كتب بواسطة

مثّل الربع الأول من عام ٢٠٢٦ نقطة انعطاف استراتيجية في توظيف القوة الصلبة وإدارة التفاعلات الجيوسياسية. فبعد عقود اقتصر فيها دور التقنيات الحاسوبية على الإسناد العملياتي—كمعالجة البيانات الاستخباراتية أو توجيه الذخائر الدقيقة—شهد شهرا يناير وفبراير تحولاً بنيوياً تمثل في الانتقال من التخطيط المعتمد على العنصر البشري إلى إدارة سلاسل قتل (Kill Chains) خوارزمية مستقلة تماماً، وقد تبلورت هذه العقيدة رسمياً عبر "استراتيجية تسريع الذكاء الاصطناعي" التي أصدرتها وزارة الحرب الأمريكية (DoW)في ٩يناير ٢٠٢٦؛ بهدف تكريس هيمنة عسكرية أمريكية مطلقة، والانتقال بالجهاز الدفاعي من الأطر البيروقراطية الكلاسيكية إلى آلة حرب تتبنى مقاربة الذكاء الاصطناعي أولاً (AI-First).

 

وقد ارتكزت هذه العقيدة المستحدثة على محددات صارمة تُعلي من شأن القوة المميتة المطلقة، والسرعة العملياتية الفائقة، والأنظمة الموضوعية التي تضع المهمة فوق كل اعتبار، مع استبعاد تام للمقاربات الاجتماعية والسياسية من معادلة الضبط الخوارزمي، وذلك لضمان التفوق الحاسم في اتخاذ القرار الميداني، وتجلى هذا التحول العقائدي بوضوح عبر تدخلين عملياتيين غير مسبوقين وفائقي الخطورة: الاعتقال خارج الحدود الإقليمية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عبر "عملية العزم المطلق" في يناير ٢٠٢٦، وضربة استئصال القيادة شديدة الفتك ضد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي خلال "عملية المدينة المقدسة الصامتة"، كجزء من عملية "الغضب الملحمي" الأوسع، في فبراير ٢٠٢٦.

 

حيث أسفر الدمج المعقد للنماذج اللغوية التوليدية (LLMs)، والبنى الديناميكية للبيانات، وخوارزميات التقييم التكتيكي، وأنساق الطيران المسير ذاتي التوجيه، عن إحداث ثورة في معايير السرعة، والدقة، وحسابات التكلفة الجيوسياسية لعمليات تحييد الأهداف عالية القيمة (HVTs) وتؤكد هذه المعطيات بشكل حاسم أن حقبة الذكاء الاصطناعي كأداة إسناد تحليلي خلفية قد طُويت؛ ليبرز اليوم بوصفه المهندس الاستراتيجي الأول للميدان، والمحرك الأساسي للمحاكاة التكتيكية، والموجه المباشر لمسارات "التنفيذ الحركي".

جذور الحرب الخوارزمية

استمدت العقيدة العملياتية الأمريكية في عام ٢٠٢٦ أسسها المنهجية من هندسة الاستهداف التكتيكي التي بلورها الجيش الإسرائيلي—تحديداً الوحدة ٨٢٠٠ الاستخباراتية—خلال العمليات العسكرية المكثفة في قطاع غزة (٢٠٢٣-٢٠٢٥). فقد شكلت سلسلة الاستهداف الخوارزمي الإسرائيلية، والتي وُصفت في الأوساط الاستخباراتية بمصنع الاغتيالات الجماعية، حجر الزاوية الذي بُنيت عليه المقاربة الأمريكية المستحدثة.

