دبي — أصدر مركز الحبتور للأبحاث دراسة تاريخية شاملة حول مضيق هرمز بعنوان “عروبة مضيق هرمز: الاسم والأرض والإنسان”. وتتناول الدراسة أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم من منظور يتجاوز الاعتبارات المعاصرة المرتبطة بأمن الطاقة، لتستعرض عبر خمسة آلاف عام تاريخ التسمية، والتحولات الديموغرافية، والتطورات السياسية التي أسهمت في تشكيل هوية هذا الممر البحري ومحيطه الجغرافي.

 

وتخلص الدراسة إلى أن مضيق هرمز لم يكن، خلال معظم مراحل التاريخ المدوّن، خطًا فاصلًا بين فضاءين متمايزين، بل شكّل ممرًا بحريًا رابطًا بين ضفتيه، وظلت الغالبية الساحقة من سكانه الدائمين على الجانبين عربية الهوية والطابع، حتى خلال الفترات الممتدة التي مارست فيها إدارات إمبراطورية فارسية سيادة اسمية على ساحله الشمالي.

ملخص الدراسة

تنطلق الدراسة من ثلاثة أسئلة مترابطة تمثل جوهر الجدل الإقليمي المتعلق بمضيق هرمز، وتقدم إجابات عنها استنادًا إلى الأدلة الوثائقية والمعطيات الأثرية المتاحة. وفي جميع أجزائها، تعتمد الدراسة الاصطلاح الجغرافي المعمول به في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مستخدمةً تسمية “الخليج العربي” للإشارة إلى المسطح المائي الواقع غرب مضيق هرمز.

 

أصل تسمية “هرمز”

تستعرض تستعرض الدراسة أبرز الفرضيات المتعلقة بأصل التسمية وتُخضعها للتحليل والمقارنة. وتحدد أقدم إشارة موثقة إلى اسم “هرمز” في رواية نيارخوس، قائد أسطول الإسكندر الأكبر، الذي سجل عام 325 قبل الميلاد وجود إقليم ساحلي خصب كان سكانه المحليون يطلقون عليه بالفعل اسم “هارموزيا” (Harmozeia)، وذلك قبل نحو ألف عام من الأحداث التي يُربط بها أصل التسمية في بعض الروايات المتداولة.

 

وفي ضوء مجمل الأدلة المتاحة، ترجّح الدراسة أن اسم “هرمز” نتج عن تفاعل بين أصل ديني قديم وإعادة تفسير محلية لاحقة للتسمية، إذ ترى أن اسم “هرمز” نشأ في الأصل بوصفه إحالة دينية إلى “أهورا مزدا”، الإله الأعلى في الديانة الزرادشتية. وتوضح الدراسة أن الاسم مرّ بسلسلة موثقة من التحولات الصوتية عبر الزمن، بدءًا من “أهورا مزدا” (Ahura Mazdā)، ثم “أورامازدا” (Auramazdā)، فـ”أُهرمزد” (Ōhrmazd)، وصولًا إلى الصيغة المعروفة لاحقًا باسم “هرمز” (Hormoz).

 

ومع تراجع الدلالة الدينية للاسم عقب الفتوحات الإسلامية، أعادت المجتمعات المحلية تفسير التسمية المتوارثة من خلال التعبير الدارج “هور موج” (Hur-Mogh)، الذي يعني “ممر بساتين النخيل”، وهو وصف يعكس بدقة البيئة الساحلية التي اشتهرت بزراعة النخيل في المنطقة. وعلى هذا الأساس، وفّر الأصل الإمبراطوري الأساس الأول للتسمية، بينما أسهم التفسير المحلي المتداول في الحفاظ عليها واستمرار تداولها عبر القرون.

 

استمرارية الوجود العربي على ضفتي المضيق

تُعيد الدراسة بناء التاريخ الديموغرافي لساحلي مضيق هرمز منذ العصر البرونزي وحتى القرن العشرين. ويتمثل أحد مرتكزاتها الرئيسية في التمييز بين نمطين مختلفين جوهريًا من الحضور في المنطقة: حضور عربي كان سكانيًا ومجتمعيًا في جوهره، تجسد في قاعدة بشرية راسخة من القبائل البحرية وغواصي اللؤلؤ ومزارعي النخيل؛ وحضور فارسي اقتصر، حيثما وُجد، على الأبعاد الإدارية والعسكرية، وارتبط بمدى قوة السلطة المركزية، فكان حاضرًا حين تشتد قبضتها وغائبًا حين تضعف.

 

وتستعرض الدراسة سلسلة من الأدلة التي تدعم استمرارية الحضور العربي على ضفتي المضيق. فقد استقرت قبائل الأزد بصورة دائمة في عُمان منذ القرن الثاني الميلادي، بينما اقتصرت إدارة ولاية مزون الساسانية للساحل على شبكة محدودة من الحاميات العسكرية دون أن تقترن باستيطان واسع النطاق. وتجد هذه القراءة ما يعززها في الأدلة الأثرية، التي تشير إلى حالة من الركود الاقتصادي أكثر مما تشير إلى وجود استيطان فارسي كثيف.

 

كما تطرح الدراسة عملية التهجير القسري التي نفذها شابور الثاني بحق قبائل عربية عبر الخليج خلال القرن الرابع الميلادي بوصفها دليلًا عكسيًا على الغلبة الديموغرافية العربية في المنطقة. فاضطرار الدولة الفارسية إلى نقل جماعات عربية لتوطينها في الأراضي الشمالية يعكس، في تقدير الدراسة، حقيقة مفادها أن الطابع العربي للمنطقة كان راسخًا إلى درجة دفعت السلطة الفارسية إلى الاستعانة بسكان عرب لإعمار تلك المناطق وترسيخ وجودها السكاني.

 

وتعد مملكة هرمز في العصور الوسطى (نحو 1060–1622م) أبرز شاهد تاريخي على هذه الاستمرارية. فقد حكمت سلالة عربية ذات أصول عُمانية دولة بحرية ثرية على الساحل الإيراني، في حين تولّى إدارة شؤونها جهازٌ إداري غلب عليه الطابع الفارسي، لكنه ظل يعمل تحت سلطة حكام عرب وفي خدمة دولة عربية الهوية.

 

وفي ذروة ازدهارها، أصبحت مملكة هرمز إحدى أغنى المراكز التجارية في العالم، وقوة بحرية هيمنت على طرق التجارة والملاحة في المنطقة. وعندما سقطت عام 1622، لم يكن إسقاطها ممكنًا إلا عبر تحالف بين الدولة الصفوية وشركة الهند الشرقية الإنجليزية. وتؤكد الدراسة أن الكيان الذي أُطيح به آنذاك لم يكن سلالة فارسية، بل سلالة عربية أسست هذه الدولة وقادت ازدهارها لقرون.

 

ولم ينقطع هذا النمط مع دخول العصر الحديث، إذ بسط القواسم في الشارقة ورأس الخيمة سلطتهم على ميناء بندر لنجة الواقع على الساحل الإيراني، فيما استأجر سلطان عُمان بندر عباس وجزيرة قشم. وفي شمال الخليج العربي، استمر نفوذ بني كعب وإمارة المحمرة حتى أُلحقت أراضيهم بالقوة بالدولة الإيرانية خلال القرن العشرين.

 

وتبين الدراسة أن ما كان يربط ضفتي المضيق، بعيدًا عن تعاقب السلالات الحاكمة وتبدل السلطات السياسية، هو اقتصاد بحري مشترك شكّل اللؤلؤ ركيزته الأهم. وقد أوجد هذا الواقع فضاءً اجتماعيًا موحدًا على جانبي المضيق، حيث شكّلت الروابط والانتماءات القبلية الإطار الرئيس للهوية، أكثر من الانتماء إلى الإمبراطوريات أو الخضوع لسلطتها السياسية.

 

ومع انهيار اقتصاد اللؤلؤ الطبيعي في مطلع القرن العشرين، كانت المجتمعات العربية على الساحل الإيراني من بين أولى الجماعات التي عادت إلى الضفة العربية للخليج. ولم تحمل هذه المجتمعات معها السكان فحسب، بل نقلت أيضًا خبراتها البحرية والتجارية، وشبكاتها الاقتصادية، ورؤوس أموالها، وهي المقومات التي أسهمت لاحقًا في ترسيخ النخب التجارية التي شكّلت أحد المرتكزات الرئيسية للاقتصادات الخليجية الحديثة.

 

وتشير الدراسة كذلك إلى شواهد حية على هذه الاستمرارية التاريخية، من بينها قبائل الهولة العربية التي استقرت على الساحل الفارسي قبل أن تعود بأعداد كبيرة إلى شبه الجزيرة العربية، وقبائل الشحوح في شبه جزيرة مسندم، فضلًا عن اللغة الكمزارية. وتُعد الكمزارية اللغة الوحيدة في شبه الجزيرة العربية ذات البنية النحوية المنحدرة من أصول إيرانية، فيما تعكس طبيعتها العربية–الفارسية المختلطة، كما وثقتها الدراسات اللغوية الميدانية الحديثة، قرونًا من التفاعل والتبادل المستمر عبر مضيق هرمز.

 

معركة ذات السلاسل في سياقها التاريخي الصحيح

تضع الدراسة معركة ذات السلاسل (633م)، التي هزم فيها القائد المسلم خالد بن الوليد القائد الساساني هرمز وقتله، في موضعها الزمني الصحيح ضمن تسلسل الأحداث التاريخية، أي بعد انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية مباشرة وقبيل فتح العراق. ومن خلال ذلك، تصحح الدراسة أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا، والمتمثل في الاعتقاد بأن مضيق هرمز استمد اسمه من هذا القائد الساساني.

 

وتستند الدراسة في دحض هذا الاعتقاد إلى ثلاثة أدلة رئيسية. أولها أن اسم “هرمز” كان موثقًا قبل المعركة بما يقارب ألف عام. وثانيها أن القائد الساساني هرمز نفسه حمل اسمًا مشتقًا من الإله الزرادشتي “أهورا مزدا”، وهو الاسم الذي حمله أيضًا خمسة من ملوك الدولة الساسانية. أما الدليل الثالث، فيتمثل في أن التسمية كانت معروفة لدى الجغرافيين الكلاسيكيين قبل قيام الدولة الساسانية أصلًا. وتخلص الدراسة إلى أن معركة ذات السلاسل لم تكن مصدر اسم المضيق، بل مثلت سقوط آخر حاجز عسكري فارسي على ساحل ظل محتفظًا بطابعه العربي على امتداد تاريخه.

 

المنهجية والمصادر

تستند الدراسة إلى مجموعة واسعة من المصادر الأولية والنصوص الكلاسيكية، من بينها الروايات التي حفظها أريانوس عن نيارخوس، إلى جانب مؤلفات المؤرخ الطبري، كما تعتمد على أبرز الدراسات الأكاديمية المحكمة في هذا المجال. وتشمل هذه المراجع “الموسوعة الإيرانية” (Encyclopædia Iranica)، وأعمال تورج دريايي، ودي. تي. بوتس، وفاليريا بياتشنتيني، وديريك كينيت حول أواخر العصور القديمة، وسلسلة الدراسات التي وضعها ويليم فلور عن الخليج العربي، وأبحاث جان أوبان المتخصصة في تاريخ العصور الوسطى، فضلًا عن الدراسات اللغوية الميدانية التي أجراها فان دير فال أنونبي حول اللغة الكمزارية. كما تضم الدراسة خرائط ورسومًا توضيحية وجداول مقارنة أُعدّت خصيصًا لهذا العمل، إضافة إلى تسلسل زمني موحد وقائمة مراجع أكاديمية شاملة.

 

“لم يكن مضيق هرمز، بأي معيار ديموغرافي معتبر، حدودًا تفصل بين عالم عربي وآخر فارسي. فقد ظل سكانه الدائمون على ضفتيه عربًا على امتداد التاريخ المدوّن، بينما اقتصر النفوذ الفارسي، حيثما وُجد، على سلطة سياسية وإدارية كانت تتسع أو تنحسر تبعًا لقوة مركزها البعيد. ومن ثم، فإن التقسيم القومي الصارم الذي يُسقط اليوم على المضيق لا يمثل، في منظور تاريخه الطويل، القاعدة التي حكمت هذا الفضاء، بل استثناءً طارئًا عليه.”

 

-النهاية-