شهد شهر ديسمبر من عام 2025 تحولًا هيكليًا في ميزان القوى التكنولوجي العالمي، إذ صادق ائتلاف صناعي مدعوم من الدولة الصينية – وتُنسق أعماله شركة "هواوي" – على تشغيل نموذج أولي وظيفي لنظام الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) في منشأة بمدينة شينزين. يُسقط هذا الإعلان الفرضية الأساسية التي هيمنت على الدوائر الجيوسياسية في واشنطن وبروكسل وطوكيو طوال العقد الماضي، والتي راهنت على أن التعقيد الهندسي المفرط لهذه التقنية سيُبقي الصين معزولةً دائمًا خلف حاجز تقني يمنعها من تجاوز دقة تصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة بمعمارية 7 نانومتر.
استندت استراتيجيات الاحتواء الغربية إلى قناعة راسخة بأن احتكار سلاسل التوريد المعقدة لشركة "ASML" الهولندية سيضمن إقصاء الاقتصاد الثاني عالميًا عن إنتاج الرقائق المتقدمة اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. بيد أن النموذج الصيني الجديد أبطل هذه الحتمية، لا عبر محاكاة الهندسة الغربية، بل بانتهاج مسار فيزيائي وهندسي مغاير فرضته ضرورات السيادة الوطنية ووفرته الموارد الرأسمالية الحكومية غير المحدودة.
يُثبت هذا النموذج الأولي، الذي يعتمد تقنية "تفريغ البلازما المُحفز بالليزر" (LDP)، تمكّن الكوادر الصينية من المبادئ الفيزيائية الأساسية للتحكم الضوئي عند طول موجي 13.5 نانومتر، مُتجاوزين بذلك مرحلة "الاستحالة العلمية" لينتقل الصراع الآن إلى مرحلة "التوسع الهندسي" والجدوى التشغيلية. يؤسس هذا الحدث لنهاية حقبة القطبية التكنولوجية الواحدة، ويُدشن عصرًا جديدًا من النظم البيئية المزدوجة في صناعة أشباه الموصلات، وهو ما سيستوجب إعادة تقييم شاملة للمسلمات الاقتصادية والأمنية التي حكمت هذا القطاع لعقود.
لفهم الأبعاد الاستراتيجية لهذا الاختراق، يتحتم تحليل التعقيد الفيزيائي للتقنية التي خضعت للحظر، إذ لا يُعَد الانتقال إلى الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) مجرد تحديث تدريجي لأدوات التصنيع السابقة، بل يُشكل قطيعة جذرية مع النظم البصرية التقليدية. اعتمدت صناعة أشباه الموصلات لعقود على الأشعة فوق البنفسجية العميقة (DUV) بطول موجي يبلغ 193 نانومتر، حيث تمكن المهندسون من تمديد صلاحية هذه التقنية عبر حلول التفافية مثل “الطباعة المغمورة” و”الزخرفة المتعددة” للوصول إلى دقة تصنيع 5 نانومتر، رغم ما رافق ذلك من ارتفاع أسي في التكلفة ومعدلات الخطأ. بيد أن متطلبات تصنيع ترانزستورات بدقة 3 نانومتر وما دونها، اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، فرضت حتمية استخدام طول موجي أقصر يبلغ 13.5 نانومتر.
يفرض التعامل مع هذا الطول الموجي تحديات فيزيائية وهندسية غير مسبوقة؛ إذ تُصنف هذه الأشعة كإشعاع مؤين تمتصه كافة المواد تقريبًا، بما في ذلك الهواء والزجاج البصري التقليدي. يقتضي ذلك إجراء عملية الطباعة بأكملها داخل غرف مفرغة تمامًا من الهواء، واستبدال العدسات الانكسارية بمرايا فائقة الدقة متعددة الطبقات، قادرة على توجيه الضوء بدقة متناهية. وقد رسخت شركة ASML الهولندية معيارًا صناعيًا عالميًا لهذه العملية يعتمد على سلسلة توريد شديدة التخصص والتعقيد، حيث يتم توليد الضوء عبر قصف قطرات من القصدير المنصهر بأشعة الليزر بسرعة 50,000 مرة في الثانية لتحويلها إلى بلازما تشع فوتونات بالطول الموجي المطلوب.
