يشهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط مع مطلع عام ٢٠٢٦ إعادة تشكّل بنيوي تتداخل فيه مخرجات الصراع العسكري مع تحولات عميقة في مقاربة إدارة الأزمات. فالمسار الدبلوماسي الذي أعقب حرب الاثني عشر يوماً في يونيو ٢٠٢٥ أعاد إنتاج أنماط تفاوضية تعكس عقيدة استراتيجية راسخة في العقل الإيراني تُعرف بدبلوماسية البازار. هذه الاستراتيجية لا تنظر للتفاوض كآلية لإنهاء النزاع فحسب، بل كأداة لإعادة توزيع عناصر القوة في سياق الوقت والموقع والتكتيك، إذ يُعد الزمن فيها مورداً استراتيجياً يُستخدم لامتصاص الضغط وإعادة ترميم التوازن الداخلي.
وفي السياق الراهن، تكتسب هذه المقاربة بعداً وجودياً نتيجة التحديات التي تواجه النظام الإيراني بعد الضربات التي استهدفت بنيته الدفاعية والنووية والانكماش الاقتصادي الحاد. وعليه، لم تعد «دبلوماسية البازار» خياراً تفاوضياً، بل تحولت إلى إطار بقاء سياسي يوظّف الغموض المرن والتنازلات المحسوبة لبناء مكاسب استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز حدود الاتفاقات التقنية، ويبقى التساؤل المحوري: هل تنجح هذه الاستراتيجية في التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران؟