حرب بلا حسم: معضلة التعامل مع النظام الإيراني
البرامج البحثية
6 مارس 2026

حرب بلا حسم: معضلة التعامل مع النظام الإيراني

في الثاني من مارس 2026، أبقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الباب مواربًا أمام احتمال الدفع بقوات برية إلى داخل إيران إذا ما فرضت تطورات الميدان ذلك. غير أنّ هذا الطرح يتجاهل ما ينطوي عليه هذا الخيار من كلفة استراتيجية باهظة، في ضوء الامتداد الجغرافي الشاسع لإيران وتعقيد بنيتها العسكرية وتشابك منظوماتها الدفاعية. وتشير الحسابات الاستراتيجية إلى أن أي تدخل بري أميركي لن يكون مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل مغامرة عالية المخاطر قد تفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة، بما قد يعرّض القوات الأميركية لخسائر جسيمة من دون ضمان تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية التي قد تُرسم لها في واشنطن.   في المقابل، اتسم موقف ترامب، في مجمله، بنزعة واضحة نحو تجنب الانخراط في حروب برية واسعة النطاق. فعلى الرغم من إجازته تنفيذ عمليات عسكرية خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك ضربات جوية استهدفت إيران ودولًا أخرى، ظل نهجه يميل إلى استخدام القوة بصورة محدودة ومحسوبة، مع الاعتماد أساسًا على التفوق الجوي والعمليات الخاصة بدلًا من الدفع بعشرات الآلاف من الجنود إلى ساحات قتال مفتوحة قد تفرض عليه كلفة سياسية وعسكرية يصعب احتواؤها. ويرتبط هذا التوجه برؤية أوسع لدى ترامب لطبيعة الصراعات المسلحة؛ إذ ينظر إلى النزاعات الممتدة والمشحونة بالفوضى بوصفها ساحات يكتنفها قدر كبير من عدم اليقين، وغالبًا ما تنتهي بنتائج يصعب التنبؤ بها أو التحكم في مساراتها. فالعمليات البرية الواسعة لا تفتح فقط الباب أمام اضطرابات طويلة الأمد، بل تجعل أيضًا تقدير تداعياتها الاستراتيجية أمرًا بالغ التعقيد. ولهذا لم يُظهر ترامب، خلال ولايته الأولى ولا في بدايات ولايته الثانية، ميلًا واضحًا إلى الزج بأعداد كبيرة من القوات البرية الأميركية في الخارج.   إضافةً إلى ذلك، يدرك كلٌّ من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن فرض تغيير جذري للنظام في طهران يمثل واحدة من أعقد المعضلات الاستراتيجية الممكن تصورها. فالبنية السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية تتسم بتماسك مؤسسي واضح، ولا تقوم على حكم شخصاني فحسب، بل ترتكز إلى منظومة عقائدية ودينية متجذرة حافظت على استمراريتها منذ قيام النظام عام 1979. وعلى هذا الأساس، تنطلق المقاربة الحالية من مزيج من الضغط العسكري المتدرج وأدوات أخرى تستهدف إنهاك النظام وإضعافه بمرور الوقت، من دون ضمان بأن يقود هذا المسار في نهاية المطاف إلى انهياره أو تقويض ركائزه الأساسية.
بعد مادورو: أين تتجه مطرقة واشنطن؟
البرامج البحثية

بعد مادورو: أين تتجه مطرقة واشنطن؟

مثلت عملية العزم المطلق، التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في الثالث من يناير 2026 وأفضت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وقرينته سيليا فلوريس، فصلاً ختامياً لسنوات من الجمود والصراع الدبلوماسي. بيد أن هذا الحدث، الذي جاء تتويجاً لمسار طويل من التصعيد، تجاوز في دلالاته مجرد إسقاط لنظام سياسي؛ إذ كان إيذاناً صريحاً ببعث "مبدأ مونرو" في أكثر صيغه صرامة. وقد تجلى ذلك في تصريح الرئيس الأمريكي فور نجاح العملية، حين قطع بأن "الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لم تعد موضع شك بعد اليوم". وعليه، فقد شكلت هذه العملية تحولاً جيوسياسياً مفصلياً، لم تقتصر ارتداداته على تاريخ أمريكا اللاتينية فحسب، بل امتدت لتعيد رسم عقيدة السياسة الخارجية الأمريكية برمتها.   أحدثت العملية صدمة استراتيجية في العواصم المعادية لواشنطن، حيث أعادت للأذهان حقبة التدخلات الأمريكية المباشرة إبان الحرب الباردة، ولكن بأدوات وتقنيات القرن الحادي والعشرين. فلم يعد التهديد الأمريكي مقتصرا على العقوبات الاقتصادية أو العزلة الدبلوماسية، بل تحول إلى توظيف للقوة الصلبة "الذكية" القادرة على اختراق السيادة الوطنية واستهداف رؤوس الأنظمة. وسيفرض هذا التحول الجذري على الدول المصنفة ضمن دائرة العداء الأمريكي -سواء في الكاريبي أو الشرق الأوسط- إعادة تقييم شاملة لحساباتها الأمنية والاستراتيجية، وسط مخاوف جدية من أن تكون كاراكاس مجرد فاتحة لسلسلة من عمليات "تغيير الأنظمة" التي تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الدولي وفق الرؤية الأمريكية الأحادية.