كتب بواسطة

نفذت القوات العسكرية للولايات المتحدة، في صبيحة الثالث من يناير لعام 2026، عملية عسكرية نوعية حملت اسم "العزم المطلق" (Operation Absolute Resolve)، أفضت إلى تحييد القيادة السياسية في فنزويلا واحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو، لِتُدشّن بذلك مرحلة مفصلية في توظيف "القوة الصلبة" (Hard Power) ضمن النطاق الجيوسياسي لنصف الكرة الغربي . ويُؤسس هذا الإجراء لعقيدة سياسية مستحدثة تُعرف بـ "لازمة ترامب" (The Trump Corollary)، التي تُعيد صياغة محددات السيادة الوطنية بربطها بالامتثال للمصالح الأمنية العليا لواشنطن.

   

تتولى هذه الورقة البحثية تفكيك التداعيات البنيوية لهذا الحدث، وتفحص أثره المباشر على "العمق الاستراتيجي" (Strategic Depth) للجمهورية الإسلامية الإيرانية، باحثةً في مآلات التحالف الثنائي المعروف بـ "محور الضرورة" (Axis of Necessity) الذي ربط طهران وكاراكاس لسنوات خارج المنظومة المالية الدولية. ثم تناقش ما إذا كان إسقاط النظام في فنزويلا يؤدي حُكمًا إلى عزل إيران جغرافيًا ولوجستيًا، وإنهاء قدرتها على المناورة في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.

   

لتنتقل المُعالجة بعد ذلك إلى تحليل "الاقتصاد السياسي للطاقة" (Political Economy of Energy)، حيث تختبر الفرضية القائلة بأن السيطرة الإدارية الأمريكية على الاحتياطيات الفنزويلية توفر ضمانة استراتيجية فورية تُغني الغرب عن إمدادات الخليج العربي في حال إغلاق "مضيق هرمز" (Strait of Hormuz) . وتستند هذه الجزئية إلى تقييم فني للفارق بين حجم الاحتياطيات النظرية وبين القدرة التشغيلية الواقعية لشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) في ظل تهالك بنيتها التحتية.

   

ثم تستشرف أخيرًا احتمالات التصعيد العسكري المستقبلي عبر تحليل ما نُسميه بـ "مفارقة القوة" (Paradox of Power)؛ إذ يواجه صانع القرار الأمريكي تباينًا بين الحافز الذي يُولده نجاح استراتيجية "استهداف القيادة" (Decapitation Strategy) لتكرار النموذج ضد خصوم آخرين، وبين القيود المادية التي تفرضها استحقاقات "بناء الدولة" (Nation-building) وإعادة الإعمار، وذلك لتحديد احتمالية تطور الموقف إلى مواجهة نظامية شاملة مع إيران.

تفكيك "محور الضرورة" ومآلات الانكشاف الجيوسياسي لإيران

يقتضي المنطق الاستراتيجي لتفكيك التداعيات الجيوسياسية المباشرة لعملية “العزم المطلق” (Operation Absolute Resolve) على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عدم حصر قراءة هذا الحدث في إطار تغيير النظام السياسي في كاراكاس فحسب، بل التعامل معه بوصفه تقويضًا منهجيًا لما اصطُلح على تسميته بـ “محور الضرورة” (Axis of Necessity)؛ ذلك التحالف الوظيفي الذي جمع طهران وكاراكاس كآلية “بقاء براجماتي” (Pragmatic Survival Pact) لمواجهة نظام العقوبات الدولي، بمعزل عن أي تماثل أيديولوجي، إذ يُفضي النجاح الأمريكي في هذا التدخل إلى إنهاء الرابط الاستراتيجي الأهم لإيران في نصف الكرة الغربي، فارضًا على صانع القرار في طهران ضرورة إعادة صياغة حساباته الأمنية والدفاعية بصورة جذرية بعد انكشاف خاصرته الغربية.

 

تتجلى أولى مظاهر هذا الانكشاف الاستراتيجي في تجريد طهران من “العمق الاستراتيجي” (Strategic Depth) في المجال الحيوي للولايات المتحدة، فبانهيار المؤسسات السيادية الفنزويلية، ينتهي الوجود العملياتي لـ “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري، الذي وظّف الغطاء الدبلوماسي لسنوات بغرض تأسيس “قواعد عمليات متقدمة” (Forward Operating Bases) . ولا تقتصر التبعات على شل قدرات الوحدات الخاصة -كتلك المعروفة بـ “الوحدة 840″ المسؤولة عن العمليات الخارجية و”الوحدة 11000” بل تتعداها إلى تمكين الأجهزة الأمريكية من الاستحواذ المادي على الأرشيف الاستخباراتي والسجلات الرقمية لهذه الوحدات، ما يتيح تفكيك الشبكات المالية واللوجستية المرتبطة بـ “حزب الله” (Hezbollah)، وكشف الهيكلية الدولية للعمليات الإيرانية غير النظامية.