استندت الاستراتيجية الجيوسياسية الغربية إلى فرضية مفادها أن استنساخ هذه المنظومة التقنية – التي تتضافر فيها المكونات البصرية الألمانية ومصادر الليزر الأمريكية – يُعد أمرًا مستحيلاً على أي دولة تعمل بمعزل عن سلسلة التوريد العالمية. افترض صانعو القرار في واشنطن أن التعقيد الهيكلي لهذه التكنولوجيا يمثل بحد ذاته حاجزًا دفاعيًا لا يمكن تجاوزه، مما يضمن سقفًا تقنيًا دائمًا للصناعة الصينية. إلا أن الإعلان عن النموذج الصيني في شينزين أثبت قصور هذه الرؤية، حيث أغفلت التقديرات الغربية قدرة الاقتصاد الموجه حكوميًا على تحمل درجات عالية من عدم الكفاءة الاقتصادية لتحقيق أهداف استراتيجية، فضلاً عن إمكانية الوصول إلى النتائج ذاتها عبر مسارات فيزيائية بديلة.
لم يقتصر الإعلان عن نموذج شينزين الأولي في ديسمبر 2025 على إثبات الجدوى الفيزيائية فحسب، بل كشف عن تبني الدولة الصينية لمنهجية تنظيمية وتمويلية مغايرة تمامًا لنماذج البحث والتطوير الغربية القائمة على آليات السوق. حيث اضطلعت “لجنة العلوم والتكنولوجيا المركزية” بالإشراف المباشر على هذا المشروع، مُسندةً الجانب التشغيلي إلى شركة “هواوي” التي عملت كمُدمج للنظام عبر مبادرتها الداخلية المعروفة بـ “SiCarrier”، مما أتاح تجاوز العزلة التقليدية بين قطاعات البحث والتصنيع. وقد استلزم هذا الجهد تعبئة رؤوس أموال ضخمة عبر “المرحلة الثالثة من الصندوق الوطني للاستثمار في صناعة الدوائر المتكاملة” (Big Fund III)، الذي رصد ما يربو على 47 مليار دولار لاستهداف الاختناقات في المعدات، مُعطيًا الأولوية لتحقيق السيادة التكنولوجية على حساب العوائد الاستثمارية قصيرة الأجل.
وقد تجلت الحكمة الاستراتيجية لهذا المشروع في الخيارات التقنية التي اعتمدها المهندسون الصينيون لتجاوز حواجز الملكية الفكرية وسلاسل التوريد المحظورة. فبدلاً من محاكاة تقنية “بلازما الليزر المُنتجة” (LPP) التي تعتمدها شركة ASML وتتطلب ليزرات ثاني أكسيد الكربون المعقدة والخاضعة للسيطرة الأمريكية، اتجه النموذج الصيني نحو تقنية “تفريغ البلازما المحفز بالليزر” (LDP). يعتمد هذا الخيار على التفريغ الكهربائي عالي الجهد لتوليد البلازما، مستفيدًا من الخبرات المحلية في الهندسة الكهربائية، ومُتجنبًا بذلك الاعتماد على المكونات الغربية المحظورة.
يفرض هذا الخيار التقني تنازلات ملموسة في كفاءة التشغيل؛ إذ تنخفض طاقة الخرج في النظام الصيني إلى ما بين 100 و150 واط مقارنة بالنظم الغربية، مما يقلص الإنتاجية إلى حوالي 40-60 رقاقة في الساعة، فضلاً عن تحديات التعامل مع المخلفات الناتجة عن عملية التفريغ. ومع ذلك، يُعد هذا الانخفاض في الكفاءة الاقتصادية مقبولاً في سياق المسابك المدعومة من الدولة التي تهدف لخدمة القطاعات الاستراتيجية والعسكرية، حيث تعلو قيمة “وجود الرقاقة” على “تكلفتها الحدية”.
