفط وتدشين قنوات مالية بديلة.

 

ومن منظور واشنطن، تبدو المكاسب الاستراتيجية لتغيير النظام في طهران هائلة؛ إذ من شأن ذلك القضاء على التهديد النووي، وكبح دعم الجماعات المسلحة، وربما فتح احتياطيات إيران الضخمة من النفط والغاز أمام الأسواق الغربية وهي التي تمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي عالمياً. والواقع أن ترامب قد أدرج إيران ضمن سياق الأنظمة اليسارية اللاتينية عند تبرير تحركاته، مستحضراً تأميم النفط الإيراني سابقاً باعتباره تحدياً للولايات المتحدة، في سياق يماثل السياسات القومية للموارد في فنزويلا وغيرها. وتشير كافة الدلائل إلى وجود هذه الرغبة الجامحة، التي تلقى تشجيعاً من حلفاء واشنطن الإقليميين وخاصة إسرائيل؛ فقد رحبت الحكومة الإسرائيلية بالغارة الفنزويلية عادّةً إياها برهاناً على العزم الأمريكي، كما أشاد نتنياهو بـ القيادة الجريئة والتاريخية لترامب، مُعرباً عن أملٍ صريح في أن ينسحب هذا النهج المتشدد ليشمل إيران.

المحددات الاستراتيجية للتدخل الأمريكي

يتوقف إقدام الولايات المتحدة على استنساخ هذا النموذج العملياتي بجملة من المعايير والمحددات الاستراتيجية المعقدة، التي يمكن تفصيل أبعادها على النحو التالي:

 

القُرب الجغرافي والانتشار العسكري الأمريكي

يُشكّل القُرب الجغرافي من القواعد الأمريكية عاملاً حاسماً في تقييم جدوى العمليات العسكرية الخاصة. ففي الحالة الفنزويلية، حشدت الولايات المتحدة قوة بحرية ضاربة في البحر الكاريبي منذ أغسطس 2025، تجاوز قوامها 15,000 جندي، وضمت المجموعة البرمائية الجاهزة على متن السفينة “يو إس إس إيو جيما” (USS Iwo Jima (LHD-7)) مع الوحدة الاستطلاعية البحرية الثانية والعشرين، مسنودةً بغواصة نووية هجومية ومدمرات موجهة بالصواريخ. وتزامناً مع ذلك، نشرت واشنطن مقاتلات “F-35” في بورتوريكو—الأراضي الأمريكية التي تبعد مسافة قصيرة عن فنزويلا—مما ضمن لها تفوقاً جوياً كاسحاً.

 

أما فيما يخص كوبا، فإن وقوع الجزيرة على مسافة لا تتجاوز 145 كيلومتراً من ولاية فلوريدا يضعها ضمن المدى العملياتي المباشر للقدرات العسكرية الأمريكية. وتحتفظ الولايات المتحدة بقاعدة عسكرية دائمة في خليج غوانتانامو على الأراضي الكوبية منذ عام 1903، رغم اعتراضات هافانا المستمرة. ويُسهم هذا القرب الشديد في تسهيل العمليات اللوجستية والاستخباراتية، ويقلص زمن الاستجابة لنشر القوات الخاصة أو إجلائها عقب أي عملية محتملة؛ إذ إن قصر المسافة يلغي الحاجة لشبكات معقدة للتزود بالوقود أو دعم لوجستي واسع النطاق.

 

وفي المقابل، تتمتع كولومبيا بعلاقات عسكرية وثيقة مع واشنطن، تطورت عبر عقود من خلال “خطة كولومبيا” (2000) وما تلاها من خطط عمل مشتركة. ويحتفظ الجيش الأمريكي بوجود استشاري وتدريبي هناك، مستفيداً من مواقع عمليات متقدمة في المنطقة، كالقواعد الموجودة في أروبا وكوراساو. وخلافاً لفنزويلا أو كوبا، تُعد كولومبيا حليفاً تقليدياً يمتلك قوات مسلحة هي الأكثر احترافية في أمريكا اللاتينية؛ مما يجعل سيناريو العمليات العدائية ضد قيادتها أقل احتمالاً من الناحية الجيوسياسية، وإن كان لا يلغيه تماماً في ظل تصاعد التوترات.