 

وقد ارتكزت البنية الإسرائيلية، الرائدة في “حرب الذكاء الاصطناعي”، على ثلاثة أنظمة هيكلية جدلية

    1. منظومة “هابسورا” (The Gospel) أداة ذكاء اصطناعي لدعم القرار الاستراتيجي، تُعالج حزماً ضخمة من بيانات المراقبة لتوليد “بنك أهداف” آلي للمباني والمنشآت. أحدثت هذه المنظومة طفرة في وتيرة الاستهداف؛ إذ قفزت بمعدل الإنتاج من ٥٠ هدفاً سنوياً (في حقبة التحليل البشري) إلى توليد أكثر من ١٠٠ هدف في اليوم الواحد.
    2. قاعدة بيانات “لافندر (Lavender) منظومة تنميط فردي تستند إلى المراقبة الجماعية في غزة والضفة الغربية. من خلال التحليل الآلي للبصمة الرقمية (شبكات اجتماعية، سجلات اتصالات، أنماط حركة)، تقوم الخوارزمية بتقييم الأفراد وإدراجهم ضمن “قوائم قتل” مؤتمتة، وقد نجحت في وسم أكثر من ٣٧ ألف مستهدف محتمل في ذروة تشغيلها.
    3. خوارزمية “أين أبي؟” (Where’s Daddy?): منظومة تتبع مكاني دقيقة، صُممت لرصد الأهداف وتفعيل الضربات الحركية لحظة عودتهم إلى منازلهم؛ وهو تكتيك عملياتي ارتبط تاريخياً بارتفاع حاد في معدلات الخسائر الجانبية بين المدنيين وعائلات المستهدفين.

 

وفي حين وظّفت إسرائيل هذه المنظومات ضمن عقيدة الاستهداف الكمّي الكثيف—متقبلةً الكلفة العالية للأضرار الجانبية لاستهداف عناصر ميدانية—عمدت القيادة المركزية الأمريكية في عملية المدينة المقدسة الصامتة إلى الارتقاء بهذا المنطق الخوارزمي نحو الاستئصال الجراحي الدقيق. إذ طبقت آليات دمج البيانات والتتبع السلوكي ذاتها، ولكن لتتبع “هدف عالي القيمة” شديد التحصين، محققةً دقة توجيه طرفية أسفرت عن تصفير كامل للخسائر الجانبية.

الإطار الاستراتيجي لـلحرب الخوارزمية

لفهم الأبعاد العميقة للانتشار التقني في ساحتي كاراكاس وطهران، تبرز الحاجة الماسة لتفكيك الإطار الاستراتيجي الشامل الذي شرعن هذه العمليات وسرّع من وتيرة تنفيذها. في هذا السياق، شكّلت استراتيجية الذكاء الاصطناعي الصادرة عن وزارة الحرب الأمريكية في ٩ يناير ٢٠٢٦، مقاربة حربية هجومية تهدف إلى تحطيم الحواجز البيروقراطية لتكنولوجيا المعلومات التقليدية، وقد ارتكزت هذه العقيدة على استثمار الميزات التنافسية غير المتماثلة للولايات المتحدة في أسواق رأس المال، والابتكار النمطي، وتوظيف الإرث الضخم من البيانات العملياتية المتراكمة على مدار عقدين من النزاعات.

 

ولترجمة هذه الاستراتيجية إلى واقع ميداني، تم إطلاق عدة “مشاريع ضابطة للإيقاع ” (Pace‑Setting Projects)، خضعت لجداول زمنية صارمة وقيادات فردية مسؤولة بشكل مباشر، ومن أبرز مساراتها:

    • مشروع “Swarm Forge” أسس لآلية تنافسية تهدف إلى توسيع نطاق القدرات القتالية المبتكرة عبر دمج وحدات النخبة العسكرية مع مطوري التكنولوجيا التجارية.
    • مشروع “Agent Network” ركز على هندسة “وكلاء ذكاء اصطناعي” مستقلين لإدارة الطيف الواسع للمعركة؛ بدءاً من التخطيط الاستراتيجي للحملات وصولاً إلى التنفيذ الدقيق لـ “سلاسل الاستهداف” (Kill Chains).
    • مشروع “Ender’s Foundry” صُمم لتسريع وتيرة المحاكاة المعرفية وحلقات التغذية الراجعة بين مطوري البرمجيات والمنفذين للعمليات الحركية الميدانية.
    • مسار “Open Arsenal” استهدف ضغط دورة تحويل الاستخبارات الفنية (TechINT) إلى أنظمة تسليح عملياتية قابلة للنشر، مختزلاً إياها من عدة سنوات إلى مجرد ساعات معدودة.
    • مبادرة “GenAI.mil” ضمنت وصولاً مؤسسياً آمناً وواسع النطاق لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية الرائدة مثل (Gemini وGrok) الكوادر التشغيلية المصنفة ضمن مستوى التأثير الخامس (IL-5) فما فوق.

 

بالتوازي مع هذه الطفرة التقنية، وفرت “استراتيجية الدفاع الوطني” (NDS) لعام ٢٠٢٦ التفويض الجيوسياسي لهذه التموضعات الهجومية. فقد أسست الاستراتيجية لقطيعة حاسمة مع ما وصفته بالمثالية الطوباوية لصالح تبني مقاربة الواقعية الصارمة؛ معطية الأولوية القصوى لتأمين الداخل الأمريكي عبر مظلة القبة الذهبية لأمريكا، وتفعيل الدفاع الاستباقي عن المصالح الحيوية في نصف الكرة الغربي استناداً إلى تعديل ترامب لمبدأ مونرو.

 

والأهم من ذلك، أقدمت الاستراتيجية على تصنيف كارتلات المخدرات وشبكات الاتجار بالبشر كمنظمات إرهابية أجنبية  (FTOs) ومقاتلين غير شرعيين. هذا التكييف القانوني منح المؤسسة العسكرية مساحة عملياتية غير مسبوقة لاستخدام القوة المميتة ضد شبكات المخدرات؛ وهو الإطار المفاهيمي الذي وُظِّف بوضوح لتشريع استهداف نظام مادورو بشكل مباشر.

الذكاء الاصطناعي وهندسة الميدان

لم يعد التحول نحو الأتمتة العسكرية مجرد ترف تقني أو مسار للتحديث الروتيني في الجيوش الحديثة، بل أضحى عقيدة استراتيجية حاكمة تعيد صياغة قواعد الاشتباك وتوازنات القوة العالمية. ففي بيئة عملياتية تتسم بالسيولة والتعقيد المتزايد، تبلور مفهوم الحرب الخوارزمية كنموذج بديل يهدف إلى إزاحة الاختناقات الإدراكية البشرية لصالح آليات اتخاذ قرار مستقلة وفائقة السرعة. هذا النمط المستحدث لم يكتفِ بتعزيز كفاءة المعالجة الاستخباراتية، بل أسس لانتقال بنيوي حاسم من عقيدة الاعتماد على الكتلة الحركية الكثيفة (Mass) إلى مركزية البيانات، والسرعة، والفتك الموجه (Data, Speed, and Lethality)؛ حيث تولت النماذج التوليدية وأنظمة الذكاء الاصطناعي إدارة الطيف الكامل للمعركة. ولعل التجسيد العملياتي الأبرز لهذا الانقلاب الاستراتيجي يتجلى بوضوح من خلال استقراء مسارين حركيين في مطلع عام ٢٠٢٦، تحول فيهما الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة إسناد استشاري بالخطوط الخلفية، إلى قائد ميداني يُهندس وينفذ أعقد عمليات استهداف الأهداف عالية القيمة (HVTs) العابرة للحدود، كما تظهره بوضوح تفاصيل التدخل في مسرحي كاراكاس وطهران.

أولًا: عملية العزم المطلق

شكلت عملية العزم المطلق في يناير ٢٠٢٦ التدشين العملياتي الأول لعقيدة الحرب الخوارزمية، مستهدفةً تحييد رأس النظام في كاراكاس عبر عملية استخلاص عابرة للحدود. لم تكن مجرد غارة تكتيكية، بل استعراضاً استراتيجياً متكاملاً أثبت قدرة الذكاء الاصطناعي على المزامنة الفائقة بين المجالات السيبرانية، والكهرومغناطيسية، والحركية لاختراق بيئة سيادية شديدة التحصين.

 

جمع المعلومات ودمج الاستخبارات الموجه بالذكاء الاصطناعي

وُظِّف هذا التصعيد الحركي الممتد كغطاء استراتيجي لتنفيذ أوسع جهد استخباراتي وعمليات استطلاع ومراقبة (ISR) استهدف قمة الهرم القيادي في كاراكاس. فقد عكف المخططون العسكريون لعدة أشهر على بناء نموذج استخباراتي متعدد الوسائط وفائق الدقة لتعقب البصمة الحركية، والأنماط السلوكية، والبروتوكولات الأمنية للرئيس الفنزويلي مادورو. وفي هذا السياق، أمّنت المنصات الجوية الشبحية—تحديداً الطائرة المسيّرة (RQ-170 Sentinel) —تغطية مستمرة فوق العاصمة الفنزويلية؛ إذ أتاح لها مقطعها الرادارى المنخفض اختراق المجال الجوي المحمي بمنظومات (S-300) الروسية، وجمع قياسات تليمترية لحظية فائقة الدقة تعجز المنصات التقليدية مثل (MQ-9 Reaper) عن تأمينها دون انكشاف، وبالتوازي مع ذلك، تولت الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية المكانية (NGA) معالجة حزم ضخمة من الرصد الفضائي، في حين استوعبت وكالة الأمن القومي (NSA) تدفقات هائلة من استخبارات الإشارات (SIGINT)

 

ولما كان الحجم الهائل لمستودع البيانات يتجاوز القدرة الاستيعابية للإدراك البشري، لجأ الجيش الأمريكي إلى خوارزميات التتبع المتقدمة من شركة بالانتير (Palantir) لهندسة البصمة الرقمية الشاملة للهدف. قامت أنظمة الذكاء الاصطناعي بدمج معطيات تبدو متناثرة—بدءاً من أنماط حركة المواكب والعادات الشخصية، وصولاً إلى الروتين اليومي—لتشكيل مصفوفة سلوكية تنبؤية. كما تم تطعيم هذه البنية البيانية بالاستخبارات البشرية (HUMINT)، عبر تقاطعات ميدانية وفرها مصدر مخترِق للدائرة الضيقة لمادورو يتبع لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، مما أتاح التحقق الواقعي من المخرجات الخوارزمية.

 

أما الاختراق التقني الأبرز في مرحلة التخطيط لعملية العزم المطلق، فتمثّل في التوظيف الواسع لنموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي (Claude) التابع لشركة أنثروبيك. فوفقاً للوثائق الاستخباراتية المرفوعة عنها السرية، كُلف النموذج بالتحليل الدلالي لآلاف الساعات من الاعتراضات الصوتية (باللغتين الإسبانية والفارسية)، لرصد التصدعات والثغرات في سلسلة القيادة العسكرية والأمنية الفنزويلية. مثّل هذا الإجراء انتقالاً مفصلياً من الاستخبارات الوصفية إلى المحاكاة التكتيكية التوليدية (Wargaming)؛ حيث تحرر المحللون من صياغة الإحاطات التقليدية الثابتة، وبدأوا في التفاعل الحواري مع النموذج لتوليد سيناريوهات غارة ديناميكية تستند إلى نظرية المباريات (Game Theory) ومن خلال محاكاة متغيرات شديدة التعقيد—كالإعماء السيبراني لشبكة طاقة كاراكاس—منح الذكاء الاصطناعي القادة قدرة فائقة على التقييم الاحتمالي لخيارات التوغل وتحديد نقاط الاحتكاك المحتملة.

التنفيذ والتزامن متعدد المجالات

استوجبت العملية دمجاً عملياتياً دقيقاً لنطاقات الحرب السيبرانية، والإلكترونية، والحركية. استهلت القيادة السيبرانية الأمريكية العملية بخلق ممر آمن عبر هجمات سيبرانية موجهة أدت إلى إسقاط شبكة الكهرباء في كاراكاس وإعماء رادارات الدفاع الجوي. حقق هذا الشلل الموضعي هدفاً مزدوجاً: تحييد قدرات الاتصال الميداني لمنظومات أرض-جو، وإحداث صدمة نفسية مفاجئة في أوساط جهاز الدفاع الوطني. وتزامناً مع ذلك، قامت مقاتلات الحرب الإلكترونية (EA-18G Growler) بإغراق الطيف الكهرومغناطيسي بإشارات تشويش مكثفة، مما أدى إلى تعمية تامة للجيش الفنزويلي عن رصد القوة المهاجمة.

 

وتحت مظلة هذا القمع الإلكتروني والسيبراني المُدار خوارزمياً، نفذت قوة استخلاص تكتيكي—تضم وحدات النخبة من قوة دلتا وفريق إنقاذ الرهائن التابع لـ FBIعملية إنزال في المجمع الرئاسي لمادورو. شملت العملية المعقدة أكثر من ١٥٠ منصة جوية انطلقت من ٢٠ قاعدة في نصف الكرة الغربي، بإسناد من مقاتلات الجيل الخامس (F-22 وF-35)، وقاذفات استراتيجية (B-1)، وفوج طيران العمليات الخاصة ١٦٠. أسفرت العملية عن اعتقال مادورو وزوجته واستخلاصهما نحو سفينة (USS Iwo Jima)، تمهيداً لمحاكمتهما في نيويورك بتهم الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات.

ثانيًا: عملية الغضب الملحمي

إذا كانت عملية كاراكاس قد اعتمدت على الذكاء الاصطناعي في دمج الاستخبارات والمحاكاة، فإن عملية الاغتيال المشتركة (الأمريكية-الإسرائيلية) للمرشد الإيراني علي خامنئي في فبراير ٢٠٢٦، مثّلت قفزة تطورية غير مسبوقة في تاريخ الصراعات؛ إذ سُجلت، ضمن عملية “الغضب الملحمي” الأوسع، كأول عملية “استئصال قيادة” عليا تُدار وتُنفذ بالكامل عبر بنية ذكاء اصطناعي ذات حلقة مغلقة (Closed-Loop)

 

تأطرت البيئة الاستراتيجية لهذه الضربة بنتائج عملية مطرقة منتصف الليل (يونيو ٢٠٢٥)، ومع التحييد شبه التام للبرنامج النووي، تحولت بوصلة العمليات من تحجيم القدرات إلى استئصال القيادة. غير أن استهداف خامنئي مثّل تحدياً استخباراتياً معقداً؛ نظراً لاعتماده استراتيجية “مكافحة استطلاع” صارمة، شملت التبديل العشوائي للمواقع، وحراسات مدرعة متعددة الأطواق، ومظلة تشويش كهرومغناطيسي شاملة. تاريخياً، كان هامش الخطأ في رصد موقعه يتجاوز خمس كيلومترات، مما جعل الاستهداف التقليدي مخاطرة كبرى قد تفضي إلى فشل ذريع أو خسائر فادحة في صفوف المدنيين.

سلسلة الاغتيالات القائمة على البيانات

لاختراق هذا الدرع الأمني المعقد، نشرت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) حزمة ذكاء اصطناعي متكاملة استبعدت الاختناقات المعرفية البشرية بالكامل من دورة الاستهداف. اعتمدت هندسة المدينة المقدسة الصامتة على مسار صارم تديره الخوارزميات، مقيدةً التدخل البشري في خطوة التفويض القاتل النهائي فقط. ارتكز المحرك المعرفي للعملية على دمج غير مسبوق لنسخة حكومية من النموذج اللغوي (Claude 4 Opus) مع منصة (Palantir Foundry)، ليعملا بتكامل تام داخل شبكة القيادة والسيطرة المشتركة في جميع المجالات (JADC2).

 

ارتكز التنفيذ الميداني للعملية على سلسلة استهداف خوارزمية صارمة، انتظمت في ست مراحل عملياتية حاسم