تكاملت هذه المنظومة مع جهود “معهد تشانغتشون للبصريات” (CIOMP) الذي طور نظامًا بصريًا يعتمد على مرايا الموليبدينوم-سيليكون (Mo/Si) بنسبة انعكاس بلغت 65%. ولتعويض الفاقد الضوئي الناتج عن انخفاض الانعكاسية مقارنة بالمعايير الغربية، من ثم لجأ النظام إلى زيادة أزمنة التعريض الضوئي. وتشير التحليلات التقنية إلى أن الماكينة النهائية تمثل نظامًا هجينًا يجمع بين الابتكارات المحلية في مصادر الضوء والبصريات، وبين مكونات أُعيد تأهيلها من ماكينات قديمة، وأجزاء ثانوية من معدات غير خاضعة للعقوبات، مما أتاح للصين تجاوز عقبة البدء من الصفر عبر دمج الموارد المتاحة كافة في بنية وظيفية واحدة.
ولتوضيح الفروقات الجوهرية بين المسارين التقنيين، يستعرض الجدول التالي مقارنة تحليلية دقيقة بين المعيار الغربي السائد والابتكار الصيني المستحدث، مُبرزًا التباين في آليات العمل والآثار الاستراتيجية المترتبة على كل منهما:
يُبرز هذا التحليل المقارن الطبيعة “اللاتماثلية” للاستراتيجية الصينية؛ إذ لم تسعَ بكين لمنافسة الكفاءة التشغيلية الغربية في المدى المنظور، بل آثرت التضحية بمعدلات الإنتاجية ونقاء التشغيل مقابل تحقيق الاستقلال عن التكنولوجيا الأمريكية. يُشير الاعتماد على تقنية LDP إلى تحول جوهري من منطق “الجدوى الاقتصادية” – الذي يحكم المصانع التجارية مثل TSMC – إلى منطق “الضرورة الاستراتيجية” الذي يحكم الصناعات الدفاعية والسيادية، حيث يُصبح مجرد امتلاك القدرة على الإنتاج، وإن بتكلفة أعلى، هو المعيار الحاكم للنجاح.
برغم التفكيك البنيوي للأبعاد التقنية في الجزء السابق، إلا أن المتغير الحاسم الذي رجح كفة هذا الإنجاز، هو “العنصر البشري”. وذلك ارتكازًا على فرضية مفادها أن التكنولوجيا المتقدمة لا تتجسد حصراً في المخططات الهندسية أو الآلات المادية التي يمكن حظر تصديرها، بل تستوطن في المقام الأول عقول المهندسين والخبرات التراكمية للقوى العاملة المتخصصة، إذ أثبتت الاستراتيجية الصينية أن القيود الجمركية والحظر التقني قد ينجحان في إيقاف تدفق المعدات عبر الحدود، لكنهما يعجزان عن احتواء حركة العقول ورأس المال البشري.
حيث انتهجت الإدارة المشرفة على المشروع سياسة توظيف عدائية استهدفت استقطاب الكفاءات الهندسية المخضرمة من الشركات المحتكرة للتقنية، مثل ASML الهولندية وشركتي نيكون وكانون اليابانيتين. تضمنت هذه السياسة تقديم حوافز مالية ضخمة تجاوزت المعايير الغربية بمراحل، حيث تراوحت مكافآت التوقيع وحدها ما بين 420,000 و700,000 دولار أمريكي، مصحوبة بمنح بحثية وامتيازات سكنية سخية. تهدف هذه المغريات إلى التعويض عن المخاطر المهنية والقانونية التي قد تواجه هؤلاء الخبراء، وتُشير بوضوح إلى أن الصين تعاملت مع استقطاب العقول كأولوية أمن قومي تسبق الاعتبارات الاقتصادية التقليدية.
تكتسب هذه التحركات أهميتها القصوى عند النظر إلى طبيعة المعرفة في صناعة الطباعة الحجرية؛ فهي معرفة تتسم بكونها “ضمنية” (Tacit Knowledge) لا يمكن تدوينها بالكامل في براءات الاختراع أو الوثائق الفنية، بل تعتمد على الحدس الهندسي المكتسب من سنوات التجربة والخطأ في ضبط النظم المعقدة. وفي هذا السياق يُعد “لين نان”، المسؤول السابق عن تقنية مصدر الضوء في ASML، نموذجاً لهذه الظاهرة، إذ قاد فريقه في معهد شنغهاي للبصريات لتسجيل ثماني براءات اختراع محورية في غضون ثمانية عشر شهراً فقط، مما يدل على حدوث نقل هائل لهذه المعرفة الضمنية. ولحماية هذه الأصول البشرية من الملاحقات القانونية أو الرصد الاستخباراتي الغربي، لجأت السلطات الصينية إلى بروتوكولات أمنية مشددة شملت استخدام أسماء مستعارة وهويات بديلة للخبراء الأجانب العاملين في منشآت شينزين.
