أصبح الأمن الغذائي واحدًا من أخطر القضايا الاستراتيجية التي تواجه العالم العربي، إذ إن الاعتماد الكبير على استيراد الحبوب والبذور والمدخلات الزراعية، إلى جانب محدودية السيطرة على التسعير والتوزيع، ترك المنطقة عرضةً لقرارات تُتخذ خارج حدودها.
ومع تزايد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية نتيجة التنافس الجغرافي-السياسي، والتحديات المناخية، واضطرابات التجارة، أصبحت التساؤلات حول الجهة التي تتحكم فعليًا في الغذاء الواصل إلى الأسواق العربية مسألة أمن وطني وإقليمي لا مجرد شأن تقني. يرصد استطلاع «اتجاهات الرأي العام» هذا من يُنظر إليه كجهة مسيطرة على إمدادات البذور والتسعير والتجارة، ومدى النفوذ الذي يُعتقد أن الجهات الخارجية تملكه، ومن ينبغي أن يقود جهود تعزيز الأمن الغذائي، وتوقعات العقد المقبل.
93%
يرون أن العالم العربي يسيطر على جزء محدود فقط من سلسلة غذائه، أو لا يسيطر عليها إطلاقًا
92%
يرون في إمدادات الغذاء أداة ضغط جيوسياسية فعلية أو محتملة
85%
يعتقدون بوجود خطة مقصودة للسيطرة على إمدادات الغذاء العربي
المزارعون هم الأقل نفوذًا في تقرير مصير بذورهم
38%يرون أن الشركات العالمية هي الجهة الأكثر نفوذًا في تحديد البذور التي يزرعها المزارعون العرب
تليها الحكومات بنسبة 31%، بينما أفاد 23% بأنهم غير متأكدين، ولم ينسب سوى 8% هذا النفوذ إلى المزارعين أنفسهم. في سؤال يتعلق تحديدًا بالبذور التي يزرعونها، جاء المزارعون في المرتبة الأخيرة بين الجهات المذكورة — إشارة إلى أن اتخاذ القرار الزراعي يُنظر إليه على أنه ينتقل إلى مستويات أعلى وأبعد من المزرعة نفسها.
هذا الموقع الهامشي للمزارعين يحدد نبرة بقية الاستطلاع: يُنظر إلى النفوذ على سلسلة الغذاء باستمرار على أنه يتجه نحو الشركات الموردة والسلطات الحكومية.
من يسيطر على البذور التي يزرعها المزارعون العرب؟
عدم إعادة زراعة البذور يكرّس نفوذ الشركات الموردة
69%يرون أن البذور التجارية غير القابلة لإعادة الزراعة تمنح شركات البذور نفوذًا كبيرًا على غذاء المنطقة
ويرى 31% المتبقون أنها تمنحها "بعض النفوذ" — ولم يختر أي مشارك خيارًا ينفي وجود أي نفوذ ناتج عن هذه التبعية. حين تُعاد صياغة السؤال حول التبعية البنيوية الناتجة عن البذور التجارية غير القابلة لإعادة الزراعة، يزداد النفوذ المتصور للشركات.
نظام زراعي يتطلب إعادة شراء المدخلات في كل موسم يُنظر إليه على أنه يمنح الشركات الموردة نقطة نفوذ متكررة.
إلى أي مدى يمنح عدم قابلية إعادة الزراعة نفوذًا للشركات الموردة؟
الوسطاء لا آليات السوق من يحدد الأسعار في نظر المشاركين
69%يعزون أسعار الغذاء في الأسواق العربية بشكل أساسي إلى التجار والمستوردين، لا إلى الأسواق العالمية أو العرض والطلب المحليين
تأتي الأسواق العالمية في المرتبة الثانية بنسبة 23%، ويليها العرض والطلب المحليان بنسبة 8% فقط. يُنظر إلى القدرة على التسعير على أنها تقع في يد الوسطاء المتمركزين بين المنتجين والمستهلكين، لا في العوامل الأساسية للسوق أو الظروف الدولية.
وإذا صح هذا التصور، فإنه يوحي بأن تقلبات الأسعار التي تشعر بها الأسر تُعزى بدرجة أقل إلى ما يُزرع أو ما يدفعه العالم، وبدرجة أكبر إلى قرارات تُتخذ داخل شبكات التجارة المحلية والإقليمية.
ما الذي يحدد أسعار الغذاء في الأسواق العربية بشكل أساسي؟
ثمار الطلب العالمي على المحاصيل المحلية تذهب لغير المنتجين
62%يرون أن الأسواق الأجنبية هي الجهة الأكثر نفوذًا حين يتحول محصول محلي إلى اتجاه عالمي
ويشير 38% المتبقون إلى المصدّرين. لم يحظَ المنتجون المحليون ولا المستهلكون المحليون بأي إشارة كجهات مستفيدة من تصاعد الطلب العالمي — غياب أي خيار ينسب الفائدة للمزارعين أو الجهات المحلية يعزز نمطًا يتكرر عبر الاستطلاع بأكمله.
حتى النجاح المتمثل في تنامي الطلب العالمي على منتج محلي يُنظر إليه على أنه يعود بالنفع على جهات خارج قاعدة الإنتاج المباشرة، لا على تعزيز موقع من يزرعه.
من يملك النفوذ الأكبر عندما يتحول محصول محلي إلى اتجاه عالمي؟
سيطرة المنطقة على سلسلة غذائها لا تزال ضعيفة
93%يرون أن العالم العربي يسيطر على جزء محدود من سلسلة غذائه، أو لا يسيطر عليها إطلاقًا
يرى 62% أن المنطقة تسيطر على "جزء محدود جدًا" فقط، فيما يرى 31% أن السيطرة "شبه معدومة". ولا يرى سوى 8% أن المنطقة تسيطر على معظمها — وهي من أكثر النتائج حسمًا في الاستطلاع.
وبغض النظر عن المدى الحقيقي للسيادة الزراعية الإقليمية، فإن هذا التصور شبه الإجماعي حول محدودية السيطرة يُشكّل الإطار الذي يفسر من خلاله المشاركون النتائج الأكثر تحديدًا في أجزاء أخرى من الاستطلاع — باعتبارها أجزاءً من صورة أوسع للتبعية، لا مخاوف منفصلة.
إلى أي مدى يسيطر العالم العربي اليوم على سلاسل غذائه؟
الغذاء يتحول تدريجيًا إلى سلاح استراتيجي في نظر المشاركين
92%يرون أن السيطرة على إمدادات الغذاء إما تُستخدم فعليًا، أو يمكن أن تُصبح، أداة ضغط بين الدول
يقول 69% إن هذا النفوذ "يحدث بالفعل"، ويرى 23% أنه "قد يحدث مستقبلًا". ولا يستبعد ذلك سوى 8% فقط. يعكس هذا مخاوف مماثلة أُثيرت في مجالات أخرى حول "تسليح" الترابط في الطاقة والتمويل والتكنولوجيا.
الغذاء بات يُنظر إليه بشكل متزايد من خلال العدسة الاستراتيجية ذاتها.
هل يمكن لمن يسيطر على سلاسل الغذاء أن يستخدمها كأداة ضغط؟
الحكومات مُطالَبة بقيادة الإصلاح رغم ضعف نفوذها الحالي
85%يرون أن الحكومات ينبغي أن تقود جهود تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة
يحصل كل من المزارعين المحليين والقطاع الخاص على 8% فقط. لكن هذا التوقع يتناقض مع نتيجة سابقة: إذ لا يرى سوى 31% أن الحكومات تملك حاليًا النفوذ الأكبر على إمدادات البذور.
وبقراءة النتيجتين معًا، يتضح وجود فجوة بين موقع السيطرة الحالي والجهة التي يُتوقع أن تتحمل مسؤولية التغيير: فالحكومات يُنظر إليها على أنها ممثلة بشكل أقل مما ينبغي في النفوذ الحالي، ومع ذلك يُنتظر منها أن تسد هذه الفجوة.
على من تقع مسؤولية قيادة جهود تعزيز الأمن الغذائي؟
توقعات العقد المقبل تخلو من التفاؤل
85%لا يتوقعون أن تتحسن سيطرة المنطقة على سلسلة غذائها خلال عشر سنوات
يتوقع 54% أن تبقى السيطرة "كما هي"، ويتوقع 31% أن تصبح "أقل" — ولا يتوقع سوى 15% أن تصبح "أكثر". بالنظر إلى المستقبل، يبقى التفاؤل محدودًا.
ينسجم هذا التوجه مع الصورة التي رسمها الاستطلاع: إحساس قوي بالتبعية الراهنة، مقترنًا بتوقعات محدودة بأن تنعكس المسارات الحالية دون تحول متعمد في السياسات أو الاستثمار.
بعد عشر سنوات، هل ستصبح سيطرة العرب على سلاسل غذائهم أكثر أم أقل؟
أغلبية المشاركين يعتبرون التبعية الغذائية خيارًا مقصودًا لا نتيجة عرضية
85%يعتقدون بوجود خطة مقصودة للسيطرة على إمدادات الغذاء في الوطن العربي
ويقول 15% لا. لا يمكن للاستطلاع أن يثبت وجود مثل هذه الخطة من عدمه؛ لكنه يُثبت أن هذا التصور منتشر وراسخ بقوة.
وبالجمع بين هذه النتيجة ونتائج إمدادات البذور والتسعير والنفوذ الأجنبي على المحاصيل المحلية والضغط الجغرافي-السياسي، تشير هذه النتيجة إلى أن المشاركين لا ينظرون إلى محدودية سيطرة المنطقة على سلسلة غذائها على أنها أمر عرضي، بل باعتبارها نتاج خيارات اتخذتها جهات خارجية.
هل تعتقد أن هناك خطة مقصودة للسيطرة على إمدادات الغذاء في الوطن العربي؟
"لا يرى المشاركون أن محدودية سيطرة المنطقة على غذائها أمرٌ فرضته الجغرافيا أو الأسواق — بل يرونه نتاج خيارات اتخذتها جهات أخرى."
خلاصة: سلسلة غذاء تتحكم أطراف خارجية في كل حلقاتها
في المحصلة، يشير الاستطلاع إلى سردية متسقة: يرى المشاركون أن سلسلة الغذاء في العالم العربي تتشكل إلى حد كبير بفعل جهات خارج المنطقة — من الشركات الموردة للبذور، إلى التجار الذين يحددون الأسعار، إلى الأسواق الأجنبية التي تجني ثمار النجاح المحلي — في حين يُنظر إلى المزارعين والمنتجين المحليين على أنهم يملكون نفوذًا محدودًا نسبيًا في أي مرحلة. يُحمّل المشاركون الحكومات مسؤولية عكس هذا المسار، لكنهم يبقون إلى حد كبير غير مقتنعين بأن موقع المنطقة سيتعزز دون تغيير متعمد في السياسات. وكقراءة مرجعية لاستطلاعات «اتجاهات الرأي العام» المقبلة، تقدم هذه النتائج علامة يمكن من خلالها تتبع ما إذا كانت تصورات التبعية الغذائية ستتعمق أو تستقر أو تبدأ في التراجع خلال السنوات المقبلة.