يشهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط مع مطلع عام ٢٠٢٦ إعادة تشكّل بنيوي تتداخل فيه مخرجات الصراع العسكري مع تحولات عميقة في مقاربة إدارة الأزمات. فالمسار الدبلوماسي الذي أعقب حرب الاثني عشر يوماً في يونيو ٢٠٢٥ أعاد إنتاج أنماط تفاوضية تعكس عقيدة استراتيجية راسخة في العقل الإيراني تُعرف بدبلوماسية البازار. هذه الاستراتيجية لا تنظر للتفاوض كآلية لإنهاء النزاع فحسب، بل كأداة لإعادة توزيع عناصر القوة في سياق الوقت والموقع والتكتيك، إذ يُعد الزمن فيها مورداً استراتيجياً يُستخدم لامتصاص الضغط وإعادة ترميم التوازن الداخلي.
وفي السياق الراهن، تكتسب هذه المقاربة بعداً وجودياً نتيجة التحديات التي تواجه النظام الإيراني بعد الضربات التي استهدفت بنيته الدفاعية والنووية والانكماش الاقتصادي الحاد. وعليه، لم تعد «دبلوماسية البازار» خياراً تفاوضياً، بل تحولت إلى إطار بقاء سياسي يوظّف الغموض المرن والتنازلات المحسوبة لبناء مكاسب استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز حدود الاتفاقات التقنية، ويبقى التساؤل المحوري: هل تنجح هذه الاستراتيجية في التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران؟
لفهم كيفية فرض المفاوض الإيراني لإيقاعه الزمني الخاص، يجب إدراك أن دبلوماسية البازار تمثل انحرافاً جذرياً ومنهجياً عن النماذج الغربية الخطية في إدارة الأزمات وحل النزاعات. فبينما تفترض المدرسة الغربية أن التفاوض هو مسار مستقيم ينتهي بتسوية شاملة مبنية على بناء الثقة المتبادلة، تستمد المقاربة الإيرانية جذورها من ثقافة الأسواق التقليدية في الشرق الأوسط. في هذا السياق، تعتبر المطالب الأولية التعجيزية، والمساومة الاستنزافية المطولة، والتلاعب الاستراتيجي بعامل الوقت، قواعد عمل قياسية، وليست مجرد تكتيكات طارئة. وكما حذر الرئيس المصري الأسبق أنور السادات المفاوضين الإسرائيليين عام ١٩٧٧ بشأن عمليات السلام في الشرق الأوسط، قائلاً: “هذا بازار؛ والبضاعة فيه غالية الثمن”، فإن إيران تطبق هذا المبدأ بصرامة في علاقاتها الدولية المعاصرة كعقيدة لتعويض اختلال موازين القوى، وقد لخصت دراسة مرجعية لمختبر “لورانس ليفرمور” الوطني الأمريكي (Lawrence Livermore National Laboratory (LLNL)) هذه المقاربة في ثلاثية تشغيلية واضحة: “التقسيم، والتأجيل، والتحدي”.
لترجمة هذه النظرية إلى واقع تفاوضي، تعتمد دبلوماسية البازار على ثلاثة محاور رئيسية تعمل بشكل متزامن:
المحور الأول: تسليح الوقت وتحويله إلى أصل استراتيجي يمثل هذا العمود نقطة الافتراق الأهم مع العقلية الغربية؛ ففي الأطر الدبلوماسية الغربية، يُنظر إلى الوقت باعتباره قيداً ضاغطاً تحده الدورات الانتخابية، والمواعيد النهائية، والرغبة المؤسسية في الإغلاق السريع للأزمات العالمية. في المقابل، تعتبر دبلوماسية البازار اكتساب الوقت هو الهدف المركزي. من خلال إطالة أمد المحادثات وإدخالها في دورات إجرائية معقدة مثل الخلافات حول مكان الانعقاد، وتضييق أو توسيع جدول الأعمال، والعودة المستمرة للتشاور مع العواصم، ينجح النظام في تأمين وقف مؤقت لتصعيد العقوبات أو الأعمال العدائية. هذا التأجيل يوفر نافذة تشغيلية حيوية تتيح للنظام معالجة نقاط ضعفه الداخلية، مثل استقرار العملة المنهارة أو تهدئة الاحتجاجات، بعيداً عن ضغط التدخل الخارجي الفوري.