 

وارتباطًا بالخسارة الاستخباراتية، يبرز انكشافٌ من نوع آخر يمس البنية التقنية العسكرية؛ إذ تتحول فنزويلا من ساحة آمنة لتجميع واختبار التكنولوجيا الإيرانية إلى مصدرٍ لتسريب أسرارها الدقيقة. حيث تُمكن سيطرة القوات الأمريكية على منشآت التصنيع المشترك -مثل مصانع الشركة الفنزويلية للطيران (EANSA) المنخرطة في تجميع مسيرات “مهاجر-6” (Mohajer-6)- الخبراء العسكريين من إجراء “تحليل جنائي” (Forensic Analysis) شامل لهذه المنظومات. ويسمح هذا الوصول المباشر للولايات المُتحدة بفهم تقنيات التوجيه وكشف سلاسل التوريد، مما يُبطل الفاعلية العملياتية لهذه الأسلحة في مسارح صراع أخرى، ويُسرّع وتيرة تطوير تدابير مضادة لها.

 

وبالتوازي مع التآكل الأمني والعسكري، تتداعى المنظومة الاقتصادية التي شكلت القوام الرئيس لـ “اقتصاد المقاومة” (Resistance Economy) بين البلدين. حيث تنهار بصورة فورية آلية “الذهب مقابل الوقود” (Gold-for-Fuel Mechanism) -التي اعتمدت على النقل الجوي المباشر لتجنب النظام المصرفي- نتيجة خضوع المنافذ الجوية والمصرفية للإدارة الأمريكية. وتتكامل هذه العزلة مع فقدان “أسطول الظل” الإيراني(Shadow Fleet) لنقاط ارتكازه اللوجستية في الموانئ الفنزويلية، مما يرفع المخاطر التشغيلية لعمليات “إعادة الشحن”، ويُقلص القدرة التصديرية لشركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC) نحو الأسواق الآسيوية، حارمًا إياها من مركز توزيع حيوي حصين.

 

نافلة القول في الصدد إذًا أن نجاح سياسة “استهداف القيادة” (Decapitation Strategy) يُحدث تغيرًا جذريًا في مدركات التهديد لدى طهران. إذ يُثبت الانتقال الأمريكي من الضغط الاقتصادي إلى التطبيق الحركي (Kinetic) لعقيدة “لازمة ترامب” (The Trump Corollary) أن السيادة الوطنية لم تعد توفر حصانة مطلقة للأنظمة المُصنفة ضمن قوائم التهديد، مما يضع القيادة الإيرانية أمام واقع جديد يُحتم التعامل مع احتمالية الاستهداف المباشر كخطر قائم ومُرجح، وليس كمجرد أداة ضغط دبلوماسي.

جدلية "تأمين هرمز" وحدود البديل الفنزويلي

يقتضي النسق التحليلي للمتغيرات الجيوسياسية الانتقال من تفحص الخسائر الأمنية التي تكبدتها طهران، إلى معالجة البعد الأكثر تعقيدًا في هذه المعادلة، والمتمثل في الأبعاد الجيواقتصادية للتدخل الأمريكي. إذ تُثير السيطرة الأمريكية المباشرة على المقدرات الهيدروكربونية الفنزويلية تساؤلات جوهرية تدور حول ما إذا كان هذا المتغير يُوفر للغرب “بوليصة تأمين” فعالة تُحيّد التهديد الإيراني التقليدي بإغلاق “مضيق هرمز” . وتستوجب الإجابة العلمية على هذه الإشكالية تفكيك فرضية “الإحلال الاستراتيجي” (Strategic Substitution) عبر التمييز الدقيق بين القيمة الكامنة للاحتياطيات الفنزويلية طويلة الأمد، وبين القدرة التشغيلية الآنية لهذه الإمدادات في عام 2026.

 

إذ تكتسب الاحتياطيات الفنزويلية -المُصنفة كأكبر احتياطيات مؤكدة عالميًا بنحو 303 مليار برميل- أهميتها الجيوستراتيجية للولايات المتحدة من تركيبتها الكيميائية كخام “ثقيل وعالي الكبريت” (Extra-Heavy Sour Crude)، وليس من حجمها المُجرد فحسب، حيث تتطابق هذه الخصائص البنيوية هندسيًا مع المتطلبات التشغيلية لمصافي التكرير المعقدة في “ساحل الخليج الأمريكي” (USGC Refineries)، التي خضعت لعمليات تحديث واسعة في العقود الماضية لمعالجة هذا النوع تحديدًا. ويُوفر هذا التطابق الفني لواشنطن فرصة نظرية لتحقيق استقلال كامل عن الخامات الشرق أوسطية، مما يُؤسس لمرحلة “استقلالية الطاقة النصف-كروية” (Hemispheric Energy Independence)، حيث تُشكل الموارد الفنزويلية البديل الكيميائي الأمثل للخامات العراقية أو السعودية، خالقةً دورة طاقة مُغلقة داخل الأميركتين.

 

بيد أن الانتقال من الطموح النظري إلى الواقع التشغيلي يكشف عن “فجوة زمنية ولوجستية” (Logistical and Temporal Gap) حادة تحول دون اعتبار فنزويلا بديلًا فوريًا في المدى المنظور. إذ تُعاني شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) من حالة “تهالك هيكلي” (Structural Decay) شاملة طالت البنية التحتية للإنتاج والنقل، وتحديدًا “وحدات الترقية” (Upgraders) الضرورية لجعل الخام الثقيل قابلًا للتصدير، جراء سنوات من سوء الإدارة وغياب الاستثمار الرأسمالي، وفي هذا السياق تُشير التقديرات الاقتصادية الرصينة إلى أن استعادة القدرة الإنتاجية لمستويات ما قبل الحقبة التشافيزية تتطلب ضخ استثمارات تتراوح بين 50 إلى 80 مليار دولار أمريكي، وفترة زمنية تمتد لسنوات، مما ينفي إمكانية التعافي الفوري بمجرد تغيير القيادة السياسية.

 

كذلك تُفنّد الأرقام فرضية التعويض الآني لأي أزمة محتملة في الخليج؛ إذ لا يمكن للإنتاج الفنزويلي الحالي -الذي يُقارب 1. 1 مليون برميل يوميًا- أن يسد الفجوة الهائلة التي قد تنجم عن توقف التدفقات عبر مضيق هرمز، والبالغة نحو 21 مليون برميل يوميًا. ويترتب على هذه المعطيات الكمية استنتاج مفاده أن فنزويلا لا تملك القدرة الفيزيائية على العمل كـ “مصدّ للأزمات” (Crisis Buffer) لامتصاص صدمة توقف إمدادات الخليج في عام 2026، كما يوضح الشكل التالي:

 

 

يُفصح الشكل عن اختلال بنيوي في معادلة العرض؛ إذ وبرغم حيازة فنزويلا لأضخم قاعدة موارد طبيعية في العالم (303 مليار برميل)، تعجز قدراتها التصديرية الراهنة عن تغطية سوى نسبة هامشية (تُقارب 5%) من إجمالي النفط العابر يوميًا لمضيق هرمز. ويُبرهن هذا التفاوت الكمي الهائل (1. 1 مقابل 21 مليون برميل) على أن امتلاك الموارد الخام لا يُترجم تلقائيًا إلى قدرة جيوسياسية فورية، مما يؤكد استحالة التعويل على كاراكاس كبديل تشغيلي لتعويض انقطاع إمدادات الخليج العربي في المدى المنظور.

 

نخلص في هذا المحور إذًا إلى نتيجة مُركبة؛ فبينما لا توفر السيطرة على كاراكاس حلًا تكتيكيًا فوريًا، فإنها تمنح الولايات المتحدة “أداة تحوط طويلة الأمد” (Long-term Hedging Instrument) تُغير معادلات القوة مستقبلًا. إذ يُدرك الفاعلون في منظمة “أوبك” (OPEC) أن واشنطن باتت تسيطر على المخزون القادر على موازنة الأسواق وضبط الأسعار على المدى الطويل، مما يُقوض فاعلية “سلاح النفط” (Oil Weapon) كأداة للضغط السياسي، ويُضعف قدرة إيران على توظيف تقلبات الطاقة في استراتيجيات “الحرب غير المتكافئة” (Asymmetric Warfare).