 

وبالانتقال إلى إيران، نجد أنها تبعد آلاف الكيلومترات عن أقرب القواعد الأمريكية الكبرى. فالمسافة الفاصلة بين كوبا وإيران تناهز 12,124 كيلومتراً، ورغم احتفاظ الولايات المتحدة بوجود عسكري في الشرق الأوسط فإن المسافة من هذه النقاط إلى طهران تتراوح بين 1,000 و2,500 كيلومتر. وهذا البُعد الجغرافي يفاقم تعقيد أي عملية “اختطاف” محتملة، مستلزماً قدرات لوجستية فائقة التطور، تشمل إعادة التزود بالوقود جواً لعدة مرات، وتأمين نقاط انطلاق آمنة، ووضع خطط طوارئ معقدة للإجلاء.

 

القدرات العسكرية والدفاعية

شكلت القدرة على تحييد منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية بسرعة فائقة عاملاً حاسماً في نجاح عملية “العزم المطلق”؛ إذ عمدت القوات الأمريكية إلى توظيف قدرات الحرب الإلكترونية المتقدمة والضربات الجوية الدقيقة لشل الرادارات ومنصات الصواريخ الدفاعية، مما مهد الطريق لمروحيات قوات “دلتا” لاختراق أجواء كاراكاس. وقد أشار الرئيس ترامب صراحةً إلى هذا التفوق التقني، مؤكداً أن الدفاعات الفنزويلية باتت “خارج الخدمة فعلياً” بفضل خبرات أمريكية نوعية.

 

أما كوبا، فتعاني من هشاشة دفاعية واضحة؛ حيث تعتمد ترسانتها الجوية بشكل أساسي على إرث الحقبة السوفيتية المتهالك. وتفتقر القوات المسلحة الكوبية (FAR) إلى التحديث والصيانة اللازمة جراء العقوبات الطويلة والانهيار الاقتصادي، مما يجعلها عاجزة عن مجابهة تقنيات الجيل الخامس الأمريكية، كطائرات F-35 الشبحية أو منظومات الحرب الإلكترونية المعقدة. ومن منظور عملياتي بحت، تبدو كوبا هدفاً مكشوفاً أمام أي عملية جوية أمريكية مباغتة ومنسقة، لا سيما إذا استهدفت تعطيل قدراتها المحدودة أصلاً.

 

تواجه شبكة الدفاع الجوي الإيرانية تحديات كبيرة في التصدي للطائرات الشبحية والتكنولوجيا المتقدمة. رغم ادعاءات إيران بأن أنظمتها مثل بافار-373 وخرداد-15 قادرة على اكتشاف وتتبع الطائرات الشبحية مثل F-35 وF-22، فإن الأداء القتالي الفعلي يشير إلى محدودية هذه القدرات. تمكنت الطائرات الإسرائيلية F-35I Adir من اختراق الدفاعات الجوية الإيرانية بنجاح خلال عمليات 2024 و2025، مما يشير إلى وجود فجوة تكنولوجية كبيرة في القدرات المضادة للتخفي. يعزى هذا الضعف جزئيًا إلى اعتماد إيران على أنظمة روسية من الجيل القديم مثل S-300 التي لم تُصمم أصلاً لمواجهة الطائرات منخفضة الملاحظة بشكل فعال.

 

وفي السياق الكولومبي، ورغم متانة التحالف مع واشنطن واحترافية الجيش الذي صقلته عقود من التعاون عبر “خطة كولومبيا”، إلا أن عقيدته القتالية وتسليحه الدفاعي مصممان أساساً لمكافحة التمرد لا لصد الهجمات الجوية النظامية. ومن الناحية التقنية الصرفة، لا تشكل الدفاعات الكولومبية عائقاً يذكر أمام الآلة العسكرية الأمريكية، غير أن الحصانة هنا مستمدة من الحسابات السياسية والدبلوماسية المعقدة، لا من موازين القوى العسكرية.

 

قدرات القوات الخاصة الأمريكية

اعتمدت فرقة “دلتا فورس” في تنفيذ عملية فنزويلا على إسناد جوي نوعي من “فوج العمليات الجوية الخاصة الـ 160” (Night Stalkers)، الذي أدار مروحيات متطورة من طرازي “MH-60 Black Hawk” و”MH-47 Chinook”، المتخصصة في مهام الإقحام والإجلاء العميق داخل البيئات المعادية. وقد حظيت العملية بغطاء استخباراتي آني عبر الطائرات المسيرة والأقمار الاصطناعية، بالتوازي مع توظيف قدرات الحرب السيبرانية لعزل الهدف عملياتياً، وفرض صمت إلكتروني عبر التشويش على منظومات الاتصال في المحيط المستهدف.

 

وعلى صعيد التجهيز القتالي، تسلح عناصر النخبة بمنظومات فردية فائقة التطور، شملت بنادق الهجوم “HK416” المزودة بكواتم للصوت، وتقنيات رؤية ليلية متقدمة من طرازي “AN/PVS-31″ و”L-3 GPNVG-18” التي تتيح مجال رؤية بانورامياً واسعاً، فضلاً عن أجهزة اتصال مشفرة ومعدات رصد إلكتروني محمولة.

 

وفي حين يظل استنساخ مثل هذه العمليات الخاطفة في مسارح قريبة ككوبا أو كولومبيا أمراً متاحاً عملياتياً، نظراً للقرب الجغرافي ومرونة انطلاق القوات من قواعد مجاورة؛ فإن السيناريو الإيراني يفرض تحديات لوجستية مغايرة تماماً. إذ يُحتم البعد الجغرافي الشاسع تأمين شبكة إسناد بالغة التعقيد، تستدعي بالضرورة الاعتماد على قواعد انطلاق إقليمية، وهو ما يرهن العملية بموافقات سياسية من دول مضيفة كالعراق أو دول أخري، مما يرفع بشكل حاد من مخاطر انكشاف السرية العملياتية (OPSEC) وفشل المهمة. علاوة على ذلك، فإن طول مسار الانسحاب يطيل أمد انكشاف القوات للمخاطر الجوية، وهو ما قد يشكل ثغرة قاتلة حال نجاح القوات الإيرانية في تنظيم رد فعل دفاعي سريع.

 

الاختراق الاستخباراتي والأمن الداخلي

شكل الاختراق الاستخباراتي العميق حجر الزاوية في نجاح العملية الفنزويلية؛ إذ ارتكزت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) على مصدر رفيع المستوى داخل الدائرة الضيقة للحكم، مما مكّنها من بناء “بنك أهداف” دقيق لرصد تحركات مادورو وعاداته اليومية على مدار أشهر. ولم يكن هذا النجاح وليد اللحظة، بل نتاج مساعٍ حثيثة سابقة، شملت محاولات لتجنيد الطيار الشخصي للرئيس الفنزويلي لتحويل مسار طائرته. إن هذا النمط من العمليات النوعية يستلزم سنوات من التأسيس لشبكات بشرية (HUMINT) معقدة داخل أروقة النظام المستهدف.

 

أما في الحالة الكوبية، فتشكل وزارة الداخلية (MININT) والقوات المسلحة الثورية (FAR) قلاعاً أمنية حصينة، بُنيت عقيدتها على الولاء المطلق لعائلة كاسترو، وصُقلت خبراتها على يد أجهزة استخبارات الكتلة الشرقية سابقاً (“الستازي” و”الكي جي بي”). وتعتمد هافانا على منظومة رقابة مجتمعية فعالة عبر لجان الدفاع عن الثورة (CDRs)، مما يخلق بيئة معادية لأي نشاط استخباراتي أجنبي. وقد ساهمت “قضية الجنرال أوتشوا” عام 1989 في إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية لتعزيز قبضة راؤول كاسترو المركزية. هذا الانغلاق الهيكلي، مضافاً إليه الذاكرة التاريخية المثقلة بمحاولات الاغتيال وغزو “خليج الخنازير”، جعل من الهاجس الأمني عقيدة راسخة، مما يُعقّد مهام الاختراق الأمريكي إلى حد كبير.

 

وفي المشهد الكولومبي، يواجه الرئيس بيترو تحديات أمنية ذات طابع محلي صرف، نابعة من فصائل مسلحة وعصابات الجريمة المنظمة، حيث رُصدت عشرات التهديدات لحياته. ومع ذلك، فإن المؤسسة العسكرية الكولومبية، المكلفة بحمايته، تتميز باحترافية عالية وترتبط بعلاقات عضوية وتدريبية مع البنتاغون. وهذا يعني أن أي سيناريو لاستهداف بيترو أمريكياً سيتطلب حدوث “خيانة عظمى” من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وهو احتمال يظل ضئيلاً مقارنة بفرضية الاختراق الخارجي.

 

وعلى النقيض تماماً، تمتلك إيران منظومة أمنية تُعد من بين الأكثر تعقيداً وانغلاقاً عالمياً. إذ يتولى الحرس الثوري (IRGC) حماية رأس الهرم السياسي عبر فيلق “حماية ولي الأمر”، وهي وحدة نخبوية تعمل بسرية مطلقة. وقد طورت طهران بروتوكولات حماية صارمة تشمل المسح الحراري والتدقيق الأمني المكثف، خاصة بعد الهزات الأمنية الأخيرة التي أدت لإقالة رئيس جهاز استخبارات الحرس “حسين طائب” عام 2021. ومع تواتر الأنباء في يونيو 2025 عن نقل المرشد الأعلى إلى ملاذ سري محصن (Bunker) حتى عن علم قيادات الحرس الثوري، يتضح أن النظام الإيراني قد شيّد جداراً من “الشك الاستراتيجي” تجاه الخارج منذ عام 1979. هذا السياج الأمني المنيع يجعل مهمة الاستخبارات الأمريكية في الحصول على معلومات آنية (Real-time Intel) حول موقع القيادة العليا ضرباً من المستحيل العملياتي.

 

الولاء المؤسسي وقوة الأجهزة الأمنية

يُشكّل الولاء المؤسسي للمنظومات الأمنية والعسكرية حجر الزاوية في مناعة أي نظام سياسي أمام التهديدات الخارجية. ففي الحالة الفنزويلية، ورغم السياج الأمني الكثيف المحيط بمادورو، إلا أن بنية الولاء تعرضت للتآكل التدريجي تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، والعقوبات، والتصدعات الداخلية. وقد تجلى ذلك في العروض الأمريكية “السخية للغاية” التي قُدمت لمادورو للتنحي، وفقاً لتصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، مما يعكس استراتيجية هدفت إلى توظيف الضغط الدبلوماسي والاقتصادي لفك عرى الولاء من حوله.

 

أما في النموذج الكوبي، فقد تأسست القوات المسلحة الثورية (FAR) على عقيدة الولاء المطلق للقيادة التاريخية (فيدل ثم راؤول كاسترو) منذ عام 1959، لتغدو المؤسسة المركزية المهيمنة، متجاوزة في نفوذها الحزب الشيوعي ذاته. وتهيمن قيادة عسكرية موحدة ومخلصة—ممثلة في وزير الدفاع الجنرال ألفارو لوبيز ميرا ووزير الداخلية الجنرال لازارو ألفاريز كاساس—على مفاصل الدولة، مستفيدة من امتيازات اقتصادية ضخمة عبر تكتل “جايسا” (GAESA). لقد أفرز هذا النموذج “أرستقراطية اشتراكية” ترتبط مصلحتها الوجودية ببقاء النظام، مما يُحصّنه ضد انقلابات القصر أو الخيانات الداخلية. ويُعزز ذلك لحمة عقائدية صُهرت في أتون حروب العصابات والتدخلات في إفريقيا، مما يجعل المؤسسة الأمنية الكوبية أكثر تماسكاً وانضباطاً واستعصاءً على الاختراق مقارنة بنظيرتها الفنزويلية.

 

وفي المشهد الكولومبي، تتسم المؤسسة العسكرية بالاحترافية والاستقلالية النسبية عن السلطة السياسية، محكومة بمعادلة تاريخية (منذ 1957) تضمن لها “الاستقلال الذاتي الأمني مقابل عدم التدخل السياسي”. وقد أنتج هذا التوافق جيشاً محترفاً، بيد أن عقيدته القتالية تتمحور حول “الحرب على المخدرات” والأمن الداخلي، لا الدفاع التقليدي ضد قوى خارجية كبرى. ورغم محاولات الرئيس اليساري غوستافو بيترو إعادة تشكيل القيادة العسكرية (تعيين وزير دفاع حقوقي وقيادات نسائية)، إلا أنه يواجه فجوة ثقة مع الجنرالات التقليديين. وهنا، يظل الولاء المؤسسي معقوداً للدستور والمؤسسة ذاتها، لا لشخص الرئيس، مما يخلق تعقيدات جمة أمام أي سيناريو أمريكي يستهدف استمالة الجيش ضد القيادة السياسية.

 

وتمثل إيران نموذجاً مغايراً جذرياً؛ إذ لا يقتصر دور الحرس الثوري (IRGC) على الوظيفة العسكرية، بل يشكل إمبراطورية سياسية واقتصادية تدين بالولاء المباشر للمرشد الأعلى. تأسس الحرس كقوة عقائدية موازية لحماية “النظام الإسلامي”، ويمتلك أذرعاً عسكرية واستخباراتية متكاملة، فضلاً عن “فيلق القدس” لإدارة النفوذ الإقليمي. وتتسم العلاقة بين الحرس والمرشد بـ “التكافل الوجودي”؛ فالمرشد يستند إليهم لفرض السلطة، وهم يستمدون شرعيتهم ونفوذهم منه. ومع تغلغل ضباط الحرس في مفاصل الدولة الإدارية والاقتصادية، والفرز الأيديولوجي الصارم القائم على عقيدة “ولاية الفقيه”، تغدو طهران محصنة بجدار سميك من الولاء العقائدي والمؤسسي، مما يجعل اختراقها استخباراتياً أو زعزعة استقرارها من الداخل مهمة بالغة التعقيد وشبه مستحيلة.

 

ردود الفعل الدولية

فجّرت العملية الفنزويلية عاصفة من الجدل القانوني والإدانات الدولية، مُعيدةً طرح إشكاليات جوهرية حول انتهاك السيادة الوطنية وخرق ميثاق الأمم المتحدة لا سيما المادة 2/4 التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة الدول. فعلى مستوى القوى الكبرى، نددت بكين بما وصفته بـ “الأعمال الهيمنية”، فيما اعتبرت موسكو العملية “عدواناً مسلحاً”، ووصفتها طهران بأنها خرق للمبادئ الأساسية للقانون الدولي. وإقليمياً، شكّلت ردود الفعل جبهة رفض موحدة؛ إذ حذر الرئيس الكولومبي بيترو من “اعتداء على السيادة اللاتينية”، ورأى البرازيلي لولا دا سيلفا في الحدث “سابقة خطيرة”، بينما وصفه الرئيس الكوبي دياز-كانيل بـ “إرهاب الدولة”.

 

وفي إسقاط هذه التداعيات على الحالة الكوبية، نجد أن النظام في هافانا يرزح أصلاً تحت وطأة عزلة دولية مزمنة وعقوبات أمريكية ممتدة. ورغم أن أي استهداف لكوبا سيترتب عليه إدانات لاتينية وأوروبية، إلا أن التداعيات العملية ستكون محدودة نظراً لعزلة الجزيرة الاقتصادية، حيث يكمن الخطر الأكبر في انهيار إمدادات الطاقة الفنزويلية، ما قد يُعجل بانهيار اقتصادي شامل. أما السيناريو الكولومبي فيحمل نذر “زلزال جيوسياسي” في العلاقات الأمريكية-اللاتينية؛ فكولومبيا حليف استراتيجي وعضو في منظمة الدول الأمريكية (OAS). وأي استهداف للرئيس بيترو سيفسر كتدخل سافر في شؤون “حليف ديمقراطي”، مما يقوض الثقة في الشراكات الأمنية الأمريكية إقليمياً، ويستدعي ردود فعل تتجاوز الإدانة اللفظية إلى تصدع التحالفات التقليدية.

 

وتبدو الحالة الإيرانية الأكثر تعقيداً وخطورة؛ فإيران -رغم العقوبات- تحتفظ بعمق استراتيجي مع قوى كالصين وروسيا. وأي عملية تستهدف المرشد الأعلى لن تقف عند حدود الإدانة الدبلوماسية، بل ستشعل فتيل تصعيد عسكري شامل. فشبكة الوكلاء الإقليميين من الحوثيين إلى الفصائل العراقية جاهزة لتفعيل ردود انتقامية واسعة النطاق ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية وقد يصل الأمر إلى تعطيل الملاحة في الخليج العربي عبر إغلاق مضيق هرمز وهي الورقة التي لطالما تستخدمها إيران في حال حدوث أي تهديدات. علاوة على ذلك، قد يدفع هذا السيناريو بكين وموسكو نحو مواقف أكثر عدائية، مما يربط أزمة الشرق الأوسط بملفات أوكرانيا وتايوان، ويُنذر بتدويل الصراع واستدعاء مجلس الأمن لجلسات طارئة تحت طائلة تهديد السلم والأمن الدوليين.

 

التكلفة السياسية الداخلية والإرادة السياسية

أثارت عملية فنزويلا جدلاً داخلياً واسعاً في الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب تنفيذها دون موافقة الكونغرس وما ترتب عليها من اتهامات بـ “بدء حرب غير ضرورية أخرى”، بل لأنها عكست توظيفاً انتخابياً لسياسة تغيير النظام في سياق صراعات داخلية قبل الانتخابات النصفية، ولا سيما في فلوريدا حيث يتقاطع ضغط الجاليات اللاتينية مع تنافس الأجنحة الجمهورية حول مدى التدخل في أمريكا اللاتينية. هذا التسييس للملف الفنزويلي عمّق الانقسام بين من يرون في توسيع صلاحيات الاستخبارات والوجود العسكري في محيط فنزويلا أداة ضغط مشروعة، وبين من يحذرون من انزلاق غير محسوب نحو نمط تدخلات الحرب الباردة بتكاليف إنسانية وإستراتيجية مرتفعة على المدى البعيد.

 

تستند الإدارة الأمريكية في تبرير مثل هذه العمليات إلى تفسير قانوني يعود لعام 1989، يفيد بأن وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي يمكنهما دخول دول أجنبية واعتقال أي شخص متهم بانتهاك القوانين الأمريكية، حتى لو تعارض ذلك مع القانون الدولي والمعاهدات، غير أن هذا التفسير يظل محل نزاع حاد من خبراء القانون الدولي الذين يعتبرون هذه الممارسات انتهاكاً مباشراً لمبدأ السيادة الوطنية. إن تكرار نموذج فنزويلا في حالات أخرى يتطلب إرادة سياسية عالية واستعداداً لتحمل كلفة دبلوماسية وسياسية وعسكرية ضخمة، وخاصة في بيئة دولية حساسة لأي مظهر من مظاهر تغيير الأنظمة من الخارج.

 

في حالة كوبا، ورغم التاريخ الطويل من العداء والحصار الاقتصادي، فإنها لم تعد تمثل تهديداً استراتيجياً حرجاً كما كانت إبان الحرب الباردة، ما يجعل أي عملية تستهدف قيادتها بحاجة إلى تبرير استثنائي، مثل اتهامات موثوقة بالإرهاب أو تهريب المخدرات، وهي معايير يصعب تثبيتها مقارنة بالسردية المستخدمة تجاه فنزويلا. ومع ضعف وجود تهديد مباشر وواضح للأمن القومي الأمريكي، تصبح الكلفة السياسية والدبلوماسية لمثل هذه العملية مرجحة لتجاوز مكاسبها، خاصة في ضوء الحساسية المتزايدة إزاء أي تدخل يذكّر بحملات تغيير الأنظمة في القارة اللاتينية.

 

أما في كولومبيا، فستكون أي عملية أمريكية ضد رئيسها بمثابة صدمة دبلوماسية وسياسية، لأن الدولة تُعامل كحليف رئيسي في مكافحة المخدرات والتطرف، وليس كخصم أو نظام معادٍ. ورغم انتقاد الرئيس بيترو للعملية في فنزويلا واعتبارها انتهاكاً لمبادئ الأمم المتحدة، فإن البنية المؤسسية والعسكرية للعلاقات بين واشنطن وبوغوتا لا تزال قوية، ما يجعل أي استهداف مباشر لقيادة كولومبيا يُفهم على أنه انقلاب مدعوم خارجياً ضد حكومة منتخبة ديمقراطياً، الأمر الذي سيقوّض صورة الولايات المتحدة وصدقيتها في العالم وفي المنطقة على حد سواء.

 

تشكل إيران حالة مختلفة تماماً بحكم العداء المتجذّر منذ الثورة الإسلامية واحتجاز الرهائن، ووجودها على قائمة الدول الراعية للإرهاب، إضافة إلى العقوبات الواسعة على خلفية برنامجها النووي ودعمها لجماعات مسلحة في المنطقة. غير أن أي عملية عسكرية مباشرة تستهدف القيادة الإيرانية أو المرشد الأعلى ستُعد إعلان حرب فعلياً، وقد تفجّر نزاعاً إقليمياً واسعاً يمتد ليشمل إسرائيل ودول الخليج ولبنان والعراق وسوريا واليمن، مع ما يعنيه ذلك من تهديد هائل للأرواح الأمريكية والمصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. فضلاً عن ذلك، قد لا يؤدي اغتيال أو اختطاف المرشد إلى انهيار النظام، بل ربما يقوّي موقف المتشددين ويدفع نحو مزيد من التصعيد، ما يفرض على أي إدارة أمريكية أن تزن بعناية ما إذا كانت الفوائد المحتملة لإزالة القيادة الإيرانية، في ضوء تجربة فنزويلا وما كشفته من كلفة سياسية داخلية وخارجية، تفوق المخاطر البنيوية المترتبة على خيار من هذا النوع.

 

الإطار القانوني والدستوري: بين التخريج المحلي والخرق الدولي

تأسست الاستراتيجية القانونية للرئيس ترامب على حزمة معقدة من المسوغات المحلية المتداخلة؛ استُهلت بلائحة الاتهام الفيدرالية (المُحدّثة لعام 2025) التي تدمغ مادورو بـ “إرهاب المخدرات” والتواطؤ مع منظمات إرهابية. وقد عُززت هذه اللائحة بـ “مذكرة بار” لعام 1989، التي تمنح الرئيس سلطة توجيه مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لتنفيذ اعتقالات عابرة للحدود (Extraterritorial)، متجاوزةً القانون الدولي العرفي. واستندت الإدارة أيضاً إلى المادة الثانية من الدستور، مستحضرةً صلاحيات “القائد الأعلى” وواجب حماية الموظفين الأمريكيين.

 

ومن الناحية القضائية، تم استدعاء عقيدة “كير-فريسبي” (Ker-Frisbie Doctrine) الراسخة منذ 1886، والتي تقضي باحتفاظ المحاكم الأمريكية بولايتها القضائية (Jurisdiction) لمحاكمة المتهمين بغض النظر عن شرعية طريقة اعتقالهم. وتوّجت هذه المنظومة باستراتيجية “إعادة التأطير”؛ حيث نُزعت الصفة السياسية عن مادورو ليُعامل كـ “زعيم منظمة إجرامية” لا كرئيس دولة، وصُورت العملية كإجراء “إنفاذ للقانون” لا كعمل عسكري، تحاشياً لاستصدار تفويض من الكونغرس. ورغم أن هذه التخريجات توفر غطاءً محلياً، إلا أنها تصطدم صراحةً بأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/4) التي تُحرم المساس بالسيادة الإقليمية.

 

وعند إسقاط هذا “النموذج القانوني” على ساحات أخرى، تبرز عقبات جوهرية. ففي الحالة الكوبية، تنحصر الاتهامات في الملف الحقوقي والقمع السياسي، وهي ذرائع لا ترقى -بموجب القانون الأمريكي- لتبرير عمليات اختطاف سيادي. أما كولومبيا، فتخلو ساحتها من أي اتهامات جنائية فيدرالية، وأي محاولة لافتعال ملفات قضائية ستتحطم على صخرة الرفض الدبلوماسي والدولي. وتبقى الحالة الإيرانية الأكثر تعقيداً؛ فرغم تصنيف واشنطن لطهران كـ “دولة راعية للإرهاب”، إلا أن المرشد الأعلى لا يواجه لائحة اتهام جنائية شخصية (Indictment) في المحاكم الأمريكية تضاهي وضعية مادورو. وهذه “الفجوة القانونية” بين تجريم الدولة وعدم تجريم رأس الهرم شخصياً، تشكل عائقاً إجرائياً أمام استنساخ الذريعة القانونية الفنزويلية بحذافيرها.

 

ختاماً، لا يُعد النجاح العملياتي في فنزويلا صك ضمان لإمكانية استنساخ السيناريو ذاته بيسر في سياقات أخرى؛ إذ تظل كل حالة رهينة معادلاتها الجغرافية والسياسية المعقدة. ففي حين يمنح التفوق العسكري والقرب الجغرافي واشنطن أفضلية حاسمة في فنائها الخلفي، مما يجعل من أنظمة متهالكة اقتصاديًا ومعزولة سياسيًا في كوبا ونيكاراغوا أهدافًا سانحة لاستعادة الهيمنة وتصفية النفوذ الشرقي تحت ذرائع حماية الديمقراطية ومكافحة المخدرات، إلا أن هذه التحركات تظل محفوفة بمحاذير قانونية ومخاطر إثارة ردود فعل إقليمية مناوئة، مما يفرض على الإدارة الأمريكية انتهاج سياسة حذرة تمزج بين القوة الصلبة وبناء التحالفات اليمينية لإعادة هندسة المنطقة. وعلى طرف نقيض، تمثل الحالة الإيرانية معضلة استراتيجية ذات أبعاد عالمية؛ فرغم أن سابقة مادورو قد كسرت حاجز المحرمات الدولية وأغرت واشنطن وتل أبيب بفرصة توجيه ضربة قاصمة، إلا أن تعقيدات المشهد الإيراني واحتمالات الانزلاق نحو حرب شاملة تجعل من خيار الخنق عبر العقوبات والاستنزاف البديل الأكثر ترجيحًا عن التدخل المباشر. وعليه، فإن الولايات المتحدة تمارس اليوم لعبة توازن دقيقة على حافة الهاوية؛ تسعى من خلالها لردع الخصوم وطمأنة الحلفاء دون التورط في مستنقعات جديدة تعيد إنتاج فوضى ما بعد 2003، مدركةً أن فاتورة تغيير الأنظمة غالبًا ما تكون باهظة ومفتوحة على مآلات دموية غير محسوبة.

المراجع

Anand, Akriti. “How China, UK, Russia, Other Countries Reacted to US Bombing of Venezuela: ‘We Shed No Tears….’” Mint, January 4, 2026. https://www.livemint.com/news/world/venezuela-us-bombing-how-china-uk-russia-india-pakistan-iran-france-react-we-shed-no-tears-president-nicolas-maduro-11767402429612.html.

 

Breen, Kerry, and Haley Ott. “Global Reaction to U.S. Strikes on Venezuela Includes Condemnation, Concern for Foreign Nationals.” CBS News, January 5, 2026. https://www.cbsnews.com/news/us-strikes-venezeula-trump-maduro-international-reaction/.

 

Desk, Global. “Ali Khamenei Reportedly in a Bunker in Lavizan — Details Emerge About Where Iran’s Supreme Leader Is Hidin.” The Economic Times. June 16, 2025. https://economictimes.indiatimes.com/news/international/us/ali-khamenei-reportedly-in-a-bunker-in-lavizan-details-emerge-about-where-irans-supreme-leader-is-hiding-iran-news/articleshow/121885551.cms?from=mdr.

 

IranWire. “The IRGC Security and Intelligence Agencies.” April 9, 2019. https://iranwire.com/en/features/65742/.

 

Knowles, Hannah. “How Trump’s foreign intervention could shake up the midterm elections.” The Washington Post. January 4, 2026. https://www.washingtonpost.com/politics/2026/01/04/trump-venezuela-midterms-regime-change/.

 

Mascaro, Lisa, Joshua Goodman, and Ben Finley. “US Capture of Maduro Raises New Legal Questions.” AP News, January 3, 2026. Accessed January 5, 2026. https://apnews.com/article/legal-questions-maduro-trump-venezuela-capture-congress-7c686106ae7ffc759e5a1726e1b85576.

 

McKelvie, Geraldine. “Is There Any Legal Justification for the US Attack on Venezuela?” The Guardian, January 5, 2026. https://www.theguardian.com/world/2026/jan/03/is-there-any-legal-justification-for-the-us-attack-on-venezuela-trump-maduro?utm_source=chatgpt.com.

 

McMahon, Raphael. “Cuba Prepares for Possible American Aggression in the Wake of Maduro’s Capture – Latin America Reports.” Latin America Reports, January 4, 2026. Accessed January 4, 2026. https://latinamericareports.com/cuba-prepares-for-possible-american-aggression-in-the-wake-of-maduros-capture/13244/.

 

Newdick, Thomas. “Status of Venezuela’s Air Defense Capabilities.” The War Zone, October 3, 2025. https://www.twz.com/air/status-of-venezuelas-air-defense-capabilities.

 

PRICE, MICHELLE L., and MEG KINNARD. “How The US Captured Venezuelan Leader Nicolás Maduro | AP News.” AP News, January 3, 2026. Accessed January 6, 2026. https://apnews.com/article/trump-maduro-venezuela-presidential-palace-blowtorches-7969152ae48510003fe9cbde92f3c102.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *