تجاوزت قضية الضفة الغربية كونها مجرد ملف من ملفات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لتغدو محكاً حقيقياً لتماسك القانون الدولي وأسس الردع التي استند إليها النظام العالمي عقب الحرب العالمية الثانية. ففي التاسع من فبراير ٢٠٢٦، صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغّر (الكابينت) على حزمة تدابير استثنائية ترمي لترسيخ الهيمنة الإسرائيلية على الضفة، وتضمنت هذه التدابير إنهاء الحظر التاريخي لبيع الأراضي لليهود، من خلال إلغاء العمل بالقانون الأردني الذي يمنع بيع أملاك الفلسطينيين لليهود، ورفع السرية عن السجلات العقارية ، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، إضافة إلى توسيع صلاحيات الرقابة والهدم لتشمل مناطق "أ" و"ب" الخاضعة للسلطة الفلسطينية وفق اتفاقية أوسلو.
ومن شأن هذه القرارات إحداث تحولات جوهرية في نظم تسجيل العقارات وتداولها، إذ تتيح الإفصاح العلني عن هويات الملاك، مما يفتح المجال للمشترين الإسرائيليين للتفاوض المباشر معهم، مسهلاً بذلك وتيرة الاستحواذ وتمدد الاستيطان في كافة أرجاء الضفة. وفي هذا السياق، عدّ مجلس المستوطنات "ييشع" هذه الخطوات "الأكثر مفصلية منذ ثمانية وخمسين عاماً"، معتبراً إياها إعلاناً حكومياً فعلياً عن استعادة أرض إسرائيل لشعبها. ولا تمثل هذه التحركات واقعة منفصلة، بل هي حلقة ضمن مسار متصاعد أعاد صياغة أسس الصراع جذرياً خلال العامين المنصرمين، مفرزاً واقعاً مغايراً يستدعي مقاربة تحليلية تتخطى القوالب التقليدية.