تكاملت هذه الخبرات البشرية المستوردة مع التوجهات الحديثة في توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الفيزياء (Compute-for-Physics)، حيث طبق المهندسون منهجيات محاكاة متقدمة للتعويض عن القصور في العتاد المادي. ففي حين قد تفتقر المرايا المنتجة محلياً إلى الدقة المطلقة التي توفرها نظيرتها الألمانية، يقوم البرنامج بتعديل موضع منصة الرقاقة ومصدر الضوء آنياً لتصحيح الانحرافات البصرية، بما يُشير إلى تحول جذري يُعرف “بالتصنيع المعرف بالبرمجيات” ينضبط بقدرة الكادر البشري على تطويع الموارد المتاحة وتحقيق الكفاءة التشغيلية عبر الحلول الحسابية، مما يقلل من الاعتماد الحصري على دقة التصنيع الميكانيكي.
استكمالاً لتحليل البنية التقنية والبشرية لهذا التحول، يقتضي الفهم العميق للاستراتيجية الصينية النظرَ إليها كمنظومة متعددة المسارات لا ترتهن لرهان تقني وحيد. فبينما يمثل نموذج شينزين القائم على تقنية “تفريغ البلازما” (LDP) حجر الزاوية للمرحلة المتوسطة، يعتمد التخطيط المركزي في بكين سياسة “التحوط الاستراتيجي” عبر مسارين متوازيين: أحدهما جذري طويل الأمد يهدف لتجاوز المعايير الغربية الحالية، والآخر آني يعتمد القوة الصناعية لملء الفراغ الإنتاجي حتى اكتمال نضج التكنولوجيا المحلية.
يتجلى المسار المستقبلي الجذري في الأبحاث التي تقودها جامعة “تسينغهوا” فيما يُعرف بتقنية “التجميع الدقيق المستقر” (SSMB). تختلف هذه التقنية جوهرياً عن طرق توليد الضوء التقليدية، إذ تعتمد على استخدام مسرع جسيمات دائري (بمحيط يتراوح بين 100 و150 متراً) لتوليد أشعة فوق بنفسجية قصوى. وتهدف هذه المقاربة الفيزيائية إلى معالجة القصور المتأصل في تقنيات البلازما النبضية (سواء LPP الغربية أو LDP الصينية)، حيث يُمكن لهذا المسرع توليد شعاع مستمر ونقي وعالي الطاقة (قد يتجاوز 1 كيلوواط)، مما يحل معضلة الإنتاجية المنخفضة التي يعاني منها النموذج الحالي. ورغم أن التقديرات الزمنية تضع هذه التقنية في إطار التطبيق التجاري لما بعد عام 2030، إلا أنها تُمثل محاولة للقفز التكنولوجي وتأسيس معيار جديد لما بعد حقبة الـ EUV الحالية، تحسباً لوصول التقنيات الغربية إلى حدودها الفيزيائية القصوى.
أما على الصعيد الآني، ولتغطية الفجوة الزمنية حتى دخول ماكينات EUV مرحلة الإنتاج الكمي المتوقعة بين عامي 2028 و2030، لجأت الصناعة الصينية إلى حلول هندسية تعتمد على استنزاف الموارد المتاحة، وتحديداً تقنية “الزخرفة الرباعية ذاتية المحاذاة” (SAQP)، إذ تستخدم هذه الطريقة ماكينات الأشعة فوق البنفسجية العميقة (DUV) القديمة لإنتاج رقائق بدقة 5 نانومتر، وذلك عبر تعريض الرقاقة للضوء أربع مرات متتالية لرسم طبقة واحدة من الدوائر. تترتب على هذه المنهجية تداعيات اقتصادية سلبية حادة، إذ ترفع تكلفة التصنيع وزمنه بمعامل يتراوح بين 3 إلى 4 أضعاف، وتهوي بمعدلات العائد (Yield) إلى ما بين 30% و50%، مقارنة بمعدلات تتجاوز 90% لدى المصنعين التجاريين مثل TSMC.
يُبرهن الاستمرار في هذا النهج الإنتاجي غير الكفء اقتصادياً على طبيعة الفكر الاستراتيجي الصيني الذي يُخضع المنطق التجاري لحسابات الأمن القومي؛ فالهدف الأساسي يتمثل في استمرار تدفق الرقائق المتقدمة، مثل معالجات “Kirin 9030” و”Ascend 910C”، لضمان تشغيل البنية التحتية الحيوية والعسكرية، بغض النظر عن التكلفة المادية. وتُشكل هذه الآليات المؤقتة جسراً حيوياً يضمن بقاء الصناعة الوطنية وفاعليتها حتى اكتمال المنظومة السيادية للطباعة الحجرية.
انطلاقاً من تحليل الأبعاد التقنية والاستراتيجية للسيادة الرقمية، يفرض المشهد الجيوسياسي الراهن قراءة جديدة لتوازنات القوى العالمية، إذ يؤسس تشغيل النموذج الأولي في شينزين، حتى وإن كان بطاقة إنتاجية محدودة، لتحول جذري في بنية النظام الدولي وفعالية أدوات “فن الحكم الاقتصادي”، بما يُحتم إعادة تقييم شاملة للنظريات التقليدية التي حكمت العلاقات الدولية في عصر العولمة التقنية.
إذ أثبتت الوقائع قصور استراتيجية “الساحة الصغيرة والسور العالي” التي تبنتها الإدارة الأمريكية للحفاظ على التفوق في تقنيات محددة، فقد تم اختراق هذا “السور” التكنولوجي بشكل لا رجعة فيه. ورغم لجوء واشنطن في ديسمبر 2025 إلى تشديد الرقابة عبر لوائح جديدة استهدفت قطع الغيار والأدوات القديمة، إلا أن هذه الإجراءات تُمثل، في التحليل الاستراتيجي، معركة متأخرة؛ إذ انتقلت الديناميكية التنافسية من منطق “الاحتواء والحرمان” إلى منطق “سباق التسارع”، وبالتالي لم تعد الولايات المتحدة تمتلك القدرة على منع الصين من إنتاج رقائق بدقة 3 نانومتر، بل انحصرت خياراتها في محاولة تسريع انتقالها الذاتي نحو تقنيات 1.4 نانومتر للحفاظ على هامش تفوق نسبي، مُعلنة بذلك نهاية حقبة الإقصاء المطلق.
تنعكس هذه التطورات بشكل مباشر على الأمن الإقليمي في شرق آسيا، وتحديداً فيما يخص “نظرية درع السيليكون” التي اعتمدت عليها تايوان لضمان أمنها، إذ ارتكزت هذه النظرية طويلاً على فرضية مفادها أن الاعتماد العالمي – والصيني تحديداً – على مصانع TSMC يُشكل رادعاً لأي عمل عسكري حركي قد يدمر الاقتصاد الصيني ذاته. بيد أن امتلاك بكين القدرة على تصنيع رقائق عسكرية متقدمة لتوجيه الصواريخ والأنظمة المسيرة محلياً، يُقلل من اعتمادها الاستراتيجي على تايوان في الصناعات الدفاعية، مما يُخفض العتَبة الاقتصادية لقرار الحرب ويُزيد من هشاشة الاستقرار في مضيق تايوان.
أما اقتصادياً، فيُنذر هذا الاختراق بتشكل نظام تجاري عالمي ثنائي القطبية، حيث يتجه العالم نحو الانقسام إلى سلسلتي توريد متمايزتين: “سلسلة حمراء” تضم الصين والدول المنضوية تحت مبادرة الحزام والطريق، و”سلسلة زرقاء” بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها. وفي حين يُركز الغرب استثماراته على قمة الهرم التكنولوجي، يُتيح الاختراق الجديد للصين تحرير أسطولها الضخم من ماكينات DUV لإنتاج الرقائق الناضجة (28-14 نانومتر) بكثافة عالية وتكلفة منخفضة، مما سيؤدي إلى إغراق الأسواق العالمية بهذه المكونات الأساسية للصناعات المدنية. سيضع هذا الواقع الشركات الغربية الكبرى أمام معضلة استراتيجية بين خيارين أحلاهما مر: إما شراء الرقائق الصينية الرخيصة مع المخاطرة بمواجهة الرسوم الجمركية، أو الاعتماد على البدائل الغربية المكلفة وفقدان التنافسية السعرية.
خِتاماً يُمكن القول إن النجاح في تشغيل النموذج الأولي لنظام الطباعة الحجرية الصيني يُشكل حدثاً مفصلياً في التاريخ الصناعي المعاصر، إذ تحقق هذا الإنجاز في ظل ظروف عزلة قسرية وفّرت بيئة اختبار قاسية لمدى فاعلية العقوبات الدولية. يُبرهن هذا الحدث على أن الحصار التكنولوجي، مهما بلغت صرامته، يعجز عن كبح إرادة دولة تمتلك القدرة على التعبئة الشاملة للموارد وتوجيهها نحو هدف استراتيجي محدد.
إذ تُثبت المعطيات التقنية التي استعرضها التقرير أن النموذج الصيني، رغم اختلافه المعماري عن النظير الغربي، يمتلك الجدوى التشغيلية اللازمة لكسر الاحتكار. وقد ترتب على ذلك تقليص المدى الزمني المتوقع لتحقيق الإنتاج الكمي للرقائق بدقة 3 نانومتر بشكل جذري، حيث بات من المرجح دخول هذه القدرات حيز التنفيذ الصناعي بين عامي 2028 و2030، وهو ما يسبق التقديرات الغربية “المتفائلة” بخمس سنوات كاملة، بما يؤكد فشل رهان “السور العالي”، حيث تمكنت استراتيجية التمويل الحكومي غير المحدود واستقطاب الكفاءات البشرية من تجاوز القيود الهيكلية التي فرضتها ضوابط التصدير.
على صعيد الأمن القومي، رسخ هذا الإنجاز دعائم “الذكاء الاصطناعي السيادي”، إذ ضمنت شركة “هواوي” مساراً مستقلاً لتطوير العتاد اللازم لتشغيل الخوارزميات المتقدمة، بمعزل عن التكنولوجيا الأمريكية المتمثلة في منتجات “إنفيديا”. يعني هذا التطور استمرار الصين كمنافس ندّي في عصر الذكاء الاصطناعي، وامتلاكها القدرة على الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي في هذا المجال الحيوي.
نلج الآن إذًا -بناءً على ذلك- حقبة “ما بعد العولمة” في قطاع أشباه الموصلات، وهي حقبة تتسم بنهاية الاحتكار الغربي المطلق للتكنولوجيا الدقيقة، إذ ستتغير طبيعة التنافس الجيوسياسي في المرحلة المقبلة؛ حيث لن يتمحور الصراع حول “من يمتلك” تقنية الأشعة فوق البنفسجية القصوى(EUV)، بل سينصب التركيز على “من يمتلك القدرة على توسيع نطاق إنتاجها” بسرعة أكبر.
China may have reverse engineered EUV lithography tool in covert lab, report claims — employees given fake IDs to avoid secret project being detected, prototypes expected in 2028 | Tom’s Hardware, accessed December 31, 2025, https://www.tomshardware.com/tech-industry/semiconductors/china-may-have-reverse-engineered-euv-lithography-tool-in-covert-lab-report-claims-employees-given-fake-ids-to-avoid-secret-project-being-detected-prototypes-expected-in-2028
China Shatters the Silicon Ceiling: Shenzhen Validates First Domestic EUV Lithography Prototype, accessed December 29, 2025, https://markets.financialcontent.com/wral/article/tokenring-2025-12-29-china-shatters-the-silicon-ceiling-shenzhen-validates-first-domestic-euv-lithography-prototype
China’s EUV breakthrough: Huawei, SMIC reportedly advancing LDP lithography, eye 3Q25 trial, 2026 rollout – Global SMT & Packaging Asia, accessed December 31, 2025, https://globalsmtasia.com/chinas-euv-breakthrough-huawei-smic-reportedly-advancing-ldp-lithography-eye-3q25-trial-2026-rollout/
China EUV Breakthrough and the Rise of the ‘Silicon Curtain’ – EE Times, accessed December 29, 2025, https://www.eetimes.com/china-euv-breakthrough-and-the-rise-of-the-silicon-curtain/
Chinese SMIC Achieves 5 nm Production on N+3 Node Without EUV Tools | TechPowerUp, accessed December 30, 2025, https://www.techpowerup.com/344000/chinese-smic-achieves-5-nm-production-on-n-3-node-without-euv-tools
EUV lithography systems – Products – ASML, accessed December 29, 2025, https://www.asml.com/en/products/euv-lithography-systems
China Completes EUV Prototype in ‘Manhattan Project’ Push, accessed December 31, 2025, https://www.chosun.com/english/industry-en/2025/12/18/FSYQ3AKZP5GO5DRQTE3EBJER5I/
China’s ‘Semiconductor Manhattan Project’ Tests the Limits of a State-Driven Model, accessed December 30, 2025, https://www.visiontimes.com/2025/12/23/chinas-semiconductor-manhattan-project-tests-the-limits-of-a-state-driven-model.html
Chipping away at West dominance? Not yet because China still struggles with silicon chip making, accessed December 31, 2025, https://www.indiatoday.in/technology/features/story/chipping-away-at-west-dominance-not-yet-because-china-still-struggles-with-silicon-chip-making-2843249-2025-12-29
‘You Are Wrong’: How ex-engineers of the European chip giant whose CEO said China is way behind may have proved him incorrect, accessed December 29, 2025, https://timesofindia.indiatimes.com/technology/tech-news/you-are-wrong-how-ex-engineers-of-the-european-chip-giant-whose-ceo-said-china-is-way-behind-may-have-proved-him-incorrect/articleshow/126090606.cms
Beijing’s Silicon Sovereignty: Inside China’s ‘Manhattan Project’ to Break the EUV Barrier, accessed December 30, 2025, https://markets.financialcontent.com/wral/article/tokenring-2025-12-24-beijings-silicon-sovereignty-inside-chinas-manhattan-project-to-break-the-euv-barrier
Big Fund III: China’s Long Game To Control The Chips That Make The World Work – Analysis – Eurasia Review, accessed December 29, 2025, https://www.eurasiareview.com/10122025-big-fund-iii-chinas-long-game-to-control-the-chips-that-make-the-world-work-analysis/
High-NA EUV Era Begins: Intel Deploys First ASML Tool as China Signals EUV Prototype Breakthrough – FinancialContent, accessed December 31, 2025, https://markets.financialcontent.com/wral/article/tokenring-2025-12-26-high-na-euv-era-begins-intel-deploys-first-asml-tool-as-china-signals-euv-prototype-breakthrough
China’s ‘Manhattan Project’ Realized: Secret Shenzhen EUV Breakthrough Shatters Global Export Controls – FinancialContent, accessed December 29, 2025, https://markets.financialcontent.com/wral/article/tokenring-2025-12-18-chinas-manhattan-project-realized-secret-shenzhen-euv-breakthrough-shatters-global-export-controls
China Secretly Prototypes EUV Lithography Machine, Defying US Sanctions – WebProNews, accessed December 29, 2025, https://www.webpronews.com/china-secretly-prototypes-euv-lithography-machine-defying-us-sanctions/
[News] China Reportedly Builds EUV Prototype Using Older ASML Components, Eyes 2028 Chipmaking – TrendForce, accessed December 30, 2025, https://www.trendforce.com/news/2025/12/18/news-china-reportedly-builds-euv-prototype-using-older-asml-components-eyes-2028-chipmaking/
China’s all-or-nothing race for chip independence – IO+, accessed December 31, 2025, https://ioplus.nl/en/posts/chinas-all-or-nothing-race-for-chip-independence
Made-in-China EUV machine targets AI chip output by 2028 – Asia Times, accessed December 29, 2025, https://asiatimes.com/2025/12/made-in-china-euv-machine-targets-ai-chip-output-by-2028/
تعليقات