المحور الثاني: التموضع الأقصى والمقايضات غير المتكافئة تفرض هذه الاستراتيجية الدخول إلى ساحة التفاوض بمطالب صارمة وخطوط حمراء غير قابلة للمساومة، مثل الرفض القاطع والمطلق لمناقشة القدرات الصاروخية الباليستية أو إنهاء تمويل وتسليح الميليشيات الإقليمية الوكيلة. وفي مقابل هذا التصلب، يقدم المفاوض الإيراني تنازلات فنية شديدة القابلية للرجوع عنها. على سبيل المثال، يمكن التراجع عن وضع سقف مؤقت لنسب تخصيب اليورانيوم أو تعليق عمل بعض أجهزة الطرد المركزي المتقدمة في غضون أسابيع قليلة إذا انهارت المحادثات. في المقابل، فإن ما تطالب به طهران—وهو الرفع الكامل للعقوبات المالية العالمية وإلغاء القيود المصرفية—يمثل تنازلات أمريكية توفر رأس مال فورياً ومستمراً للنظام، وتتطلب عمليات بيروقراطية وتشريعية معقدة للتراجع عنها. هذه المنهجية تخلق ميزة غير متكافئة تجعل حتى التنازلات التكتيكية الإيرانية مكلفة للغاية للطرف الآخر.
المحور الثالث: الفصل الصارم بين المسارات الفصل الدبلوماسي-العسكري لضمان عدم تحول التنازلات الدبلوماسية إلى ضعف استراتيجي، تعتمد طهران سياسة الفصل والتجزئة. ففي الوقت الذي يجلس فيه الدبلوماسيون في فنادق جنيف أو عٌمان لإبداء المرونة، وتقديم الحوافز الاقتصادية، وإرسال إشارات التهدئة، تواصل المؤسسة العسكرية -تحديداً الحرس الثوري- العمل بأقصى طاقتها لإعادة بناء مخزونات الأسلحة، وتحصين البنية التحتية العميقة، وإجراء المناورات الاستفزازية، وتوجيه حروب الوكالة. هذا المسار المزدوج والمتناقض ظاهرياً يحقق هدفاً استراتيجياً عميقاً؛ فهو يجبر الخصم على إعادة تقييم خط الأساس للمفاوضات باستمرار، ويخلق بيئة من عدم الاستقرار الدائم التي تحبط أي جهود لتشكيل تحالف دولي موحد أو اتخاذ قرار بضربة عسكرية حاسمة.
كتطبيق عملي للركيزة الثالثة من دبلوماسية البازار—المتمثلة في الفصل الصارم بين المسار الدبلوماسي المرن والمجهود العسكري—تبرز الديناميكيات الراهنة في أوائل عام ٢٠٢٦ كنموذج استراتيجي بالغ التعقيد. لفهم الدوافع العميقة التي أجبرت طهران على الشروع في هذه الدورة التفاوضية الجديدة، يجب تجاوز التحليلات التي تفترض حدوث تحول أيديولوجي أو رغبة حقيقية في الاندماج في النظام الغربي. إن الانخراط الإيراني الحالي هو في جوهره ضرورة براغماتية حتمية للنجاة، فرضتها التداعيات الوجودية والتآكل الحاد في قدرات الردع العسكري الذي أعقب صدمات عام ٢٠٢٥.
ففي يونيو ٢٠٢٥، تعرضت طهران لما عُرف بـ حرب الاثني عشر يومًا، حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات حركية منسقة وواسعة النطاق. استهدفت هذه الضربات العنيفة تفكيك البنية التحتية النووية الحيوية في منشآت نطنز وفوردو وأصفهان، وشل شبكات الدفاع الجوي المتقدمة، وتدمير قطاعات واسعة من مجمعات صناعة الصواريخ الباليستية. في أعقاب تلك العملية، ساد اعتقاد مفرط في التفاؤل لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية بأن البرنامج النووي الإيراني قد دُمر بالكامل تقريباً، وأن شبكات الوكلاء الإقليميين قد تعرضت لتدهور هيكلي شديد.
غير أن التقييمات الاستخباراتية اللاحقة في مطلع عام ٢٠٢٦ كشفت عن مرونة هندسية مفاجئة لدى الجانب الإيراني؛ إذ نجحت شبكات الأنفاق العميقة والمنشآت المحصنة تحت الأرض التابعة للحرس الثوري الإسلامي في امتصاص الجزء الأكبر من الصدمة، مما حافظ على جزء حيوي من قدرات الردع الاستراتيجية للبلاد. هذا البقاء المادي أحدث تحولاً سيكولوجياً عميقاً داخل القيادة الإيرانية؛ فبدلاً من تبني سياسة التراجع أو ضبط النفس الطويل الأمد بعد الحرب، تبنى الحرس الثوري والقيادة العليا عدسة بقاء متجذرة، مفسرين نجاتهم من هذا القصف المكثف ليس كعلامة ضعف، بل كدليل قاطع على قدرتهم على تحمل وتجاوز أقصى درجات الضغط الخارجي الممكنة.
بناءً على هذه العقيدة، تم توظيف المظلة الدبلوماسية الحالية كستار مثالي. فبينما ينخرط الدبلوماسيون في محادثات هادئة وتقنية في مسقط وجنيف بحثاً عن تخفيف العقوبات، استغلت طهران الوقت المُشترى لاستئناف الإنتاج واسع النطاق للصواريخ الباليستية سراً وبوتيرة إنتاجية محمومة. تشير التقارير إلى أن منشآت التصنيع العسكري الجوفية، ولا سيما في بارشين وخجير، باتت تعمل بنظام ثلاث ورديات مكثفة لإنتاج ما بين ١٥٠ إلى ٢٠٠ صاروخ شهرياً، مما مكنها من استعادة حوالي ٨٥٪ من مستويات ما قبل النزاع بحلول نوفمبر ٢٠٢٥، مع خطط طموحة للوصول بالترسانة الصاروخية إلى ٤,٥٠٠ صاروخ بحلول نهاية عام ٢٠٢٦.
وهنا يتجلى التطبيق الفعلي لتسليح الوقت فالتفاوض لا يهدف إلى الوصول للسلام النهائي، بل يمنح الحرس الثوري الأشهر الحيوية اللازمة لتجديد الترسانة الاستراتيجية، وإصلاح المجمعات الصناعية المتضررة، وإعادة تموضع القوات الوكيلة، وكل ذلك دون إثارة أو استدعاء ضربات استباقية أمريكية أو إسرائيلية جديدة.
ولإثبات أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات لا يعكس تراجعاً في قوة الردع، قامت طهران بدمج “الإشارات القسرية” العسكرية بشكل مدروس ومحسوب مع الجدول الزمني الدبلوماسي. فعشية انطلاق محادثات مسقط في ٦فبراير ٢٠٢٦، تعمد الحرس الثوري الكشف عن صاروخ “خيبر” (خرمشهر-٤) الباليستي طويل المدى من داخل إحدى مدن الصواريخ المحصنة تحت الأرض. وقبل يوم واحد فقط من انطلاق جولة جنيف في ١٧ فبراير، أجرت القوات الإيرانية مناورات السيطرة الذكية على مضيق هرمز بالذخيرة الحية، والتي تضمنت إطلاق صواريخ وإغلاقاً مؤقتاً لأجزاء من الممر المائي الاستراتيجي.
هذه الازدواجية—الجلوس إلى طاولة الحوار بيد، والتلويح بخنق إمدادات الطاقة العالمية وإظهار القوة الصاروخية باليد الأخرى—ليست مجرد تناقض أو تخبط في صنع القرار، بل هي هندسة مقصودة ومصممة بعناية تهدف إلى رفع تكلفة فشل المفاوضات بشكل كبير على كاهل الإدارة الأمريكية، وتذكير واشنطن وحلفائها بالبديل العسكري الكارثي، وترسيخ قاعدة تفاوضية مفادها أن إيران تتفاوض وهي تحتفظ بقدرتها على الإيذاء والردع، وليس من موقع الاستسلام المذل.
بالتوازي مع جهود المؤسسة العسكرية لإعادة التسلح وتحقيق الردع الخارجي تحت مظلة المحادثات الدبلوماسية، كان النظام الإيراني يواجه تحدياً بنيوياً أعمق تمثل في الانهيار الاقتصادي الكلي خلال أواخر عام ٢٠٢٥ وأوائل عام ٢٠٢٦. حيث نجحت حملة الضغط الأقصى الأمريكية المتجددة، والتي صُممت هندسياً لقطع وصول طهران إلى أسواق العملات العالمية، في خلق أزمة مالية شاملة شكلت تهديداً مباشراً لبقاء المؤسسة الحاكمة.
تجلت المؤشرات الكلية لهذا الانهيار في الانخفاض الحاد لقيمة العملة الوطنية، حيث سجل الريال الإيراني تراجعاً تاريخياً بلغ ١,٣٦ مليون مقابل الدولار الأمريكي الواحد. أدى هذا التضخم المفرط إلى محو المدخرات المالية للطبقة الوسطى، وتراجع القيمة الفعلية للأجر الشهري للعامل الإيراني العادي ليعادل قيمة جرام واحد من الذهب. كما امتد الفشل الهيكلي إلى قطاعات التصدير غير النفطية، التي كانت تشكل ركيزة تقليدية للاقتصاد؛ إذ تراجعت إيرادات تصدير السجاد اليدوي الفارسي من ذروة سابقة بلغت أكثر من ٢ مليار دولار إلى توقعات لا تتجاوز ٤٠ مليون دولار للعام المنتهي في مارس ٢٠٢٦.
اتخذت هذه الأزمة الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الخطورة عندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية في ديسمبر ٢٠٢٥ ويناير ٢٠٢٦، والتي انطلقت شرارتها الأولى من البازار الكبير في العاصمة طهران. تكمن الأهمية التحليلية لهذا التطور في أن تجار البازار شكلوا تاريخياً إحدى الركائز الأساسية التي دعمت المؤسسة الدينية. إن خروجهم للاحتجاج العلني، مدفوعين بتقلبات أسعار الصرف والقيود الصارمة على الواردات بسبب العقوبات، عكس تزايد الإحباط والمواجهة المباشرة مع الهيمنة الاقتصادية الواسعة للمؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري.
بيد أن التطور الأكثر تهديداً لاستقرار النظام تمثل في تمدد حالة اليأس الاقتصادي لتخترق الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للدولة. في أواخر عام ٢٠٢٥، ظهرت توثيقات مرئية غير مسبوقة لأفراد في الخدمة الفعلية من الشرطة والجيش يحتجون علناً على تدني أجورهم، التي تراوحت بين ١٦ و٢٣ مليون تومان شهرياً (ما يعادل ١١٩ إلى ١٧١ دولاراً أمريكياً). لقد دفع هذا الواقع المادي بعض الضباط، للعمل في تطبيقات النقل التشاركي خارج أوقات الخدمة، بل ودفع آخرين من أفراد الأمن العاملين لعرض كلاهم للبيع عبر الإنترنت لتأمين متطلبات المعيشة الأساسية في ظل التضخم المفرط.
أدى هذا التردي الاقتصادي الشامل إلى تآكل حاجز الخوف التقليدي لدى المواطنين، مما دفع قطاعات واسعة، وخاصة الأجيال الشابة والنساء، للانخراط في حالة من التحدي الاجتماعي المستمر ضد الدولة. استجابت القيادة الإيرانية لهذه التحركات بحملة أمنية صارمة اعتمدت بشكل أساسي على الحرس الثوري وقوات الباسيج، ورغم نجاح هذه القوات في احتواء المظاهرات، أدركت القيادة السياسية في طهران أن الاعتماد الحصري على القمع الأمني دون معالجة مسببات الانهيار المالي يمثل استراتيجية غير قابلة للاستدامة من الناحية الرياضية والموضوعية. كما تطلب دفع رواتب القوات الأمنية، وتثبيت سعر الصرف، وتهدئة الشارع، تدفقاً فورياً لرأس المال الأجنبي. بناءً على ذلك، تحولت العودة إلى طاولة المفاوضات عبر آليات دبلوماسية البازار من خيار تكتيكي لتحقيق مكاسب جيوسياسية إضافية، إلى حتمية استراتيجية وضرورة مطلقة لضمان البقاء الفعلي للنظام.
استجابةً للضرورات الوجودية والانهيار الاقتصادي الداخلي الذي هدد بقاء النظام، اتجهت القيادة الإيرانية نحو استثمار المفاوضات كآلية لتأمين تدفقات مالية سريعة. ومع استئناف المحادثات غير المباشرة بوساطة عُمانية في مسقط ثم انتقالها إلى جنيف، برز صدام هيكلي حاد في الأهداف والاستراتيجيات بين الوفدين. دخل الوفد الأمريكي، بمطالب قصوى تستند إلى التقييم الاستخباراتي بأن الانهيار الاقتصادي الداخلي والتدهور العسكري الإيراني يوفران فرصة مواتية لفرض استسلام شامل.
ارتكزت المطالب الأمريكية على التفكيك الكلي لبرنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء الدعم اللوجستي والمالي للوكلاء الإقليميين في الشرق الأوسط، والتفكيك الدائم للبنية التحتية الحيوية للتخصيب في منشآت نطنز وفوردو وأصفهان. ولضمان ذلك، طرحت الولايات المتحدة مبادرة الكونسورتيوم الإقليمي، التي تهدف إلى تجريد إيران بالكامل من قدرات التخصيب المحلية، وتولي كونسورتيوم متعدد الجنسيات خاضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة مهام التخصيب لتلبية احتياجات إيران المدنية. رفضت طهران هذه المطالب بشكل قاطع، معتبرة التخلي عن التخصيب المحلي وبرنامج الصواريخ خطوطاً حمراء وانتهاكاً لسيادتها الوطنية واستراتيجيتها الدفاعية.
في المقابل، قدم الوفد في مفاوضات ٢٠٢٥ عرضًا يجسد دبلوماسية البازار، حيث يعتمد على تقديم تنازلات تكتيكية قابلة للعكس الفوري مقابل إغاثة اقتصادية وهيكلية دائمة. تضمن العرض الإيراني إطاراً مكوناً من ثلاث مراحل: الأولى تشمل خفض مستوى تخصيب اليورانيوم مؤقتاً إلى نسبة ٣,٦٧٪مقابل السماح الفوري بتصدير النفط الخام والوصول إلى الأصول المالية المجمدة. المرحلة الثانية تتضمن التزاماً قانونياً بتنفيذ البروتوكول الإضافي للسماح بعمليات التفتيش المفاجئة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع عرض نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى دولة ثالثة، مثل روسيا أو تركيا. أما المرحلة الثالثة فتضمنت شروطاً إيرانية صارمة تتمثل في الرفع الدائم للعقوبات الاقتصادية الأولية والثانوية، مع اشتراط تصديق الكونغرس الأمريكي رسمياً على الاتفاق الجديد لتأمينه كمعاهدة ملزمة تمنع تكرار انسحاب الإدارة الأمريكية مستقبلاً كما حدث في عام ٢٠١٨.
ولإدراك المفاوض الإيراني أن التنازلات النووية الفنية لن تكون كافية لإقناع الإدارة الأمريكية، لجأت طهران إلى دمج مغريات اقتصادية غير متكافئة في حزمة التفاوض لعام ٢٠٢٦، في محاولة لخلق تشابك استراتيجي. تستند هذه الخطوة إلى سابقة خطة العمل الشاملة المشتركة لعام ٢٠١٥، عندما منحت إيران عقوداً ضخمة لشركات طيران وطاقة غربية كبرى، مثل بوينغ وإيرباص وتوتال، بهدف بناء درع مؤسسي أو درع للشركات يجعل من انهيار الاتفاق وإعادة فرض العقوبات تهديداً للمصالح المالية لتلك الشركات.
بناءً على هذا الأساس، وسعت طهران من نطاق عروضها لتشمل السباق الجيوسياسي العالمي للسيطرة على المعادن الأرضية النادرة. لمحت إيران إلى إمكانية منح الولايات المتحدة وحلفائها وصولاً تفضيلياً إلى احتياطياتها غير المستغلة من المعادن الاستراتيجية، وتحديداً الليثيوم، والكوبالت، والنيكل. تدرك طهران سعي واشنطن لكسر احتكار الصين لسلاسل التوريد الخاصة بهذه المعادن الحيوية لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية والتكنولوجيا العسكرية. كما تضمنت المقترحات التجارية الإيرانية مشاريع تنمية حضرية واستثمارات مشتركة في تطوير حقول النفط والغاز. من خلال ضخ مقترحات تتعلق بالمعادن النادرة وعقود البنية التحتية المدنية الضخمة في صلب حوار مخصص تقليدياً للحد من التسلح، تسعى طهران إلى إعادة هندسة الحسابات الاستراتيجية الأمريكية بشكل جذري، ونقلها من نموذج أمني يعتبر إيران تهديداً عسكرياً يجب احتواؤه، إلى نموذج تجاري براغماتي يتعامل مع إيران كشريك اقتصادي حيوي في اقتصاد التكنولوجيا الحديث.