تطبيقات "لازمة ترامب": من خنق "شريان الظل" الصيني إلى مخاطر الاندفاع النووي

تأسيسًا على ما سلف من تفكيك لجدلية “الإحلال الاستراتيجي”، يقودنا المنطق التحليلي إلى معالجة التداعيات الأخطر لعملية “العزم المطلق”؛ إذ لا ينحصر الأثر الجيوسياسي للسيطرة الأمريكية على كاراكاس في تأمين “احتياطي تحوط” طويل الأمد فحسب، بل يمتد ليُعيد صياغة “حسابات المخاطر” (Risk Calculus) لاندلاع مواجهة مباشرة مع طهران . وهنا تبرز عقيدة “لازمة ترامب” (The Trump Corollary) في نسختها المستحدثة، التي تتجاوز مفهوم “أمن الطاقة” التقليدي لتتبنى استراتيجية “هيمنة الطاقة” (Energy Dominance)، موظفةً الفائض الهيدروكربوني في نصف الكرة الغربي كأداة هجومية لعزل الخصوم، وليس مجرد درع واقٍ للاقتصاد المحلي.

 

ومن المنظور العسكري البحت، مثّل النجاح التكتيكي لعملية “قطع الرأس” ضد القيادة الفنزويلية دليل دامغة شديد الخطورة بالنسبة لصانع القرار الإيراني. فقد أثبتت الولايات المتحدة قدرتها على إسقاط نظام معادٍ عبر عملية جراحية خاطفة، دون الانزلاق في مستنقع “الحروب الأبدية” (Forever Wars) أو الحاجة إلى اجتياح بري واسع النطاق. هذا التحول في العقيدة القتالية الأمريكية يُبدد “الوهم الأمني” الذي استندت إليه طهران طويلًا، والقائم على فرضية أن تكلفة تغيير النظام باهظةٌ لدرجة تردع واشنطن عن المحاولة.

 

بيد أن هذه الديناميات المتسارعة تخلق ما يمكن تسميته بـ “مفارقة البقاء” (Survival Paradox)؛ فبينما تهدف واشنطن من خلال خنق طهران ماليًا وعزلها جيوسياسيًا إلى ردعها، فإن هذه الضغوط القصوى قد تدفع القيادة الإيرانية -التي تشهد تآكل عمقها الاستراتيجي وانهيار عملتها الوطنية- إلى تبني منطق “استخدمه أو اخسره” (Use it or Lose it) . إذ يُرجح أن يستنتج الجناح المتشدد في الحرس الثوري أن “النافذة الزمنية” (Window of Vulnerability) قبل اكتمال الحصار الأمريكي هي الفرصة الأخيرة لتحقيق “الاندفاع النووي” (Nuclear Sprint)، باعتباره الضمانة الوحيدة لتفادي مصير مشابه للنظام الفنزويلي.

 

بالتالي فقد أزال سقوط كاراكاس “المكابح الهيكلية” (Structural Inhibitors) التي كانت تحول دون نشوب حرب في الخليج على الأقل في المدى المتوسط، فمن خلال تحييد الجبهة الخلفية في الكاريبي، وتأمين سردية “الوفرة النفطية” لطمأنة الأسواق، تكون الولايات المتحدة قد مهدت المسرح -سواءً بقصد أو بغير قصد- لتحويل المواجهة مع إيران من احتمالية “ممكنة” إلى سيناريو “مُرجح” ، مدفوعًا بيأس طهران الاستراتيجي وثقة واشنطن المفرطة في فاعلية أدواتها الجديدة.

 

وتأسيسًا على هذا المشهد المتغير، يغدو من الضروري تأطير هذه التحولات ضمن هيكل تحليلي قابل للقياس، يُفكك أثر المتغير الفنزويلي على المرتكزات الصلبة للأمن القومي الإيراني. إذ لا تقتصر التبعات على مجرد خسارة حليف سياسي، بل تمتد لتُحدث انزياحًا كاملًا في البيئة العملياتية (Operational Environment) . وتوضح “مصفوفة التحولات الاستراتيجية” التالية الفارق النوعي الحاد بين تموضع طهران الجيوسياسي عشية عام 2025، وواقعها الجديد في عام 2026، راصدةً ميزان الخسائر الهيكلية “الحرجة” مقابل المكاسب التكتيكية “المؤقتة”:

 

 

تُفصح القراءة الأفقية للمصفوفة أعلاه عن “مفارقة استراتيجية” (Strategic Paradox) شديدة الخطورة؛ فبينما يُشير المؤشر العسكري المباشر إلى حالة من “الحياد المؤقت” نظرًا لانشغال واشنطن اللوجستي في المستنقع الفنزويلي، تُظهر المؤشرات الهيكلية (الاستخبارات، والسيادة، والتمويل) حالة “انكشاف حرج” (Critical Exposure) غير مسبوقة. هذا التباين الصارخ يخلق ما أسميناه سابقًا بـ “نافذة الضعف”؛ إذ تُدرك القيادة الإيرانية أن الأمان النسبي من الغزو البري هو ظرف “آني” محكوم بجدول زمني، بينما خسائرها في العمق الاستراتيجي دائمة ولا رجعة فيها. وعليه، فإن مكمن الخطر في المدى القريب لا يتمثل في الهجوم الأمريكي الفوري، بل في قراءة طهران لهذه المؤشرات الحمراء كدليل قاطع على حتمية “المعركة النهائية”، مما قد يدفعها لتبني خيارات “الهروب إلى الأمام” (Fail-Deadly Strategy) قبل أن تُعيد الولايات المتحدة تجميع قدراتها الهجومية الكاملة في مسرح عمليات الخليج.

 

لا يُمثل نجاح عملية “العزم المطلق” في كاراكاس إذًا مجرد حدثٍ مفصلي في تاريخ النصف الغربي للكرة الأرضية فحسب، بل يُشكل في جوهره “مُسرّعًا استراتيجيًا” (Strategic Accelerant) لمواجهة أوسع وأخطر في منطقة الخليج العربي. فبإسقاط القيادة الفنزويلية، تكون الولايات المتحدة قد أنجزت -عمليًا- هندسة المشهد الجيوسياسي لخدمة أهدافها في الشرق الأوسط، مُحققةً ثلاثية استراتيجية غيرت قواعد الاشتباك: أولها تفكيك “محور الضرورة” وحرمان طهران من رئتها المالية واللوجستية في الأمريكيتين؛ وثانيها تكريس سردية “هيمنة الطاقة” التي توفر -ولو نظريًا- وسادة امتصاص للصدمات النفطية؛ وثالثها إثبات فاعلية نموذج “استهداف القيادة” الجراحي كبديلٍ مرعب للحروب التقليدية واسعة النطاق.

 

بيد أن هذا الانتصار التكتيكي في الكاريبي لا يلغي المخاطر العملياتية؛ إذ يمر العالم حاليًا عبر “نافذة انكشاف” (Window of Vulnerability) حرجة للغاية خلال الربع الأول من عام 2026. فالفجوة الزمنية الفاصلة بين السيطرة السياسية على الآبار الفنزويلية وبين تدفق نفطها فعليًا إلى الأسواق، بالتزامن مع تشتت الجهد البحري الأمريكي بين مسرحين متباعدين، قد تغري القيادة الإيرانية المحاصرة بتبني خيارات انتحارية. إذ قد يرى صانع القرار في طهران، وهو يشاهد انهيار حليفه وتآكل قدراته، أن “الهروب إلى الأمام” عبر التصعيد النووي هو طوق النجاة الوحيد قبل إحكام الطوق الأمريكي.

 

في المحصلة، يُمكن القول إن واشنطن قد نجحت عبر هذه العملية في “تأمين الجبهة الخلفية” (Clearing the Rear) وتطهير حديقتها الخلفية، لتتفرغ كليًا لإدارة الصراع مع الخصم الرئيس في الشرق الأوسط. وعليه، فإن احتمالية شن هجوم أمريكي على إيران، أو اندلاع مواجهة شاملة، لم تعد مجرد “فرضية ممكنة” في قاموس التحليل السياسي، بل انتقلت -بعد سقوط كاراكاس- لتصبح “احتمالية مرجحة” (Probable)، بانتظار الشرارة التي ستشعل هذا الهشيم الاستراتيجي المتراكم.

المراجع

Trump Announces U. S . Military’s Capture of Maduro, accessed on January 4, 2026, https://www. war. gov/News/News-Stories/Article/Article/4370431/trump-announces-us-militarys-capture-of-maduro/

 

What to watch in a post-Maduro Venezuela, accessed on January 4, 2026, https://www. atlanticcouncil. org/content-series/fastthinking/what-to-watch-in-a-post-maduro-venezuela/

 

Live updates: U. S . captures Maduro and his wife after striking Venezuela – PBS, accessed on January 4, 2026, https://www. pbs. org/newshour/world/live-updates-u-s-captures-maduro-and-his-wife-after-striking-venezuela

 

Experts react: The US just captured Maduro . What’s next for Venezuela and the region?, accessed on January 4, 2026, https://www. atlanticcouncil. org/dispatches/us-just-captured-maduro-whats-next-for-venezuela-and-the-region/

 

Iran’s distant flank in focus as US piles pressure on Venezuela, accessed on January 4, 2026, https://www. iranintl. com/en/202512023765

 

Why Venezuela matters to Iran | The Spectator Australia, accessed on January 4, 2026, https://www. spectator. com. au/2025/11/why-venezuela-matters-to-iran/

 

Regime change in Venezuela could bring boost in oil production – but not as much as you’d think | Morningstar, accessed on January 4, 2026, https://www. morningstar. com/news/marketwatch/20251213174/regime-change-in-venezuela-could-bring-boost-in-oil-production-but-not-as-much-as-youd-think

 

What Trump’s Attack on Venezuela Means for the Region and the World, accessed on January 4, 2026, https://globalaffairs. org/commentary/analysis/what-trumps-attack-venezuela-means-region-and-world

 

Decapitation Strategy in Caracas: The Logic, Timing, and Consequences of the U. S . Operation in Venezuela, accessed on January 4, 2026, https://lansinginstitute. org/2026/01/03/decapitation-strategy-in-caracas-the-logic-timing-and-consequences-of-the-u-s-operation-in-venezuela/

 

Trump’s Caribbean Campaign: The Data Behind Operation Southern Spear – CSIS, accessed on January 4, 2026, https://www. csis. org/analysis/trumps-caribbean-campaign-data-behind-developing-conflict

 

S . strikes Venezuela and captures Maduro; Trump says “we’re going to run the country” for now, accessed on January 4, 2026, https://www. cbsnews. com/live-updates/venezuela-us-military-strikes-maduro-trump/

 

US imposes sanctions on 4 Venezuelan oil firms and 4 more tankers in Maduro crackdown, accessed on January 4, 2026, https://apnews. com/article/sanctions-oil-tankers-venezuela-trump-maduro-9ffee61472d248aafdc9d9bef6195c2e

 

Venezuela’s 2025: Finally Over, But Here Comes the Joropo of 2026 | Caracas Chronicles, accessed on January 4, 2026, https://www. caracaschronicles. com/2025/12/31/venezuelas-2025-finally-over-but-here-comes-the-joropo-of-2026/

 

US to ‘run’ Venezuela after Maduro captured, says Trump: Early analysis from Chatham House experts, accessed on January 4, 2026, https://www. chathamhouse. org/2026/01/us-attacks-venezuela-and-maduro-captured-early-analysis-chatham-house-experts

 

US has captured Venezuela’s President Maduro and wife, says Trump, accessed on January 4, 2026, https://www. theguardian. com/world/2026/jan/03/explosions-reported-venezuela-caracas

 

US oil giants silent on Trump claim they will spend billions on Venezuelan oil industry, accessed on January 4, 2026, https://www. theguardian. com/us-news/2026/jan/03/us-oil-trump-venezuela

 

Trump seeks to make Venezuela great again revive economy as affordability crisis lingers in U. S. , accessed on January 4, 2026, https://fortune. com/2026/01/03/trump-venezuela-economy-oil-industry-reconstruction-america-first-affordability-crisis/

 

Around the world U. S . attacks on Venezuela prompt praise, anger — and fear, accessed on January 4, 2026, https://www. latimes. com/world-nation/story/2026-01-03/u-s-attacks-on-venezuela-prompt-praise-anger-fear

 

Understanding the Iran-Venezuela Relationship – CSIS, accessed on January 4, 2026, https://www. csis. org/analysis/understanding-iran-venezuela-relationship

 

The Cross-Continental Threat: Iran and Venezuela’s U. S. -Defying Partnership – JINSA, accessed on January 4, 2026, https://jinsa. org/the-cross-continental-threat-iran-and-venezuelas-us-defying-partnership/

 

US targets Iran–Hezbollah narco network in Venezuela, officials say, accessed on January 4, 2026, https://www. iranintl. com/en/202509081757

 

The Maduro-Hezbollah Nexus: How Iran-backed Networks Prop up the Venezuelan Regime, accessed on January 4, 2026, https://www. atlanticcouncil. org/in-depth-research-reports/issue-brief/the-maduro-hezbollah-nexus-how-iran-backed-networks-prop-up-the-venezuelan-regime/

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *