ابق على علمٍ بأحدث الأبحاث والتحليلات من خلال المنشورات والدوريات والإصدارات الخاصة ومنشورات الفعاليات التي نصدرها، حيث تقدم تعليقات الخبراء لدينا رؤى قيمة حول العديد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
شهدت منطقة الشرق الأوسط تغيرات عميقة في طبيعتها الأمنية والجيوسياسية عقب الأحداث الكبرى التي بدأت مع السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣ وامتدت وتيرتها حتى عام ٢٠٢٦. وفي قلب هذه التغيرات، برز تحول جذري في العقيدة العسكرية الإسرائيلية. فبعد أن كانت إسرائيل تعتمد لسنوات طويلة على الهجمات الاستباقية السريعة والتقنيات العالية للدفاع عن بُعد دون الحاجة للسيطرة الدائمة على أراضٍ جديدة، تسببت الاختراقات غير المسبوقة لحدودها في تغيير هذه الاستراتيجية تماماً. فقد اتجهت إسرائيل اليوم نحو السيطرة الفعلية والمادية على أجزاء من الأراضي العربية، وبدأت في بناء حزام واسع ومتصل من المناطق العازلة، شمل قطاع غزة في الجنوب، وجنوب لبنان في الشمال، وصولاً إلى هضبة الجولان السورية.
تاريخياً، كانت المناطق العازلة تُعرف بأنها مساحات هادئة ومنزوعة السلاح تهدف إلى الفصل بين الأطراف المتنازعة لمنع الاحتكاك. لكن إسرائيل أعادت صياغة هذا المفهوم كلياً، وحوّلت هذه المناطق إلى أدوات للسيطرة الأمنية المطلقة. وتهدف من خلال ذلك إلى خلق مساحات عسكرية محصنة تمنحها عمقاً استراتيجياً، وتقضي على التهديدات الحدودية والأنفاق، وتُبعد ساحة المعركة تماماً عن مدنها ومراكزها السكانية. ورغم وضوح هذه الأهداف، إلا إن هذا التوجه يضع المخططين العسكريين الإسرائيليين أمام ورطة حقيقية؛ فإبقاء قوات كبيرة من المشاة والمدرعات بشكل دائم داخل مناطق معادية ومضطربة، يهدد بتحويل هذه الأحزمة التي يُفترض بها أن تكون آمنة إلى ساحات استنزاف عسكري مستمر ومكلف. وينطلق هذا التحليل ليطرح تساؤلاً جوهرياً ومحورياً: هل تُمثل هذه الأشرطة الحدودية طوق أمان حقيقي يضمن بقاء إسرائيل وأمنها على المدى الطويل، أم أنها تحولت بالفعل إلى فخ يستنزف قدراتها يوماً بعد يوم؟
يرتكز الاقتصاد العالمي المعاصر على بنية تحتية رقمية ومادية متداخلة، حيث تعتمد استمرارية الأسواق الدولية على شبكة من كابلات الألياف الضوئية البحرية يبلغ طولها الإجمالي نحو ١,٣ مليون كيلومتر. تتولى هذه المنظومة الاستراتيجية نقل ما يتراوح بين ٩٥-٩٩٪ من حركة الاتصالات الرقمية العابرة للقارات، وتوفر القاعدة الأساسية لتسوية تحويلات مالية يومية تقارب قيمتها ١٠ تريليونات دولار. وفي حين تركزت التحليلات الجيوسياسية تاريخياً على تأمين الممرات المائية السطحية لضمان التدفق المستمر لموارد الطاقة التقليدية، أثبتت التحولات الراهنة أن استدامة النظام الاقتصادي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن هذه الشبكات المغمورة.
وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح تام في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب والبحر الأحمر، حيث تتطابق المسارات الجغرافية الحاكمة لحركة التجارة وسلاسل إمداد الطاقة مع خطوط عبور البيانات العالمية. ويمثل مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه ٢١ ميلاً بحرياً، النقطة المحورية لهذا التداخل، إذ يمر عبره قرابة ٢١ مليون برميل من النفط الخام وثلث إمدادات الغاز الطبيعي المسال يومياً، وبالتوازي مع ذلك، يمر عبر قاعه ١٧ نظاماً من الكابلات البحرية التي تنقل نحو ٣٠٪ من إجمالي حركة الإنترنت الدولية، ويؤدي هذا التركز المكاني الكثيف للبنى التحتية المادية والرقمية في نطاق جغرافي ضيق إلى خلق انكشاف أمني بالغ الخطورة، مما يعرض الاقتصاد العالمي لمخاطر منهجية متصلة بالتوترات الإقليمية.
وقد تحولت هذه المخاطر الهيكلية من نطاق التقييمات النظرية إلى واقع ميداني إثر اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في مطلع عام ٢٠٢٦ بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ضمن العمليات التي عُرفت باسم "الغضب الملحمي". أفرزت هذه المواجهات تغيراً جذرياً في العقيدة العسكرية الإيرانية؛ ففي ظل التحديات التي واجهت قدراتها العسكرية التقليدية لإعاقة حركة النقل السطحي للطاقة، برز توجه استراتيجي جديد يعتمد على التهديدات غير المتماثلة، ويتمثل هذا التطور النوعي في الانتقال من التلويح التقليدي بإغلاق الممرات الملاحية أمام ناقلات النفط، إلى استهداف شبكات كابلات الإنترنت البحرية وتوظيف إتلافها المتعمد كأداة للردع والضغط الجيوسياسي. ويعكس هذا التحول استغلالاً مدروساً لنقاط الضعف المادية الكامنة في البنية التحتية المدنية لتعويض الاختلال في موازين القوى، مما ينذر بتداعيات تتجاوز حدود النزاع الإقليمي لتؤثر بشكل مباشر على أسس الاقتصاد الرقمي في بيئة تتسم بتصاعد الحروب الهجينة وعسكرة المجال البحري.
كما يفرض هذا النمط المستحدث من التهديدات واقعاً يُصنف أكاديمياً بمفهوم الأزمة المزدوجة والمتزامنة، وهو مسار يؤدي فيه القطع المنهجي للكابلات البحرية إلى شلل في سلاسل إمداد الطاقة العالمية وتدهور حاد في البنية التحتية الرقمية عبر مناطق الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأوروبا في آن واحد، وتتجاوز التداعيات المباشرة لهذا السيناريو مجرد انقطاع خدمات الاتصالات عن الأفراد، لتمتد مسببة إرباكاً تاماً لأنظمة المقاصة المالية الإلكترونية التي تدير استثمارات صناديق الثروة السيادية، وشللاً في مراكز القيادة والتحكم الرقمية التابعة لتكتلات الطاقة الحكومية. كما يترتب على هذا الاستهداف تعطيل شبكات القيادة والسيطرة العسكرية، وقطع قنوات الاتصال الضرورية لإدارة الملاحة البحرية وإعادة توجيه السفن أثناء الأزمات، فضلاً عن تقويض البنى التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية التي تعتمد عليها دول المنطقة في استراتيجيات التنويع الاقتصادي.
وتستند واقعية هذه التهديدات إلى سوابق مادية حديثة أثبتت الانكشاف الفعلي لهذه المنظومة، أبرزها الأعطال التي لحقت بكابلات البحر الأحمر إثر غرق السفينة روبيمار في عام ٢٠٢٤، وما تبعها من انقطاعات متعددة للخطوط في المنطقة ذاتها خلال شهر سبتمبر من عام ٢٠٢٥، مما يؤكد هشاشة هذه الشبكات أمام الحوادث العارضة والعمليات التخريبية المتعمدة.
وتأسيساً على هذه المعطيات الاستراتيجية والاقتصادية المعقدة، تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومفصل للتبعات المترتبة على هجوم واسع النطاق يستهدف البنية التحتية للاتصالات البحرية في الخليج العربي. عبر فحص القدرات التقنية والعسكرية المتاحة للجانب الإيراني لتنفيذ عمليات التخريب المادي تحت سطح البحر، وتحليل الدوافع الاستراتيجية الكامنة وراء هذا التصعيد غير المتماثل. ومن خلال دمج السوابق التاريخية القريبة مع البيانات المحدثة حول مستويات الاعتماد الرقمي الإقليمي والدولي للوقوف على حجم الخسائر المتوقعة في حال تنفيذ هذا السيناريو.
تفرض ظاهرة الهجرة المناخية تحدياتٍ جيوسياسية وإنسانية متشابكة، مُلقيةً بضغوطٍ متزايدة على الدول في مختلف مراحل سلسلة الهجرة. ووفقًا لتقريرٍ صادرٍ عن البنك الدولي، يُتوقّع أن تُجبر التغيرات المناخية القاسية، وما يترتب عليها من كوارث طبيعية تشمل موجات الحرّ الحادة، والجفاف الممتد، وتراجع المحاصيل، والفيضانات المدمرة، نحو 143 مليون شخص في دول الجنوب العالمي على النزوح القسري بحلول عام 2050. وتُفرز هذه الكوارث أخطاراً جسيمة، لا سيّما في الدول النامية التي تعاني أساساً من ضعفٍ بنيويٍّ في خدماتها الأساسية ومواردها المالية المحدودة، وهو واقعٌ يدفع غالبية سكانها إلى العيش تحت خط الفقر. وفي ظل هذا السياق المأزوم، تتصاعد موجات الهجرة المناخية بشكلٍ ملحوظٍ نحو دول الشمال، حيث يبحث الأفراد عن ظروفٍ معيشيةٍ أكثر استقراراً وأمناً، هرباً من تداعياتٍ تُفاقم هشاشة أوطانهم الأصلية وتُهدد مقومات بقائهم.
تحتل منطقة شمال أفريقيا، بحكم موقعها الجغرافي الرابط بين الجنوب العالمي وأوروبا، محورَ عبورٍ استراتيجيًّا لهؤلاء المهاجرين، فيما يُمثّل جنوب أوروبا البوابة الأساسية للدخول إلى دول الشمال العالمي. وتُلقي هذه الضغوط المتزايدة للهجرة المناخية بظلالها الثقيلة على كلتا المنطقتين، مُولّدةً بيئةً خصبةً لاضطراباتٍ محتملةٍ قد تمتد آثارها عبر ضفتي البحر الأبيض المتوسط، بما يُهدد استقرار التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القائمة. وفي محاولةٍ لإدارة هذه التدفقات المتصاعدة، تنخرط "دول المقصد" الأوروبية في تفاعلاتٍ معقدة مع "دول العبور" ضمن إطار ما يُعرف بـ "دبلوماسية الهجرة". وتقوم هذه الاستراتيجية على منح دول المقصد حوافز متنوعة، تشمل تسهيلات التأشيرات وفرصاً استثمارية، لدول العبور، مقابل تبني الأخيرة إجراءاتٍ فعالة لاحتواء المهاجرين غير النظاميين القادمين من أراضيها وتشديد الرقابة على حدودها، بينما يُقدَّم دعمٌ اقتصادي واستثماري موازٍ لدول المنشأ بهدف معالجة الأسباب الجذرية للظاهرة.
وعلى الرغم من أن هذه الأساليب الدبلوماسية قد تُحقّق نجاحاً نسبياً في حالاتٍ معينة، أثبتت التجارب المتكررة قصورها في مواقف عديدة. ومع التفاقم المتوقع للاضطرابات المناخية، يُتوقع أن تتزايد موجات الهجرة الناتجة عن تغير المناخ، بما يُنذر بتآكل فعالية تلك الأدوات تدريجياً وصولاً إلى انعدام جدواها، وهو ما سيُحتّم على دول المقصد ابتكار آلياتٍ أكثر فاعلية واستدامة. وتُشير الدلائل إلى احتماليةٍ مرتفعةٍ لحدوث تداعياتٍ جسيمة تطال الجانبين؛ إذ قد تواجه دول العبور ضغوطاً متنامية على مواردها المالية تفوق قدرتها الحالية، بالتوازي مع تصاعدٍ ملموسٍ في حجم التهديدات الأمنية. وفي المقابل، قد تشهد دول الدخول تفاقماً في الأعباء الاقتصادية، وتوتراتٍ سياسية، واحتداماً في الاستقطابات الثقافية، بما يمنح التيارات اليمينية المتطرفة زخماً متزايداً قد يُفضي إلى تغييراتٍ جوهرية في بنية الاتحاد الأوروبي. وبذلك، تُنذر الهجرة المناخية بالتحول إلى تهديدٍ بالغ الخطورة على الاستقرار الإقليمي ما لم تُعتمد إجراءاتٌ فعالة وتنسيقٌ مشترك لاحتواء آثارها.
وعليه، تستعرض هذه الورقة البحثية الأثر المزعزع للاستقرار الذي قد تُخلّفه الهجرة الناجمة عن التغير المناخي على دول العبور في شمال أفريقيا ودول الدخول في جنوب أوروبا. وتنقسم الورقة إلى أربعة محاور رئيسية، هي: تدهور المناخ، والانعكاسات على دول العبور، والانعكاسات على دول الدخول، والحلول المقترحة. وتتناول الورقة التداعيات الاقتصادية والسياسية والأمنية المترتبة على هذه الظاهرة، مُؤكدةً الحاجة إلى تبني تدابير مخصصة تتلاءم مع أوضاع الدول المتضررة. وتخلص إلى ضرورة أن يُقدم الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تعزيز حلول الصمود والإنذار المبكر، حوافز أكثر جاذبية لدول شمال أفريقيا، وأن تُصاغ المقترحات بما ينسجم مع الواقع الفعلي والمتطلبات الاقتصادية والأمنية للدول الأفريقية، بما يُسهم في بناء شراكاتٍ متوازنة تُعالج جذور المشكلة بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
يواجه لبنان اليوم مفترق طرق حاسم يهدد سيادته الوطنية بشكل مباشر، ويتجلى هذا التحدي في قضية حصر سلاح حزب الله. ففي الخامس من أغسطس 2025، أصدرت الحكومة اللبنانية قرارًا مهمًا يكلف القوات المسلحة بوضع خطة لإرساء احتكار الدولة للأسلحة، بحيث يقصر حمل السلاح على مؤسسات الدولة فقط، تنفيذًا لاتفاق وقف الأعمال العدائية مع إسرائيل، مع الالتزام بتنفيذ الخطة قبل نهاية العام الجاري. ويُعتبر هذا القرار نقطة تحول استراتيجية تضع حزب الله أمام خيارات معقدة، ما بين نزع السلاح الطوعي، أو التوجه نحو التحول السياسي، أو مواجهة عسكرية مباشرة مع الجيش اللبناني.
أما حزب الله، فيرفض هذا القرار بوصفه خطيئة كبرى، مهددًا بتجاهله، واعتبار نزع السلاح تهديدًا مباشرًا لمقاومة لبنان في مواجهة العدوان الخارجي. ويواجه القرار تحديات جمة نظرًا للدعم الشعبي والسياسي الكبير الذي يحظى به الحزب، بالإضافة إلى المناورات السياسية الرامية إلى عرقلة تنفيذ أي إجراءات تستهدف سلاحه. وفي ظل هشاشة النظام السياسي والطائفي في لبنان، تبرز مخاطر كبيرة من اندلاع مواجهة تؤدي إلى تصاعد الاحتقان الداخلي وزعزعة الاستقرار الأمني، مما يجعل أي صدام عسكري مباشر بين الجيش وحزب الله محفوفًا بالمخاطر، مع احتمال تفاقم الانقسامات الطائفية واتساع دائرة العنف. فهل سيتمكن الجيش اللبناني من مواجهة حزب الله؟
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعاظم التهديدات، يصبح من غير الكافي أن نكون شهودًا على الكوارث بعد وقوعها، بل تصبح الحاجة ماسة إلى الرؤية الاستباقية، والتحرك قبل أن تدق ساعة الخطر. من هنا، يأتي هذا الإصدار الدوري من مركز الحبتور للأبحاث، تحت عنوان “سفينة نوح”، ليكون بمثابة جرس إنذار مبكر، ودعوة للاستعداد قبل فوات الأوان.
ولم يكن اختيار اسم “سفينة نوح” عنواناً لهذا العدد من قبيل المصادفة، فكما كانت تلك السفينة رمزًا للنجاة المبكرة من طوفان اجتاح العالم، نأمل أن يكون هذا الإصدار بمثابة سفينة معرفية تحمل في طياتها وعيًا مبكرًا بالمخاطر، ورؤية استراتيجية لمواجهتها والتأقلم معها. إنه محاولة لتجاوز ردود الفعل المتأخرة نحو بناء قدرة حقيقية على الاستباق والتخطيط والنجاة.
يندرج هذا العمل ضمن سلسلة الإصدارات الدورية التي يحرص مركز الحبتور للأبحاث على تقديمها، بوصفه مركز فكر عربي مستقل، يتبنى مقاربة تقوم على الإنذار المبكر واستشراف التهديدات الكبرى التي قد تطال الوطن العربي، سواء كانت ناتجة عن عوامل طبيعية، أو بفعل التطورات السياسية والتكنولوجية والصراعات الإقليمية والدولية.
وفي هذا العدد، نخوض تجربة غير تقليدية، حيث نسلط الضوء على أنماط من المخاطر التي لم تحظَ باهتمام كافٍ من قبل مراكز الفكر في العالم العربي، رغم أنها تحمل في طياتها تهديدات وجودية حقيقية. فنحن لا نتناول فقط المخاطر الأمنية والسياسية المألوفة، بل نذهب إلى أبعد من ذلك، نحو ملفات قلّما تجد طريقها إلى الأجندات البحثية العربية، ومنها: البراكين والكويكبات والعواصف الشمسية والتهديدات القادمة من الفضاء الخارجي، وما يمكن أن تمثله من أخطار على الحياة على الأرض والمنطقة العربية، كذلك المخاطر النووية، سواء تلك الناجمة عن الحروب، أو عن حوادث تسرب إشعاعي، أو حتى كسيناريوهات محتملة مرتبطة بالهجمات السيبرانية على منشآت نووية، كما يتطرق أيضا إلى الأوبئة والجوائح، ليس فقط من زاوية انتشار الأمراض، بل من حيث آثارها الهيكلية على الاقتصادات والمجتمعات، وارتباطها بتحولات النظام العالمي.
إن هذا الإصدار لا يدّعي امتلاك الإجابات النهائية، لكنه يطمح لأن يكون خطوة أولى نحو بناء وعي جمعي أكثر حساسية للمخاطر، وأكثر قدرة على الاستعداد لها. فالمعرفة، حين تكون مبكرة، تتحول إلى قوة. والاستشراف، حين يكون دقيقًا، يتحول إلى أداة إنقاذ.
نضع بين أيديكم هذا العمل في وقت دقيق، ونأمل أن يسهم في فتح نوافذ جديدة للنقاش والتخطيط، وأن يكون مدخلًا لتعاون عربي أوسع في مجال رصد المخاطر وبناء أنظمة فعّالة للإنذار المبكر.
تعكس المعلومات الواردة في هذا الإصدار الوضع القائم حتى مايو 2025. نُلفت عنايتكم إلى أن التطورات قد تطرأ بسرعة، مما قد يجعل بعض التفاصيل الواردة قديمة أو غير محدثة منذ ذلك التاريخ.
تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في اللحظة الراهنة على مفترق طرق، وتمر بلحظة حاسمة ستتشكل وفقا لها اتجاهات التفاعلات والعلاقات بين الدول، ومستقبل الأمن الإقليمي الذي مر بتهديدات حاسمة خلال الفترة القليلة الماضية، لذا يحاول الإصدار الراهن الذي أعده فريق من الباحثين المتمرسين بمركز الحبتور للأبحاث استشراف تلك التهديدات التي تواجه المنطقة ورسم خريطة سياسية واقتصادية وأمنية لشكل المنطقة خلال السنوات القادمة، وذلك من خلال مجموعة من التحليلات التي تتطرق للتحديات الجيواقتصادية وتأثيراتها على مستقبل المنطقة في ظل موجة التغيرات الكاسحة التي يشهدها النظام العالمي من ملامح صراعات اقتصادية أثرت وتتأثر بما يحدث من تصعيد أمني وعسكري، والذي خلف تغييراً في خريطة القوى الدولية ومن المتوقع أن يغير بصورة كبيرة ملامح النظام العالمي الحالي، هذا بالإضافة إلى ما خلفته حالة عدم اليقين القائمة على مخاطر تهدد المستقبل الاقتصادي للدول وتعوق أبرز وأهم ممرات وطرق التجارة الحيوية مثل قناة السويس ومضيقي باب المندب و هرمز، وهي الممرات التي تلعب دوراً هاماً ومحورياً في أمن الطاقة العالمية والتجارة الدولية، حيث بدت ملامح هذه المهددات فيما شهدناه من تهديدات وتوترات في البحر الأحمر ، ما أثار العديد من المخاوف من حدوث اضطرابات محتملة يمكن أن تتصاعد لتصل إلى مواجهات عسكرية أوسع نطاقًا، كما يتناول الإصدار أيضا الحدود الجديدة للحرب، ممثلة فيما يفرضه الفضاء السيبراني من تغييرات في شكل واستراتيجيات الحروب، وبالتالي في أنماط وطرق التسلح والردع التي لا زال الإقليم يقف على مسافة بعيدة منها فيما يتعلق بالاستعداد للمواجهة واستباق هذا النوع من التهديدات في الوقت الذي تعد فيه المنطقة هدفاً جاذباً للهجمات الإلكترونية والحروب غير التقليدية.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من عدم استقرار وتصاعد التوترات السياسية والأمنية التي خلفت أزمات إنسانية طاحنة برز تحدي الهجرة كمحدد محرك لمستقبل المنطقة، وعلى رأس هذه التوترات تأتي الحرب الأهلية في السودان، وحالة عدم الاستقرار في لبنان، والحرب في غزة، وقبلها تصاعد واستمرار تأزم الأوضاع الداخلية في سوريا وليبيا والعراق واليمن، وما خلفه كل ذلك من تحديات لدول الجوار وما خلفه أيضا من تأثيرات عميقة على ديناميكيات الهجرة في الإٍقليم وما ستخلفه من تأثيرات أمنية وسياسية حاسمة خلال الفترة القادمة، وما يمكن أن تمثله تحديات الهجرة أيضا من نقاط ضعف ومداخل لفرض أجندات خارجية على الدول المستقبلة للمساعدات، وفي نفس السياق تأتي التحديات المرتبطة بالمناخ في المنطقة والتي تدفع أيضا جهات فاعلة خارجية لفرض أجندتها ورهن ما تقدمه من دعم ومساعدات لمواجهة التغيرات المناخية بتغييرات وأجندات سياسية وأمنية تفرض أولويات مختلقة لدول الإقليم وتهدد استقراره.
وفي النهاية يمثل الإصدار الحالي ثمرة عصف ذهني عميق وبحث تم على مدى فترة زمنية ممتدة بين فريق العمل والعديد من الخبراء والمتخصصين لمحاولة إصدار استشراف منظم لمستقبل منطقة تعاني من الفوضى التي يصعب معها بناء نماذج تنبؤية حاسمة لما يمكن أن تكون عليه الأوضاع خلال السنوات القادمة، ولأننا نعمل في مركز الحبتور للأبحاث بدأب لمحاولة إلقاء المزيد من الضوء على المناطق المعتمة وخاصة ما يتعلق منها بالأزمات المتوقعة والمخاطر المحتملة قمنا بإعداد هذا الإصدار ضمن سلسلة من المخرجات البحثية التي تهدف بصورة أساسية إلى المساهمة في خلق مستقبل أفضل وأكثر استقراراً للمنطقة المحاصرة بالتهديدات.
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري عليه خلاف، ولا مجرد نقطة صراع متكررة بين إيران والولايات المتحدة، بل تحول إلى ساحة أساسية لاختبار معنى السيادة في المنطقة. فبينما تصر واشنطن على اعتبار المضيق ممراً دولياً تحكمه قواعد حرية الملاحة، يتعامل الحرس الثوري الإيراني معه كمنطقة سيادية تخضع لإدارته المباشرة، وتخضع لقواعد عسكرية يفرضها هو على أرض الواقع. ومن هنا، فإن أساس الأزمة لم يعد يتركز على سؤال: "هل المضيق مفتوح أم مغلق؟"، بل أصبح السؤال الأهم: ما هو مستقبل المضيق في ظل المفاوضات الجارية؟
وتكشف التطورات الأخيرة، خاصة بعد تلويح الحرس الثوري الإيراني بإغلاق المضيق رداً على ما سماه انتهاك ببنود مذكرة التفاهم وخاصة فيما يتعلق بالحالة اللبنانية بعد أيام من توقيع مذكرة التفاهم، أن المشكلة لم تُحل، بل زاد تعقيدها. فقد تعاملت المذكرة مع المضيق كمسألة فنية يمكن إدارتها عبر ترتيبات للفتح والعبور لمنع الاحتكاك، بينما تعامل الحرس الثوري معه كرمز للسيادة والقوة وحق وضع القواعد. هذا الاختلاف جعل التفاهم نفسه عاجزاً عن إنهاء النزاع الحقيقي؛ لأن الخلاف بين الطرفين ليس على تفاصيل الإجراءات، بل على من يملك السلطة لاتخاذ هذه الإجراءات من الأساس.
وعلى الرغم من اتفاق الولايات المتحدة وإيران على إعادة فتح مضيق هرمز فوراً عقب توقيع الاتفاق المبدئي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية قبل الحرب. فتنفيذ هذا البند يواجه تحديات معقدة تتعلق بآلية إعادة تشغيل الممر الملاحي، والترتيبات اللازمة لاستئناف حركة السفن، والقيود التي قد تستمر خلال فترة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على الاتفاق النهائي، فضلاً عن الخلاف حول الجهة التي ستتولى تنظيم وإدارة حركة المرور البحري داخل المضيق. وتكشف هذه التحديات أن إعادة فتح المضيق قد تتحول إلى إحدى أكثر نقاط الاتفاق تعقيداً، في ظل استمرار التباين بين الرؤية الأمريكية والإيرانية بشأن مستقبل السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي.
لذلك، لا تبدو أزمة هرمز مجرد أزمة حدود أو عبور سفن، بل هي أزمة سلطة: سلطة من يضع القواعد، ومن يفرض الاستثناءات، ومن يملك الكلمة الأخيرة ليقرر ما إذا كان هذا الممر مفتوحاً، أو مغلقاً، أو مشروطاً. ولهذا السبب، لا يجب النظر إلى قضية المضيق اليوم كملف جانبي في الصراع الأمريكي-الإيراني، بل يجب اعتبارها من أهم القضايا التي تشكل وتغير مفهوم السيادة، سواء داخل إيران نفسها، أو في شكل العلاقة بين القوى الإقليمية والدولية.
يُنظر إلى مضيق هرمز اليوم بوصفه أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يعبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا، إلى جانب حصة مماثلة تقريبًا من تجارة الغاز الطبيعي المسال. غير أن أهمية هذا المضيق لا تنبع من موقعه في منظومة الطاقة العالمية فحسب، بل تمتد إلى كونه أحد أكثر الفضاءات التاريخية إثارةً للجدل في الخليج العربي، حيث تتقاطع عنده قضايا الهوية والسيادة والشرعية التاريخية.
تنطلق هذه الدراسة من ثلاثة أسئلة مترابطة تشكل جوهر النقاشات التاريخية المرتبطة بالمضيق. يتمثل السؤال الأول في أصل تسمية "هرمز"، حيث تستعرض الدراسة الفرضيات الرئيسة المتعلقة باشتقاق الاسم، وتخضعها للتحليل والمقارنة، وصولًا إلى ترجيح تفسير يجمع بين الأصل الديني المرتبط بـ "أهورا مزدا" واستمرار التسمية من خلال إعادة تأويلها محليًا في البيئة العربية للمضيق. أما السؤال الثاني، فيتعلق بالبنية السكانية للمنطقة عبر الزمن؛ إذ تعيد الدراسة بناء التاريخ الديموغرافي للمضيق وسواحله استنادًا إلى الأدلة النصية والأثرية واللغوية، لتخلص إلى أن الحضور العربي شكّل القاعدة السكانية المستمرة على ضفتيه عبر التاريخ المدوّن، في حين ارتبط الحضور الفارسي، في معظم مراحله، بأدوار سياسية وإدارية وعسكرية تعاظمت أو انحسرت تبعًا لقوة الدولة المركزية. ويتناول السؤال الثالث موقع معركة ذات السلاسل في تاريخ المضيق، حيث تضعها الدراسة في سياقها الزمني الصحيح، وتفند الاعتقاد الشائع الذي يربط اسم المضيق بالقائد الساساني هرمز، مؤكدة أن التسمية أقدم من تلك الأحداث بعدة قرون.
وتخلص الدراسة إلى نتيجة رئيسة مفادها أن مضيق هرمز لم يكن، في أي مرحلة ذات دلالة سكانية، حدًا فاصلًا بين عالم عربي وآخر فارسي، بل شكّل عبر آلاف السنين فضاءً بحريًا للتواصل والحركة والتبادل بين ضفتيه. وعلى الرغم من تعاقب قوى وإمبراطوريات فارسية مارست أشكالًا متفاوتة من النفوذ والسيطرة على أجزاء من المنطقة، فإن القاعدة السكانية المستقرة على جانبي المضيق ظلت عربية في جوهرها واستمراريتها التاريخية. ومن هذا المنطلق، تدعو الدراسة إلى التمييز بين التاريخ الديموغرافي للمنطقة وتاريخ السلطات التي تعاقبت على حكمها، بوصفه مفتاحًا أساسيًا لفهم تاريخ مضيق هرمز والخليج العربي على نحو أكثر دقة واتساقًا مع الأدلة المتاحة.
تحولت صناعة المراهنات الإلكترونية من قطاع ترفيهي محدود إلى منظومة رقمية عالمية تتجاوز قيمتها 120 مليار دولار أمريكي، لتصبح ثغرة هيكلية خطيرة في البنية المالية العالمية تستغلها عصابات الجريمة المنظمة والجهات المعادية التابعة للدول في عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتهرب من العقوبات الدولية، حيث توفر أحجام المعاملات الهائلة عبر الكازينوهات الرقمية ومنصات المراهنات الرياضية وأسواق التنبؤ طبقة مثالية من التعتيم المالي، بينما تستغل مجموعات القرصنة المدعومة من دول مثل كوريا الشمالية والصين هذا القطاع لتوليد إيرادات استراتيجية تمول برامج الأسلحة الخاضعة للعقوبات وجمع المعلومات الاستخباراتية عبر اختراق قواعد البيانات الحساسة التي تضم ملايين السجلات الشخصية والمالية والبيومترية، وتتباين الأطر القانونية المنظمة للمراهنات الإلكترونية عالمياً بين التنظيم الصارم في أوروبا والحظر الكامل في الشرق الأوسط مما يخلق مناطق رمادية تستغلها المنصات الخارجية المسجلة في ملاذات ضريبية كمالطا وكوراساو وجبل طارق لاستهداف أسواق محظورة، بينما تواجه منطقة آسيا والمحيط الهادئ تحديات أمنية حادة نتيجة سيطرة عصابات الجريمة المنظمة على شبكات واسعة من الكازينوهات الافتراضية والمصارف الموازية التي تحول مليارات الدولارات عبر العملات المشفرة، وتتجاوز تداعيات هذا القطاع الجوانب الاقتصادية لتشمل تهديدات اجتماعية خطيرة تتمثل في ارتفاع معدلات الإفلاس الفردي والإدمان على المقامرة وخاصة بين القصر عبر صناديق الغنائم والرياضات الإلكترونية، كما يساهم استنزاف العملات الأجنبية عبر هذه المنصات في زعزعة استقرار الاقتصادات الناشئة وتضخيم حجم الاقتصاد غير الرسمي الذي يمثل ما بين 11% و20% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
في الثاني من مايو، أعاد تفشٍ لفيروس الأنديز، أحد سلالات فيروس هانتا، على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي إحياء المخاوف المرتبطة بالتهديدات الوبائية الناشئة، بعدما أسفر عن إصابات ووفيات أعادت الفيروس إلى واجهة الاهتمام الصحي العالمي. وبينما لا يزال فيروس هانتا يُصنَّف ضمن الفيروسات محدودة الانتقال بين البشر، فإن طبيعة الحادثة وما رافقها من مخاوف بشأن سرعة الاحتواء وإدارة العدوى أعادت إلى الأذهان الأجواء التي رافقت المراحل الأولى من تفشي "كوفيد-19". وتجاوزت تداعيات الحادثة حدود القلق الصحي المباشر، لتفتح مجددًا النقاش حول مستوى الجاهزية الدولية للتعامل مع مسببات الأمراض الناشئة، خصوصًا في البيئات المغلقة وعالية الكثافة البشرية، مثل السفن السياحية ووسائل النقل العابرة للحدود. كما أعادت تسليط الضوء على قدرة أنظمة الرصد والاستجابة الوبائية على احتواء تفشي الفيروس المحدود قبل تحوله إلى تهديدات صحية أوسع نطاقًا.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت المقارنات بين فيروس هانتا وآليات انتقال "كوفيد-19" بين البشر، خصوصًا في ظل المخاوف المرتبطة بإمكانية اتساع نطاق العدوى. غير أن المعطيات المتاحة تشير إلى اختلاف جوهري بين الحالتين؛ إذ امتلك فيروس SARS-CoV-2 قدرة عالية على الانتقال المجتمعي، مع تسجيل انتقال العدوى إلى متوسط شخصين أو أكثر داخل تجمعات لم تكن قد تعرضت للفيروس سابقًا. في المقابل، ارتبط انتقال فيروس الأنديز على متن السفينة بظروف شديدة الخصوصية، تمثلت في وجود مصابين ظهرت عليهم الأعراض داخل أماكن مزدحمة وضعيفة التهوية، إلى جانب الاحتكاك المباشر والمستمر لفترات طويلة، وهو ما يعكس نمط انتقال أكثر محدودية وأقل قابلية للانتشار الواسع مقارنةً بجائحة "كوفيد-19".
وفي هذا السياق، يرى بعض خبراء منظمة الصحة العالمية أن التفشي الحالي فيروس هانتا على متن السفينة لا يرقى إلى مستوى "الجائحة التالية" على غرار "كوفيد-19". فالمعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن الفيروس يتكاثر بوتيرة أبطأ، وينتقل أساسًا عبر الاحتكاك المباشر والقريب، كما تبدو قدرته على العدوى أكثر ارتباطًا بظهور الأعراض لدى المصابين، وهو ما يحدّ من احتمالات الانتقال المجتمعي واسع النطاق.
في المقابل، يحذر خبراء آخرون من التقليل من دلالات الحادثة، مستندين إلى ارتفاع معدل الفتك المرتبط ببعض سلالات فيروس هانتا، إلى جانب ما يُنظر إليه بوصفه تحولًا نسبيًا في أنماط انتقاله التقليدية. ومن ثم، أعادت هذه التطورات طرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان الفيروس قد يمتلك مستقبلًا مقومات التحول إلى تهديد وبائي أوسع، أم أن قدراته الانتقالية ستظل محصورة ضمن نطاقات جغرافية وظروف وبائية محددة.
وتتناول هذه الدراسة احتمالات تحوّل فيروس هانتا إلى تهديد وبائي عالمي، من خلال تحليل خصائصه البيولوجية، وأنماط انتقاله، ومعدلات الفتك المرتبطة به، إلى جانب تقييم وضعه الوبائي الراهن وانتشاره الجغرافي. كما تبحث الدراسة مدى استيفاء الفيروس للمعايير المرتبطة بتحول التفشي المحدود إلى جوائح واسعة النطاق، بما يشمل القدرة على تحقيق انتقال مستدام بين البشر، وإمكانية الانتشار العابر للحدود، واحتمالات انتقال العدوى من دون أعراض واضحة، وقابلية التفشي داخل البيئات الحضرية، فضلًا عن التحديات المرتبطة بعمليات الاحتواء والاستجابة الصحية.
كما تستعرض الدراسة المسارات المستقبلية المحتملة لإنتشار فيروس هانتا، عبر تحليل سيناريوهات تتراوح بين استمرار الانتشار الوبائي المحلي المحدود، واتساع نطاق الانتقال الإقليمي، وصولًا إلى سيناريو منخفض الاحتمال لكنه مرتفع التأثير يتمثل في تحوّل الفيروس إلى تهديد وبائي أوسع نتيجة طفرات محتملة قد تعزز قدرته على الانتقال. كذلك تتناول الدراسة التداعيات المرتبطة بالسياسات الصحية، ومؤشرات الإنذار المبكر، والدروس المستفادة من جائحة "كوفيد-19"، بهدف تقييم فجوات الجاهزية وقدرات الاستجابة، ومدى قدرة الأنظمة الصحية والمؤسسات الدولية على احتواء التهديدات الوبائية الناشئة قبل خروجها عن نطاق السيطرة.
منهجيًا، تعتمد هذه الدراسة على مقاربتين نوعية وكمية، تستندان بصورة رئيسة إلى البيانات الأولية والمؤشرات الرقمية، إلى جانب المصادر الثانوية. وتستند الدراسة إلى تقارير وبيانات صادرة عن منظمات صحية دولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، فضلًا عن الإحصاءات الرسمية، والأدبيات الأكاديمية المحكمة، والدراسات الوبائية، وتحليلات الخبراء. كما توظف الدراسة منهج المقارنة التحليلية بين فيروس هانتا و"كوفيد-19"، بهدف رصد أوجه التشابه والاختلاف في مؤشرات رئيسة، تشمل قابلية الانتقال، ومعدلات الفتك، والقدرة على التحول إلى جائحة. كذلك تعتمد الدراسة على بناء السيناريوهات ومنهجيات تقييم المخاطر لتحليل المسارات المحتملة لعمليات التفشي المستقبلية، وتقييم مؤشرات الجاهزية والتحديات المرتبطة بالاستجابة والاحتواء.