على الرغم من هذه الهندسة الدبلوماسية المعقدة التي حاولت طهران من خلالها دمج التنازلات النووية التكتيكية بالمغريات الاقتصادية الضخمة الرامية لخلق تشابك استراتيجي، تسود حالة من الإجماع بين المحللين الجيوسياسيين والمسؤولين الاستخباراتيين والخبراء الأمنيين إلى أن احتمالية التوصل إلى اتفاقية شاملة ورسمية ودائمة بين واشنطن وطهران في عام ٢٠٢٦ تظل منخفضة إلى حد كبير ما لم يقدم أي من الأطراف تنازلات ملموسة وحقيقية. لا يعكس هذا الفشل المتوقع إخفاقاً لآليات دبلوماسية البازار في حد ذاتها، بل يعود إلى وجود حواجز هيكلية وسياسية ونفسية متجذرة في البيئة التشغيلية الثنائية الحالية، والتي تحول دون تحويل التكتيكات المؤقتة إلى تسويات استراتيجية.
العائق الأول والأكثر إلحاحاً يتمثل في التكلفة السياسية الباهظة المرتبطة بمسار التطبيع الاقتصادي مع القيادة الإيرانية الحالية. فقد تغير المناخ السياسي بشكل جذري مقارنة بحقبة مفاوضات عام ٢٠١٥؛ حيث سيُقرأ تقديم أي تنازل اقتصادي لطهران في عام ٢٠٢٦ داخلياً في الولايات المتحدة، ومن قبل المنظمات الحقوقية عالمياً، كمكافأة لنظام استخدم القوة العسكرية ضد مواطنيه، مما أسفر عن مقتل عدة آلاف خلال حملات القمع العنيفة لاحتجاجات خلال عقود. كما إن التداعيات السياسية المترتبة على توقيع حزم إغاثة اقتصادية بمليارات الدولارات—بما في ذلك المقترح الإيراني السابق بمنح عقود بناء ١٩ مفاعلاً نووياً لشركات أمريكية—مع دولة نفذت للتو عمليات قمع واسعة، تجعل من إبرام معاهدة رسمية أمراً ساماً سياسياً وغير قابل للتطبيق لأي إدارة أمريكية تسعى للحفاظ على سلطتها الأخلاقية. علاوة على ذلك، تواجه هذه الحوافز الاقتصادية عقبات عملية هائلة؛ إذ يتطلب تفعيلها تفكيكاً جوهرياً لبنية العقوبات الأمريكية، وهو أمر يواجه مقاومة تشريعية هيكلية في واشنطن واللوبي الصهيوني وجماعات الضغط على غرار إلغاء قانون قيصر.
العائق الثاني يكمن في التباين الهيكلي العميق بين الأهداف التأسيسية للطرفين المتفاوضين، وهو ما يفرز صداماً صريحاً ويحول دون إيجاد أرضية مشتركة. حيث سلط وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الضوء على هذه الفجوة خلال فترة المفاوضات، معرباً عن شكوك عميقة حول إمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي حقيقي، ومشيراً إلى صعوبة بناء الثقة مع قيادة تتخذ قراراتها بناءً على اعتبارات دينية وليست جيوسياسية. فبينما تتعامل الولايات المتحدة مع محادثات جنيف كأداة لفرض الخضوع الاستراتيجي وتحقيق تهدئة إقليمية شاملة تتطلب الوقف التام لحروب الوكالة الإيرانية والتفكيك القابل للتحقق لبرامج تطوير الصواريخ الباليستية، تنظر طهران إلى هذه المفاوضات حصرياً كآلية للمعاملات المؤقتة الرامية إلى ضمان بقاء النظام وإعادة التأهيل الاقتصادي. يُنتج هذا التصلب الإيراني في حصر النقاش ضمن معايير التخصيب وتخفيف العقوبات طريقاً مسدوداً؛ حيث تشترط واشنطن تغييراً سلوكياً شاملاً، في حين لا تقدم طهران سوى تعديلات فنية يسهل التراجع عنها.
العائق الثالث يتمثل في هيمنة التهديد المستمر بالتصعيد العسكري المباشر على مجريات التفاوض في مسقط وجنيف، مما يقضي على البيئة اللازمة للمفاوضات بحسن نية. لم يُظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسامحاً تاريخياً مع الطبيعة المطولة والدورية لدبلوماسية البازار في الشرق الأوسط. ويتجلى ذلك في النشر المرئي لأسطول بحري أمريكي ضخم في الشرق الأوسط الأكبر منذ غزو العراق في عام ٢٠٠٣، مقروناً باعتراف مسؤولي الدفاع الأمريكيين بأن البنتاغون يعمل بنشاط على تجهيز خطط طوارئ لحملة عسكرية حركية متعددة الأسابيع ضد طهران. هذه الاستعدادات العسكرية، إلى جانب تصريحات ترامب العلنية حول الرغبة في تسوية القضية النووية “مرة واحدة وإلى الأبد”، والتهديدات الضمنية بتغيير النظام، تقوض بشكل أساسي خط الأساس من الثقة الدبلوماسية المطلوب للتصديق على معاهدة ثنائية.
في المقابل، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي؛ فللرد على هذا الحشد العسكري الأمريكي ولإظهار القوة خلال فترة المفاوضات الحرجة، تعمد الحرس الثوري الإيراني إجراء مناورات بحرية استفزازية بالذخيرة الحية في مضيق هرمز تزامناً مع سير محادثات جنيف. تضمنت هذه الخطوة إعلاناً عن إغلاق مؤقت لأجزاء من الممر المائي الاستراتيجي، في إشارة صريحة لاستعداد طهران وقدرتها على إحداث اضطراب حاد في أسواق الطاقة العالمية ومسارات الشحن الدولي إذا ما حوصرت بالمطالب الأمريكية. إن هذا الاعتماد المتبادل على سياسة حافة الهاوية العسكرية والتهديد الدائم بالتصعيد الحركي يؤدي إلى تآكل جدوى المسار الدبلوماسي، ويضمن بقاء العملية التفاوضية محكومة بقواعد الإكراه والردع المتبادل، بدلاً من التسوية والالتزام المتبادل.
وفي الختام، في ضوء المعطيات السياسية والعسكرية الراهنة، يبدو أن الوصول إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران لا يمثّل بالضرورة الهدف المباشر للمفاوضات الجارية، بقدر ما يبدو أن استمرارها يقوم بوظيفة إدارة للزمن وضبط لتوازنات القوة الإقليمية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى دبلوماسية البازار بوصفها إطاراً يَحتمل أن تُقاس مخرجاته بدرجة القدرة على إطالة أمد العملية التفاوضية وتوسيع هوامش المناورة، بما يُتيح للقيادة الإيرانية مجالاً أكبر لامتصاص الضغوط الخارجية، وتأجيل الخيارات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، مع محاولة استعادة قدر أكبر من التماسك الداخلي في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة والإنهاك الشعبي.
وضمن هذا الإطار، قد يتحوّل التفاوض ذاته، في تقدير مرجّح، إلى غاية استراتيجية أكثر منه وسيلة لحل نهائي، بحيث تُسهم دوائر التفاعل الدبلوماسي في إنتاج حالة من التوازن الوظيفي المتبادل: تمنح واشنطن هامش ردع سياسي وعسكري دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، بينما توفّر لطهران مجالاً حيوياً لإعادة ترتيب أولويات الأمن الداخلي وإعادة بناء بعض قدراتها الدفاعية. وعليه، تبدو النتيجة الأرجح مساراً تفاوضياً مطوّلاً يُنتج ترتيبات وقتية وتفاهمات جزئية ومكاسب تدريجية، أكثر من كونه مساراً يقود إلى تسوية حاسمة وشاملة بين الطرفين.
———. “Iran Seeks Deal with Mutual Economic Benefits in Nuclear Talks With US, Official Says.” The National, February 16, 2026. https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/02/15/iran-seeks-deal-with-mutual-economic-benefits-in-nuclear-talks-with-us-official-says/.
Lin, Yang Bonny. “Bazaar Diplomacy: Examining Iran’s Nuclear Bargaining Tactics.” UNT Libraries Government Documents. Livermore, California, United States of America: Lawrence Livermore National Laboratory (LLNL), October 23, 2012. Accessed February 17, 2026. https://doi.org/10.2172/1059448.
Sharon, Moshe. “A Short Guide to Bazaar Negotiations.” Israel Behind the News, November 25, 2007. Accessed February 17, 2026. https://israelbehindthenews.com/2007/11/25/a-short-guide-to-bazaar-negotiations/.
Times of Israel. “Iran Offered US a Nuclear Agreement with Same Enrichment Cap as 2015 Deal — Report,” April 18, 2025. https://www.timesofisrael.com/iran-offered-us-a-nuclear-agreement-with-same-enrichment-cap-as-2015-deal-report/.
تعليقات