    1. الاستشعار الاستخباراتي: عالج نموذج (Claude) قرابة 2.3 بيتابايت من البيانات المتشعبة (بما يشمل 0.12 مليار حزمة من الصور الفضائية، وإشارات (SIGINT)، وتقارير (HUMINT)، وبفضل نافذة سياق تستوعب مليون رمز (Token) ودقة ترجمة فارسية بلغت 98.7%، أُنجز هذا الدمج المعقد في ٩٠ دقيقة فقط؛ وهو جهد كان يتطلب—نظرياً—عمل ٣٢٨ محللاً بشرياً طيلة ١٠٠ يوم متواصل.
    2. التركيز على الهدف: عبر تطبيق خوارزميات “النمط المعيشي التنبؤي”، التقط النظام شذوذاً مجهرياً في البروتوكول الأمني للمرشد: تأخير قدره 1.2 ثانية أثناء توقف الموكب. من هذه الثغرة، حُسب المسار المستقبلي بدقة 98.7%، وتم تحديد “نافذة استهداف” ذهبية مدتها ثلاث دقائق أثناء تبديل الحرس، وذلك عند مرور الهدف في نقطة عمياء رادارياً بطول ٨٠٠ متر في طريقه لمسجد لأداء صلاة الفجر.
    3. محاكاة القرار: خلال ثماني دقائق، ولّد الذكاء الاصطناعي ١٥ خطة تكتيكية مستقلة، وقام بتقييمها ذاتياً وفق معايير معقدة (احتمالية الاختراق، بقاء الأصول، تقليل الأضرار الجانبية). حازت الخطة المثلى على درجة موثوقية خوارزمية بلغت 98.2%.
    4. تنسيق مسرح العمليات: نُفذت مزامنة لحظية للمعايير التكتيكية والقياسات التليمترية عبر جميع الوحدات، مع زمن انتقال للأوامر عبر النطاقات لا يتجاوز ثلاث ثوانٍ، وزمن نقل بيانات دون 200 مللي ثانية.
    5. التنفيذ الحركي: اعتمد التنفيذ المادي على حزمة قوة بالغة الصغر: مسيّرة واحدة (MQ-9B SeaGuardian)، ومقاتلة (EA-18G Growler) للحرب الإلكترونية الموضعية، وفريق قوات خاصة مصغر (٨ أفراد) للتوجيه الليزري النهائي. أطلقت المسيّرة صاروخين من طراز (Hellfire) مزودين بوحدات توجيه طرفي تعمل بالذكاء الاصطناعي، والتي تكفلت بتعديل مسار الضربة ديناميكياً لضمان هامش خطأ يقل عن متر واحد.
    6. تقييم الأضرار القتالية (BDA): في غضون 0.3 ثانية من الارتطام الحركي، أكدت برمجيات التعرف البصري المستقلة—التي تعالج البث المباشر للمسيّرة—التدمير التام للهدف، مع توثيق انتفاء أي خسائر جانبية.

 

استغرقت سلسلة القتل الخوارزمية ١١ دقيقة و٢٣ ثانية فقط. لقد برهنت هذه العملية على أن الذكاء الاصطناعي الفائق قادر على الاستعاضة عن الكتلة الحركية الكثيفة؛ فمن خلال احتكار التفوق الحاسم في سرعة اتخاذ القرار ومعالجة البيانات، تمكنت القيادة المركزية الأمريكية من استئصال قمة هرم الخصم—رغم تحصيناته—ببصمة عملياتية مجهرية.

من الإسناد البشري إلى الاستقلالية الخوارزمية

يكشف التقييم المتقاطع لعمليتي العزم المطلق (كاراكاس) والمدينة المقدسة الصامتة (طهران) عن نضج عملياتي متسارع في توظيف الذكاء الاصطناعي العسكري خلال فترة لا تتجاوز الشهرين. فرغم اعتماد العمليتين على ذات البنية التقنية الأساسية—تحديداً دمج منصات بيانات “بالانتير” (Palantir) مع نماذج “أنثروبيك” (Anthropic) التوليدية—إلا أن مسار التطبيق قفز جذرياً من “توليف استخباراتي موجه بشرياً” إلى “تنفيذ تكتيكي مستقل تقوده الآلة”.

 

وتتجلى المفارقة الأبرز بين المشهدين في معادلة الكتلة الحركية مقابل حجم الإنجاز. فقد تطلبت عملية استخلاص مادورو استعراضاً كلاسيكياً ضخماً للقوة، يعكس عقيدة عسكرية تقليدية اكتفت باستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة؛ مما أفرز عملية صاخبة، تدميرية، ومثقلة بالأعباء اللوجستية. في المقابل، برهنت عملية اغتيال خامنئي على قاعدة استراتيجية جديدة: كلما اقترب اليقين الخوارزمي من نسبة 100%، تلاشت الحاجة إلى القوة المادية الكثيفة لتكأد تلامس الصفر. هذا التحول يمثل تقلصاً غير مسبوق في الاحتكاك العملياتي (Operational Friction)؛ إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ظهير لجهاز الاستخبارات، بل أزاحه كلياً ليصبح هو السلطة السيادية المطلقة في هندسة التخطيط، والاستخبارات، والاستهداف، وارتكز هذا التفوق العملياتي على حزمة معقدة من بنى الذكاء الاصطناعي (التجارية والمعدلة عسكرياً)، والتي شملت نماذج لغوية ضخمة، ومنصات دمج بيانات ديناميكية، وأنظمة طيران مستقلة.

الارتدادات الجيوسياسية: إعادة هيكلة الردع

شكلت هذه التحولات الميدانية رسالة ردع قاطعة للخصوم والمنافسين الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم بكين وموسكو. فقد برهنت واشنطن عملياً على أن العوائق الجغرافية، والحدود السيادية، والتحصينات العسكرية المعقدة، ومظلات التشويش الكهرومغناطيسي، فقدت حصانتها أمام استخبارات يقودها الذكاء الاصطناعي. إن قدرة “نموذج لغوي” على معالجة 2.3 بيتابايت من البيانات المتشعبة لاقتناص ثغرة أمنية عابرة لا تتجاوز مدتها ثلاث دقائق، تُعلن رسمياً تقادم ووفاة عقائد “الأمن العملياتي” ومكافحة التجسس التي سادت طيلة القرن العشرين.

 

وفي مواجهة هذا الانكشاف الاستراتيجي، ستُجبر الدول المنافسة على تسريع وتيرة تطوير شبكات دفاعية وتدابير مضادة مستقلة تماماً، مما سيُشعل حتماً سباقاً عالمياً لـ “التسلح الخوارزمي”، ويأتي تأسيس وزارة الحرب الأمريكية لمبادرة “القوة التكنولوجية” (Tech Force) —بهدف استقطاب النخب التقنية—بمثابة إقرار مؤسسي صريح بأن صراعات المستقبل الجيوسياسية لن تُحسم بفيالق المشاة أو الدروع الثقيلة، بل بعقول علماء البيانات ومهندسي “تعلم الآلة”.

 

وعلى الصعيد القيمي، يفرض نشر هذه المنظومات الفائقة تحديات هيكلية للقانون الإنساني الدولي ولأخلاقيات الحروب الكلاسيكية. لقد كشفت التجربة الإسرائيلية المبكرة لنظامي “لافندر” و”الإنجيل” في غزة عن المخاطر العميقة لظاهرة “الانحياز للأتمتة” (Automation Bias)؛ حيث يتحول المشغل البشري—تحت وطأة السيل الهائل من مخرجات الاستهداف—إلى مجرد أداة “تصديق روتيني” لقرارات موت وحياة تتخذها الآلة، ورغم توظيف الجيش الأمريكي لهذه التقنيات لتنفيذ ضربة “استئصال جراحي” دقيقة وخالية من الخسائر الجانبية في إيران، إلا أن البنية التقنية ذاتها تظل مرهونة بمنطق المراقبة الجماعية المستمرة والتنميط السلوكي للأفراد استناداً إلى البيانات الوصفية.

 

من جهة أخرى، لفت الصدام العنيف بين البنتاغون وشركة “أنثروبيك” الانتباه إلى نقطة ضعف حرجة في سلاسل التوريد الدفاعية الأمريكية: الارتهان لشركات تكنولوجيا تجارية تحكمها أطر أخلاقية مدنية بحتة. ومع تخطي نماذج متقدمة مثل (Claude 4 Opus) لعتبات الأمان الحرجة (ASL-3) —مُظهرةً قدرات على الخداع الاستراتيجي، والحفاظ على الذات، والقدرة المباشرة على هندسة أسلحة دمار شامل—تُصبح السيطرة السيادية على هذه الخوارزميات ضرورة أمنية ووجودية.

 

وفي الختام، تُقدّم العمليات العسكرية لمطلع عام ٢٠٢٦ برهاناً استراتيجياً قاطعاً على أن الذكاء الاصطناعي قد تجاوز طور التجريب ليتربع كجهاز عصبي مركزي لآلة الحرب الحديثة؛ إذ نجحت العقيدة الهجومية المستحدثة في ضغط سلسلة القتل من أشهر من التداول البشري إلى دقائق من التنفيذ الخوارزمي المستقل. فمن نجاح التآزر الاستخباري بين منظومات (Palantir) ونماذج (Claude) في تبديد ضباب الحرب وهندسة استخلاص القيادة الفنزويلية إبان عملية العزم المطلق، وصولاً إلى المعالجة الذاتية للبيانات الضخمة واختراق شبكات الدفاع الإيرانية لتوجيه ضربة استئصال جراحية ضد المرشد الأعلى في عملية المدينة المقدسة الصامتة اعتماداً على بنية (A-GRA) وبرمجيات (Hivemind)، تترسخ اليوم عقيدة إزاحة الكتلة النيرانية التقليدية لصالح ثالوث هيمنة البيانات، والسرعة الخوارزمية، والاستقلالية العملياتية. غير أن هذا الانتقال الحاسم للعبء المعرفي من العقل البشري إلى الآلة يُنذر بتسارع وتيرة التصعيد العسكري بما يتجاوز قدرة التحكم البشري، مُحدثاً تصدعاً بنيوياً في أطر القانون الدولي وكوابح الردع الكلاسيكي، ليفرض في النهاية حقيقة حتمية مفادها: إن القوة التي تحتكر البيانات العملياتية الأعلى دقة وتقود الشبكات العصبية الأكثر تطوراً هي من ستُملي هندستها على الواقع الجيوسياسي للقرن الحادي والعشرين.

المراجع

Andersin, Emelie. “The Use of the ‘Lavender’ in Gaza and the Law of Targeting: ai-Decision Support Systems and Facial Recognition Technology”, Journal of International Humanitarian Legal Studies 16, 2 (2025): 336-370, doi: https://doi.org/10.1163/18781527-bja10119

 

D’Urso, Stefano. “U.S. Air Force Integrates Open-Architecture for Mission Autonomy on CCAs.” The Aviationist, February 14, 2026. Accessed March 2, 2026. https://theaviationist.com/2026/02/14/usaf-integrates-a-gra-architecture-mission-autonomy-ccas/.

 

Eun-Joong, Kim, and Seo Bo-Beom. “U.S. Military’s AI Precision Arrest of Maduro in Flawless Operation.” The Chosun Daily, January 6, 2026. https://www.chosun.com/english/world-en/2026/01/06/RSIXQ24PCRDBNOSEEG6ABJNBEQ/.

 

Frazier, Allen. “Shield AI Unveils Fully Autonomous VTOL Fighter Jet.” Military.com, October 24, 2025. Accessed March 1, 2026. https://www.military.com/daily-news/investigations-and-features/2025/10/23/shield-ai-unveils-fully-autonomous-vtol-fighter-jet-what-it-means-military.html.

 

Kukreti, Shweta. “Did US Use Anthropic’s Claude AI in Iran Strikes Despite Trump’s Ban? | Hindustan Times.” Hindustan Times, March 1, 2026. https://www.hindustantimes.com/world-news/us-news/did-us-use-anthropics-claude-ai-in-iran-strikes-despite-trumps-ban-101772345758921.html.

 

Lyons-Burt, Charles. “How Defense Tech Enabled Operation Absolute Resolve.” Executive Gov, March 2, 2026. https://www.executivegov.com/articles/defense-tech-nicolas-maduro-capture-isr-cyber.

 

Newdick, Thomas, and Howard Altman. “MQ-20 Avenger Tests ‘Hivemind’ AI in Orange Flag Exercise.” The War Zone, March 5, 2025. https://www.twz.com/air/mq-20-avenger-tests-hivemind-in-orange-flag-exercise.

 

Rogg, Jeffrey. “U.S. Intelligence in A Post-Maduro Venezuela.” Just Security, January 9, 2026. https://www.justsecurity.org/128064/us-intelligence-post-maduro-venezuela/.

 

U.S. Department of War. “War Department Launches AI Acceleration Strategy to Secure American Military AI Dominance.” Press release. U.S. Department of War, January 12, 2026. Accessed March 2, 2026. https://www.war.gov/News/Releases/Release/Article/4376420/war-department-launches-ai-acceleration-strategy-to-secure-american-military-ai/.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *