تجاوزت قضية الضفة الغربية كونها مجرد ملف من ملفات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لتغدو محكاً حقيقياً لتماسك القانون الدولي وأسس الردع التي استند إليها النظام العالمي عقب الحرب العالمية الثانية. ففي التاسع من فبراير ٢٠٢٦، صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغّر (الكابينت) على حزمة تدابير استثنائية ترمي لترسيخ الهيمنة الإسرائيلية على الضفة، وتضمنت هذه التدابير إنهاء الحظر التاريخي لبيع الأراضي لليهود، من خلال إلغاء العمل بالقانون الأردني الذي يمنع بيع أملاك الفلسطينيين لليهود، ورفع السرية عن السجلات العقارية ، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، إضافة إلى توسيع صلاحيات الرقابة والهدم لتشمل مناطق "أ" و"ب" الخاضعة للسلطة الفلسطينية وفق اتفاقية أوسلو.
ومن شأن هذه القرارات إحداث تحولات جوهرية في نظم تسجيل العقارات وتداولها، إذ تتيح الإفصاح العلني عن هويات الملاك، مما يفتح المجال للمشترين الإسرائيليين للتفاوض المباشر معهم، مسهلاً بذلك وتيرة الاستحواذ وتمدد الاستيطان في كافة أرجاء الضفة. وفي هذا السياق، عدّ مجلس المستوطنات "ييشع" هذه الخطوات "الأكثر مفصلية منذ ثمانية وخمسين عاماً"، معتبراً إياها إعلاناً حكومياً فعلياً عن استعادة أرض إسرائيل لشعبها. ولا تمثل هذه التحركات واقعة منفصلة، بل هي حلقة ضمن مسار متصاعد أعاد صياغة أسس الصراع جذرياً خلال العامين المنصرمين، مفرزاً واقعاً مغايراً يستدعي مقاربة تحليلية تتخطى القوالب التقليدية.
إن قصر النظر في قراءة التوسع الإسرائيلي بالضفة الغربية على أنه مجرد فصل ضمن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، يُعد اختزالاً مخلاً يغفل عمق التحولات الجارية؛ فالضفة ليست المحطة الختامية لمسار التمدد، بل هي حلقة في سلسلة صراعات حدودية وهوياتية تضرب المشرق العربي برمته، بدءاً من سوريا عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر ٢٠٢٤، مروراً بالعراق الذي لا يزال يكابد هشاشة بنيوية، وصولاً إلى لبنان المنهك مؤسساتياً واقتصادياً. يمر المشرق بلحظة مفصلية يعاد فيها تشكيل واقعه السياسي والاجتماعي، حيث تراكمت استحقاقات مؤجلة في ساحات عدة، مما ينذر باختبار جديد للقوى الفاعلة، ومعارك سياسية وعسكرية لفرض السيادة في دول لا تزال تكافح لبسط نفوذها على كامل ترابها الوطني.
وما يسم المرحلة الراهنة هو تحول حالة عدم الاستقرار إلى قاعدة ناظمة للإقليم، لا استثناءً عابراً. فإسرائيل لا تكتفي بتوسيع رقعتها الجغرافية، بل تعمد إلى إعادة هيكلة الاحتلال ذاته بنقل صلاحيات الحوكمة من المستوى العسكري إلى المدني، بهدف تكريس سيطرة دائمة لا تحمل صفة “الضم” الرسمية لكنها تمارسه فعلياً. يقود هذا التحول وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي حاز منذ فبراير ٢٠٢٣ سلطات واسعة على التخطيط والشؤون المدنية عبر منسقية الحكومة وذراعها الإدارة المدنية، وهو مسار حذر منه المستشارون القانونيون العسكريون كونه ضماً فعلياً يضع إسرائيل تحت طائلة المساءلة أمام محكمة العدل الدولية.
استكمالاً لمسار التحولات البنيوية في المنطقة، تأتي الوقائع الميدانية لتترجم التوجهات السياسية إلى تغييرات ملموسة على الأرض. فمع نهاية عام ٢٠٢٥، تشير البيانات إلى أن عدد المستوطنات في الضفة الغربية وصل إلى نحو ٣٥٠ مستوطنة، من بينها قرابة ٢٠٠ بؤرة غير مرخصة تتجه الحكومة نحو تسوية أوضاعها القانونية، إلى جانب ٣٥ منطقة صناعية وشبكة طرق الالتفافية. وفي ديسمبر من العام ذاته، وافق المجلس الوزاري الأمني على خطط لإنشاء ١٩ مستوطنة جديدة، في تطور وصفه الجانب الفلسطيني بأنه تكريس لسياسة “الهندسة الديموغرافية”، بينما رصدت العديد من المنظمات في الآونة الأخيرة تسارعاً ملحوظاً في وتيرة التخطيط والبناء الاستيطاني خاصة خلال عام ٢٠٢٥.
ولا ينحصر أثر هذا التوسع في الزيادة العددية، بل يمتد ليشمل إعادة ترتيب الجغرافيا في الضفة عبر فواصل من المستوطنات والبنية التحتية، مما يجعل التواصل الجغرافي بين مناطقها الشمالية والوسطى والجنوبية تحدياً متزايداً، وفي الوقت الذي تتركز فيه السيطرة الإسرائيلية على مناطق “ج” التي تشكل نحو ٦٠٪ من مساحة الضفة، بدأت إجراءات الإنفاذ والتخطيط تمتد لتشمل جوانب من الصلاحيات في المنطقتين “أ” و”ب”، مما يقلص تدريجياً من النطاق الإداري للسلطة الفلسطينية.
هذه التغيرات الجغرافية تتجاوز مسألة السيطرة المكانية لتطرح تساؤلات قانونية جوهرية حول طبيعة الوضع القائم. إذ أشار تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في يناير ٢٠٢٦ إلى مخاوف جدية بشأن تباين الأطر القانونية المطبقة على السكان في الرقعة الجغرافية ذاتها، واصفاً السياسات المتبعة بأنها تحمل سمات التمييز المؤسسي الذي قد يتقاطع مع تعريفات قانونية دولية محددة مثل “الفصل العنصري”. واستند التقرير في مخاوفه إلى مؤشرات تتعلق بمسار التحقيقات في حالات العنف، حيث أظهرت الإحصاءات تفاوتاً في إجراءات المساءلة القانونية. كما لفت التقرير الانتباه إلى أن عزل التجمعات السكانية وما يرافقه من ضغوط معيشية قد يلامس محاذير القانون الدولي المتعلقة بالنقل القسري، وهو ما ينسجم مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (يوليو ٢٠٢٤) والمواقف الأممية التي اعتبرت أن “الضم الفعلي” للأراضي يتعارض مع المبادئ المستقرة في النظام الدولي.
في خضم هذه التحولات المتسارعة، قد يسود اعتقاد بأن الولايات المتحدة وحدها تمتلك مفاتيح الكبح القادرة على وقف المسار الإسرائيلي. غير أن استقراءً دقيقاً للسلوك الأمريكي خلال العامين المنصرمين يشي بنمط أكثر تعقيداً، يتأرجح بين الرفض المعلن والتعايش الضمني. ففي سبتمبر ٢٠٢٥، صرح الرئيس ترامب بلهجة حازمة: “لن أسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية… حان وقت التوقف”. وحين مرر الكنيست تمهيدياً مشروع قانون فرض السيادة في أكتوبر ٢٠٢٥ بأغلبية ضئيلة، وصفه نائب الرئيس فانس بأنه تصرف أحمق وإهانة شخصية، بينما حذر وزير الخارجية روبيو من تداعياته على خطة غزة. وتكرر الموقف في فبراير ٢٠٢٦، إذ أكد البيت الأبيض معارضته للضم، معتبراً أن استقرار الضفة ركيزة لأمن إسرائيل وتوجهات الإدارة السلمية.
بيد أن ثمة مفارقة جلية تكمن في الهوة بين الخطاب والممارسة؛ فالبيان الأمريكي الأخير خلا من إدانة مباشرة لإجراءات “الكابينت” أو الإشارة لانتهاكها اتفاقيات أوسلو. واكتفى ترامب عقب لقائه بنتنياهو أواخر يناير ٢٠٢٦ بالتعويل على أن الأخير “سيفعل الصواب في النهاية”. يكشف هذا النهج — رفض الضم الرسمي والتغاضي عن الضم الفعلي — عن معادلة مركبة تتجاوز ثنائية القبول أو الرفض المطلق. ويمكن تفسير هذا السلوك عبر ثلاث محددات استراتيجية: أولاً، الحرص على ديمومة “اتفاقيات أبراهام” التي يعدها ترامب إنجازاً شخصياً قد يهدده الضم الرسمي. ثانياً، تفضيل إدارة “توازن هش من الفوضى” يقطع الطريق على نفوذ خصوم كإيران وروسيا والصين، ولو كان الثمن استمرار التمدد الاستيطاني ما دامت الأمور لا تنزلق لانفجار شامل. ثالثاً، توظيف ملف الضفة ورقة مساومة في قضايا أخرى، وهو ما أكده تركيز القمة المرتقبة بين الزعيمين على الملف الإيراني لا الفلسطيني.
وبلغة أخرى، تحولت واشنطن من “صانع سلام” ينشد تسوية شاملة، إلى “مدير أزمة” يسعى لتجنب تحول التمدد الإسرائيلي إلى صدام دبلوماسي مفتوح، دون امتلاك إرادة حقيقية لوقفه.
وبموازاة الموقف الأمريكي المتذبذب، لا يمكن عزل مساعي الضم عن استراتيجية الخنق الاقتصادي الممنهجة الرامية لتقويض السلطة الفلسطينية بوصفها كياناً حاكماً وشريكاً مفترضاً. إذ تواصل إسرائيل احتجاز ما يناهز ٤,٥مليار دولار من عائدات “المقاصة” الضريبية التي تجبيها نيابة عن السلطة وفق بروتوكولات أوسلو، في إجراء عدّه وزير الاقتصاد الفلسطيني تكريساً لسياسة “العقاب الجماعي”. وقد أفضت هذه الضغوط إلى قفزة حادة في معدلات البطالة بالضفة من ١٢٪ لتلامس ٣٢٪، وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٢٥٪ بالتزامن مع تفاقم مؤشرات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
إن هذا الاستنزاف المالي ليس نتاجاً عرضياً، بل ركن أساسي في خطة واعية لتفكيك بنية الحكم الفلسطيني. فالنظام الإسرائيلي لم يعد معنياً بـ إدارة النزاع عبر الحوافز الاقتصادية أو الحفاظ على الوضع القائم، بل بات يسعى صراحةً لإنهاء فاعلية السلطة وفرض هيمنة شاملة على مفاصل الحياة الفلسطينية، قاطعاً الطريق أمام أي أفق للاستقلال أو السيادة. وعليه، فإن إسقاط السلطة لا يُحدث فراغاً عبثياً، بل فراغاً مُدبراً يتيح لإسرائيل ملأه فوراً بأدوات إدارتها المباشرة، ويجهز فعلياً على الرمق الأخير للإطار السياسي الذي استند إليه حل الدولتين.
في ظل هندسة الفراغ وتآكل السلطة، يبرز التساؤل الجوهري حول إمكانية وقف هذا المسار. وهنا يمكن رصد أربع اتجاهات للردع استنادا إلى الفاعلين تتباين في فرص تحققها وجدواها:
في المحصلة، لا يمكن اختزال المشهد الراهن في الضفة الغربية باعتباره شأناً فلسطينياً–إسرائيلياً حصرياً، بل هو امتحان عسير لقدرة النظام الدولي القائم على صون مبادئه التأسيسية. فحين يغدو الاستيلاء على الأراضي بالقوة متاحاً عبر سياسة الجرعات المتدرجة بلا حسيب، وتتحول أرفع المرجعيات القانونية — كآراء محكمة العدل الدولية — إلى نصوص جامدة تفتقر للأثر التنفيذي، وعندما تُصنّف الأمم المتحدة واقعاً ما بـالفصل العنصري دون أن يستتبع ذلك حراك ملموس، فإن السؤال المركزي يتجاوز “فرضية ضم الضفة” ليطال ماهية النظام الدولي الذي سنحيا في ظله إن مرّ هذا الضم بلا كلفة. إن الضفة الغربية اليوم باتت مرآة عاكسة لحالة النظام الدولي، والصورة التي ترتسم فيها لا تبعث على الطمأنينة.
Crisis Group. “Sovereignty in All but Name: Israel’s Quickening Annexation of the West Bank,” October 9, 2025. Accessed February 10, 2026. https://www.crisisgroup.org/rpt/middle-east-north-africa/israelpalestine/252-sovereignty-all-name-israels-quickening-annexation-west-bank
Gjevori, Elis. “Israel Approves 19 New West Bank Settlements in Major Annexation Push.” Al Jazeera, December 12, 2025. https://www.aljazeera.com/news/2025/12/12/israel-approves-19-new-west-bank-settlements-in-major-annexation-push
Hess, Amandine. “Palestinian Minister Calls on Israel to Release $4 Billion of Tax Revenues.” Euronews, November 24, 2025. https://www.euronews.com/2025/11/24/palestinian-minister-calls-on-israel-to-release-4-billion-of-tax-revenues
Magid, Jacob. “US stresses opposition to annexation after Israel takes steps to expand West Bank grip.” Times of Israel, February 10, 2026. https://www.timesofisrael.com/us-stresses-opposition-to-annexation-after-israeli-steps-to-expand-west-bank-grip/
Melchior, Itai. “Why Israel’s Push for West Bank Annexation Is Going Mainstream—and What It Means for the Abraham Accords – Atlantic Council.” Atlantic Council, October 2, 2025. Accessed February 10, 2026. https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/why-israels-push-for-west-bank-annexation-is-going-mainstream-and-what-it-means-for-the-abraham-accords/
Salem, Mostafa. “UAE Warns Israel’s West Bank Annexation Would Cross ‘Red Line’ and End Regional Integration Efforts.” CNN. September 3, 2025. https://edition.cnn.com/2025/09/03/middleeast/uae-israel-abraham-accords-trump-netanyahu-intl
Stockwell, Billy, Helen Regan, and Aditi Sangal. “Trump Says He Won’t Allow Israel to Annex West Bank.” CNN. September 26, 2025. https://edition.cnn.com/2025/09/25/politics/trump-says-he-wont-allow-israel-to-annex-west-bank
The Office of the High Commissioner for Human Rights. “Israel Ramps up Settlement and Annexation in West Bank With Dire Human Rights Consequences,” March 18, 2025. Accessed February 10, 2026. https://www.ohchr.org/en/press-releases/2025/03/israel-ramps-settlement-and-annexation-west-bank-dire-human-rights
تعليقات