"نحتاج إليها من أجل الدفاع." بهذه العبارة المقتضبة أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع جرينلاند في مقدمة النقاشات الجيوسياسية، مُقدّمًا الجزيرة بوصفها عنصرًا متقدّمًا في حسابات الأمن القومي الأميركي. فمنذ عقود، منح الموقع الاستراتيجي لجرينلاند في قلب القطب الشمالي، إلى جانب احتياطياتها الكبيرة من المعادن الحيوية، الجزيرة وزنًا جيوسياسيًا لافتًا. غير أنّ خطاب ترامب لم يقتصر على إعادة إحياء هذا الاهتمام، بل أضفى على الجزيرة بعدًا رمزيًا يعكس طموحات أميركية تتجاوز الأطر التقليدية للمنافسة الدولية. وقد دفع هذا الطرح قادة سبع دول من أعضاء حلف شمال الأطلسي إلى إصدار بيان مشترك نادر، أعلنوا فيه رفضهم الصريح لأي محاولة لضمّ جرينلاند، التي تُعد إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك.
وتزامنًا مع التحركات الأميركية في مناطق أخرى، بما في ذلك السعي لإزاحة رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو والتهديد بالتدخّل في مناطق إضافية، أسهمت هذه التطوّرات في تأجيج مخاوف متنامية داخل حلف شمال الأطلسي من أنّ واشنطن تدفع باتجاه نظام دولي جديد تُهيمن عليه مصالحها الخاصة قبل أي اعتبار آخر. ومن ثمّ، فإن احتمال ضمّ جرينلاند لا يثير تساؤلات جدّية بشأن مستقبل الحلف فحسب، بل يكشف كذلك موقع أوروبا المتراجع داخل بنية النظام الدولي وقدرتها المحدودة على مواجهة الضغوط الأميركية.
لا يُعد اهتمام دونالد ترامب بجرينلاند أمرًا مفاجئًا، فموقعها يجمع بين ثلاثة عناصر باتت تُشكّل بصورة متزايدة رؤيته للعالم: الأمن، والموارد، وأدوات النفوذ. ومع تسارع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، لم تعد جرينلاند قاعدة نائية متجمّدة، بل غدت بوابة لمسارات بحرية جديدة قابلة للملاحة ومصدرًا لثروات غير مُستغَلّة. وسيمنح التحكم في هذه المسارات الولايات المتحدة أفضلية استراتيجية في وقت تتجه فيه حركة التجارة العالمية تدريجيًا نحو الشمال، خصوصًا مع توسّع التعاون بين الصين وروسيا لتطوير ممرات الشحن في المناطق القطبية.
وبالنسبة لترامب، الذي يميل إلى تفسير الجغرافيا السياسية من منظور تنافسي يقوم على معادلات صفرية، فإن السماح لقوى منافسة بتشكيل مستقبل القطب الشمالي يُعدّ مخاطرة غير مقبولة. وتشغل الموارد في هذا السياق موقعًا مركزيًا؛ إذ تمتلك جرينلاند احتياطيات واسعة من المعادن الأرضية النادرة، فضلًا عن مواد حيوية أخرى تُعد ضرورية لمنظومات الدفاع والصناعات المتقدمة. وفي ظل هيمنة الصين على الإنتاج العالمي لهذه المعادن، ولجوئها المعلن إلى استخدام قيود التصدير كأداة للضغط السياسي، ينظر ترامب إلى جرينلاند بوصفها وسيلة لتأمين سلاسل الإمداد وتقليص مكامن الضعف لدى الولايات المتحدة. وقد انتقل توصيفه السابق للجزيرة باعتبارها “صفقة عقارية” تدريجيًا نحو تركيز أوضح على الأمن الاقتصادي، قبل أن يتطور أخيرًا إلى رؤية أكثر مباشرة تتصل بالأمن القومي.
وتقوم هواجس ترامب كذلك على منطق عسكري واضح؛ فموقع جرينلاند بين الولايات المتحدة وروسيا يجعلها نقطة ارتكاز طبيعية لمنظومات الإنذار المبكر للصواريخ والدفاع في القطب الشمالي. ورغم أن الولايات المتحدة تُشغّل بالفعل قاعدة عسكرية في بيتوفيك، يبدو أن ترامب يعتبر أن الملكية الرسمية ستضمن للولايات المتحدة حرية وصول مطلقة إلى الجزيرة ومقدراتها لا تخضع لأي قيود. كما تكشف أساليبه الضاغطة تجاه الدنمارك أنه ينظر إلى مخاوف كوبنهاجن المتعلقة بالأمن والاستثمار بوصفها فرصة لانتزاع تنازلات، سواء عبر توسيع حقوق التعدين أو عبر تعميق مستوى الاصطفاف الاستراتيجي.
وما يميّز نهج ترامب في جوهره هو استعداده للتعامل مع الأعراف بطريقة تدفعها إلى حدودها القصوى، وتختبر قدرتها على الصمود أمام سلوك سياسي غير تقليدي. فمن خلال طرح فكرة شراء جرينلاند علنًا، والإيحاء أحيانًا بإمكانية اللجوء إلى الإكراه، يوجّه رسالة مفادها أن جميع الخيارات مطروحة. وحتى إذا انتهى به الأمر إلى السعي لترتيبات أكثر توافقًا مع الأعراف المستقرة والعلاقات السلمية، بما في ذلك ــ على نحو مفارق ــ فكرة غير مسبوقة تتمثّل في شراء إقليم من حليف، فإن مجرّد طرح هذه الفكرة يرسّخ سابقة مقلقة. فهي تقوّض افتراضات راسخة داخل حلف شمال الأطلسي بشأن السيادة والدفاع الجماعي، وتمثّل لحظة تُختبَر فيها سياسات التحالف بمنطق يُخضع علاقات الحلف لحسابات المقايضة والربح والخسارة في سابقة غير معهودة.
لا يمكن فصل مقاربة ترامب تجاه جرينلاند عن تشكّكه المتجذّر منذ زمن طويل في حلف شمال الأطلسي نفسه. فقد دأب على المجادلة بأن أعضاء الحلف الآخرين يستغلّون الحماية الأميركية، مصوّرًا الحلفاء الأوروبيين بوصفهم “راكبين بالمجّان”، ثم بوصفهم، في الآونة الأخيرة، عبئًا صريحًا. ومن هذا المنظور، يغدو بقاء الحلف، أو حتى المشروع الغربي الأوسع، مسألة ثانوية قياسًا بما يعرّفه بوصفه المصلحة الوطنية الضيّقة للولايات المتحدة. ويترك منطق «أميركا أولًا» مجالًا ضئيلًا لأي تضامن داخل الحلف، ولا سيما حين تُعامَل التحالفات بوصفها قيودًا تحدّ من حرية الحركة الأميركية.
وعلى مدى عقود، شكّل غياب الحرب بين أعضائه أحد أهم المرتكزات التأسيسية لحلف شمال الأطلسي. فقد جعلت المادة الخامسة، بما تتضمّنه من التزام بالدفاع الجماعي، اندلاع صراع شامل بين دول الحلف ليس أمرًا مستبعدًا فحسب، بل أمرًا يتعارض جوهريًا مع الغاية التي أُنشئ الحلف من أجلها. وقد ظلّ هذا المنطق قائمًا حتى في الفترات التي بلغت فيها التوترات مستويات خطيرة. فعلى سبيل المثال، كادت الخلافات بين اليونان وتركيا بشأن قبرص وبحر إيجه أن تنزلق إلى مواجهة مسلّحة، غير أنّ الإطارين السياسي والعسكري للحلف أسهما مرارًا في احتواء تلك الأزمات ومنع تدهورها.
ومن شأن أي تحرّك أميركي يستهدف جرينلاند أن ينسف هذه السابقة الراسخة من أساسها. إذ ستأتي الاستجابة الفورية من الدنمارك، ومن أوروبا على نطاق أوسع، بعدما أكّد مسؤولون دنماركيون بالفعل رفضهم القاطع لتهديدات ترامب. ورغم أن الردّ العسكري من الدنمارك يُعد مستبعدًا، فإن الدول الأوروبية ستُظهر جبهة سياسية موحّدة دعمًا لكوبنهاغن. ولو رُفع العلم الأميركي يومًا فوق نوك، لانفرطت العلاقات الأميركية الدنماركية بين ليلة وضحاها، وتهاوت معها مصداقية واشنطن لدى بعض أقرب حلفائها.
وعلى مستوى أعمق، سيُفقد حلفَ شمال الأطلسي مقوّماته الجوهرية، إلى حدّ يفقد معه القدرة على الاستمرار كتحالف قائم. فضمّ الولايات المتحدة لجرينلاند سيعني أن دولة عضوًا في الحلف قد غزت وفكّكت جزءًا من أراضي دولة عضو أخرى. وبذلك يُقوَّض المبدأ القائم على امتناع دول الحلف عن الاعتداء بعضها على بعض، وهو المبدأ الذي منح دول وسط وشرق أوروبا قدرًا كبيرًا من الطمأنينة خلال توسّع الحلف في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة. ولن يقف الضرر عند هذا الحد؛ فإذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على إقليم تابع للدنمارك، فما الضمان لأي حليف بأنها لن تقدم على الخطوة نفسها مرة أخرى؟ ففي عالم تعود فيه سياسات القوة إلى الواجهة، تميل الطموحات إلى التمدد ما إن يتجاوز الفاعلون الحدود. ولا تزال دول أوروبية عديدة تحتفظ بأقاليم في نصف الكرة الغربي، من جزر الأزور إلى غويانا الفرنسية وصولًا إلى جزر فيرجن البريطانية. وسيُلقي المبدأ الجديد الذي قد تخلقه حالة جرينلاند بظلاله الثقيلة على جميع هذه الأقاليم.
وستتفاقم هذه الأزمة في توقيت بالغ الخطورة. فقد ظهرت مسألة جرينلاند في لحظة تبذل فيها الحكومات الأوروبية جهودًا مضنية للتوصل إلى تسوية في أوكرانيا. ويعتقد دبلوماسيون أوروبيون أنهم نجحوا أخيرًا في إقناع واشنطن بالالتزام بأداء دور حقيقي في ضمان سلام طويل الأمد، وهو دور طالما رأت أوروبا أنه ضرورة لبقاء كييف، بينما أبدت الولايات المتحدة تاريخيًا تردّدًا في الانخراط فيه. وفي 7 يناير، قدّم حلفاء أوكرانيا سلسلة من الضمانات الأمنية المتعددة المستويات خلال قمّة مفصلية في باريس، شارك فيها مسؤولون رفيعو المستوى من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وكندا، إلى جانب مؤسسات محورية في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وللمرة الأولى، أعلنت الولايات المتحدة دعمها العلني لضمانات أمنية من المفترض أن تدخل حيّز التنفيذ عقب التوصّل إلى وقف لإطلاق النار مع روسيا.
ومن شأن أي تصعيد حول جرينلاند أن يبدّد هذا الزخم الهشّ على نحو شبه مؤكّد. فحلف شمال الأطلسي، إذا دخل في حالة تصدّع، فلن يبقى لدى روسيا أي حافز لتقديم تنازلات. وإذا خلصت موسكو إلى أن الدعم الأميركي لم يعد ثابتًا، فيمكنها ببساطة أن تترك أوروبا المنقسمة والمُستنزفة تواجه الموقف وحدها، لتنتزع لنفسها فترة استراحة استراتيجية في الحرب من دون الاضطرار إلى توقيع حتى وقفٍ مؤقّت لإطلاق النار. وبهذا المعنى، فإن أي ضمّ أميركي لجرينلاند سيمنح فلاديمير بوتين مكسبًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، إذ يترك أوروبا أضعف، ومشغولة بأزمة إضافية، ومجرّدة من مظلتها الأمنية الأساسية.
وعلى نحو بالغ الأهمية، تمتدّ التداعيات إلى ما هو أبعد بكثير من الساحة الأوروبية. فحلف شمال الأطلسي ليس منظمة أمنية أوروبية فحسب، بل فاعلًا أمنيًا عالميًا. فقد نشر قوات ونفّذ عمليات في مناطق مثل أفغانستان وليبيا، حيث اضطلع تدخّل الحلف في عام 2011 بدور حاسم في مسار الصراع. كما تنشط بعثاته البحرية في البحر المتوسط، ويحافظ على حضور في البحر الأسود، وشكّل عنصرًا محوريًا في إدارة التوترات داخل بؤر حساسة مثل قبرص وشرق المتوسط، حيث يمكن للنزاعات بين تركيا واليونان أن تنزلق بسهولة إلى صراع مفتوح. وإذا انهار حلف شمال الأطلسي، فإن موجات عدم الاستقرار ستتدفق عبر مناطق عديدة يضطلع فيها الحلف حاليًا بدور الرادع أو الوسيط.
وعليه، فإن الخطر الذي تُثيره جرينلاند يتجاوز قضية جزيرة واحدة أو تحالف بعينه، ليطال البُنى الأساسية التي استند إليها نظام الأمن العالمي طوال عقود. فالمسألة المطروحة على المحكّ لا تتعلق ببقاء حلف شمال الأطلسي وحده، بل تمتدّ إلى ميزان القوّة الأشمل الذي حال — وإن بقدر من القصور — دون انزلاق العالم مجددًا إلى صراعات القوى الكبرى غير المنضبطة.
تجد أوروبا نفسها اليوم عالقة في معضلة استراتيجية لا يتيح أيٌّ من خياراتها مخرجًا بلا كلفة. فإذا قبلت بالإجراءات الأميركية ضدّ نظام مادورو، فإنها تُغامر بإفراغ المبادئ القانونية والأخلاقية التي تستند إليها في معارضتها لغزو روسيا لأوكرانيا من مضمونها. أمّا إذا أدانت تلك الإجراءات، فإنها تُخاطر بتنفير ضامنها الأمني الرئيس، وبإحداث شرخ في وحدة الضفتين الأطلسيتين في اللحظة التي يصبح فيها الدفاع الجماعي في مواجهة روسيا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وهذا التوتّر يختزل بدقة جوهر المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه أوروبا اليوم. فالقادة الأوروبيون متردّدون في مواجهة ترامب مباشرة، لا لأنهم يجهلون حجم الخطر، بل لأنهم يفتقرون إلى الأدوات القادرة على ردع الفعل الأميركي أو الحدّ منه بفعالية. ونتيجة لذلك، انزلقت أوروبا إلى اعتماد مقاربة تقوم على الاسترضاء بدل المواجهة. وقد يبدو هذا الخيار منطقيًا على المدى القصير، في ظلّ الضعف العسكري الأوروبي والاعتماد الكبير على الحماية الأميركية، لكنه لا يشكّل استراتيجية قابلة للاستمرار على المدى الطويل. فما يزال أمام ترامب سنوات من ولايته، وتتّسم سلوكياته بقدر متزايد من عدم القدرة على التنبّؤ، فيما تغدو قراراته أكثر حزمًا وأبعد أثرًا. ولا يمكن لأوروبا أن تواصل إلى أجل غير معلوم بناء أمنها على افتراض أن ضبط النفس في واشنطن سيظل هو الغالب في نهاية المطاف.
وبالنسبة لقطاع واسع من الأوروبيين، لم تعد الولايات المتحدة تُرى قوةً صديقة أو حتى طرفًا محايدًا، بل باتت تُدرَك بوصفها قوةً انتهازية تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة على حساب أوروبا. فإدارة ترامب تقدّم دعمًا علنيًا لحركات اليمين المتطرّف المتماهية مع خطاب “لنجعل أميركا عظيمة مجددًا” (MAGA) في مختلف أنحاء القارّة، وهي قوى يعتبرها كثير من القادة الأوروبيين تهديدًا وجوديًا لأنظمتهم الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، مارست واشنطن ضغوطًا على كييف للقبول بتنازلات إقليمية من دون أن تقرن ذلك بتقديم ضمانات أمنية أميركية راسخة.
ومع ذلك، لا تزال حكومات أوروبية عديدة تجد صعوبة في استيعاب دلالات هذا التحوّل، متمسّكةً بالافتراض القائل إن العلاقة العابرة للأطلسي ستستعيد توازنها في نهاية المطاف. ويكمُن جوهر هذا التردّد في استمرار اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة لتأمين أمنها. فعلى الرغم من أن جهود إعادة التسلّح الأوروبي انطلقت بجدية خلال العام الماضي، فإنها ستحتاج إلى ما لا يقل عن ثلاث إلى خمس سنوات قبل أن تكتسب قدرًا من المصداقية العسكرية الفعلية. وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى أوروبا معتمدة على الأسلحة الأميركية، والمعلومات الاستخبارية، والدعم اللوجستي، والقدرات الاستراتيجية للولايات المتحدة، سواء للحفاظ على قدرة أوكرانيا على الصمود أو لردع روسيا عبر حلف شمال الأطلسي.
وتدرك إدارة ترامب هذه مواطن الضعف إدراكًا عميقًا، وقد أبدت استعدادًا واضحًا لاستغلالها. ففي العام الماضي، حملت الدول الأوروبية على القبول بتعريفة جمركية بنسبة 15% على صادراتها إلى الولايات المتحدة، مرفقةً بتهديد ضمني بأن أي تحدٍّ قد يدفع واشنطن إلى تسريع انسحاب أحادي من أوكرانيا، أو ربما حتى من حلف شمال الأطلسي نفسه. وقد رسّخت هذه الواقعة في واشنطن قناعة بأن الضغط يؤتي ثماره، وفي أوروبا شعورًا بأن كلفة المقاومة باتت أعلى من أن تُحتمل.
وعليه، لا تملك أوروبا خيارات ردٍّ تتمتع بقدر يُعتدّ به من المصداقية إذا أقدمت الولايات المتحدة على ضمّ جرينلاند. فمن الناحية النظرية، قد يسعى الأوروبيون إلى إنشاء نسخة أوروبية خالصة من حلف شمال الأطلسي، أو إلى إبطاء وتيرة تقليص المخاطر في علاقتهم مع الصين بحثًا عن ثقل استراتيجي موازن. غير أن هذه السيناريوهات، عمليًا، إمّا غير قابلة للتطبيق أو تحمل في طيّاتها اضطرابات عميقة. ومن ثم، يغدو الردّ الأكثر ترجيحًا هو ممارسة ضغوط على الدنمارك لحملها على التوصّل إلى صيغة ما من التفاهم مع البيت الأبيض، على أمل الحدّ من الطموحات الأميركية وإعادة توجيهها ضمن إطار أكثر قابلية للاحتواء.
وقد عبّرت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن، بجلاء عن خطورة المآلات المحتملة، محذّرةً من أن أي اعتداء عسكري أميركي على دولة عضو أخرى في حلف شمال الأطلسي سيقود إلى شلل تام يشمل الحلف ذاته والمنظومة الأمنية التي تشكّلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وحتى إذا تمّ الضمّ عبر الوسائل المالية بدلًا من استخدام القوّة، أي من خلال شراء جرينلاند بدل غزوها، فإن ذلك سيمثّل إهانة تتجاوز حدود ما يمكن لأوروبا احتماله. ومن هنا، لا يأتي تحذير فريدريكسن في سياق المبالغة الخطابية، بل يعكس تقييمًا واقعيًا؛ إذ إن أي استحواذ أميركي على أراضٍ في جرينلاند سيجسّد انهيار الافتراضات التي ارتكزت إليها منظومة الأمن الأوروبي عبر أجيال، ويترك القارّة مكشوفة في عالم أشد خطورةً وأعمق غموضًا.
Foreign Policy. 2026. “Greenland Annexation and Its Strategic Catastrophe.” Foreign Policy, January 6, 2026. https://foreignpolicy.com/2026/01/06/greenland-annex-trump-denmark-strategic-catastrophe/
Guardian, The. 2026a. “EU, Trump Raids Venezuela, Greenland, Ukraine and US President.” The Guardian, January 7, 2026. https://www.theguardian.com/world/2026/jan/07/eu-trump-raids-venezuela-greenland-ukraine-us-president
Guardian, The. 2026b. “Why Is Donald Trump Renewing Calls for Takeover of Greenland?” The Guardian, January 6, 2026. https://www.theguardian.com/world/2026/jan/06/why-is-donald-trump-renewing-calls-for-takeover-of-greenland
———. 2026c. “White House Says Using US Military Is ‘Always an Option’ for Seizing Greenland.” The Guardian, January 6, 2026. https://www.theguardian.com/us-news/2026/jan/06/trump-greenland-control-us-military
Time. 2026. “The Greenland Crisis Could Break NATO.” Time, January 7, 2026. https://time.com/7344268/us-trump-greenland-annexation-denmark/
Washington Post. 2026a. “Trump’s Greenland Fixation Curdles into a Crisis for NATO.” Washington Post, January 7, 2026. https://www.washingtonpost.com/opinions/2026/01/07/trump-greenland-denmark-threat-nato/
Washington Post. 2026b. “EU, Trump Raids Venezuela, Greenland, Ukraine and US President.” Washington Post, January 7, 2026. https://www.washingtonpost.com/world/2026/01/07/trump-us-europe-greenland/
تعليقات