بين مادورو والخامنئي: هل حل الذكاء الاصطناعي محل الاستخبارات البشرية؟
البرامج البحثية

بين مادورو والخامنئي: هل حل الذكاء الاصطناعي محل الاستخبارات البشرية؟

مثّل الربع الأول من عام ٢٠٢٦ نقطة انعطاف استراتيجية في توظيف القوة الصلبة وإدارة التفاعلات الجيوسياسية. فبعد عقود اقتصر فيها دور التقنيات الحاسوبية على الإسناد العملياتي—كمعالجة البيانات الاستخباراتية أو توجيه الذخائر الدقيقة—شهد شهرا يناير وفبراير تحولاً بنيوياً تمثل في الانتقال من التخطيط المعتمد على العنصر البشري إلى إدارة سلاسل قتل (Kill Chains) خوارزمية مستقلة تماماً، وقد تبلورت هذه العقيدة رسمياً عبر "استراتيجية تسريع الذكاء الاصطناعي" التي أصدرتها وزارة الحرب الأمريكية (DoW)في ٩يناير ٢٠٢٦؛ بهدف تكريس هيمنة عسكرية أمريكية مطلقة، والانتقال بالجهاز الدفاعي من الأطر البيروقراطية الكلاسيكية إلى آلة حرب تتبنى مقاربة الذكاء الاصطناعي أولاً (AI-First).   وقد ارتكزت هذه العقيدة المستحدثة على محددات صارمة تُعلي من شأن القوة المميتة المطلقة، والسرعة العملياتية الفائقة، والأنظمة الموضوعية التي تضع المهمة فوق كل اعتبار، مع استبعاد تام للمقاربات الاجتماعية والسياسية من معادلة الضبط الخوارزمي، وذلك لضمان التفوق الحاسم في اتخاذ القرار الميداني، وتجلى هذا التحول العقائدي بوضوح عبر تدخلين عملياتيين غير مسبوقين وفائقي الخطورة: الاعتقال خارج الحدود الإقليمية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عبر "عملية العزم المطلق" في يناير ٢٠٢٦، وضربة استئصال القيادة شديدة الفتك ضد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي خلال "عملية المدينة المقدسة الصامتة"، كجزء من عملية "الغضب الملحمي" الأوسع، في فبراير ٢٠٢٦.   حيث أسفر الدمج المعقد للنماذج اللغوية التوليدية (LLMs)، والبنى الديناميكية للبيانات، وخوارزميات التقييم التكتيكي، وأنساق الطيران المسير ذاتي التوجيه، عن إحداث ثورة في معايير السرعة، والدقة، وحسابات التكلفة الجيوسياسية لعمليات تحييد الأهداف عالية القيمة (HVTs) وتؤكد هذه المعطيات بشكل حاسم أن حقبة الذكاء الاصطناعي كأداة إسناد تحليلي خلفية قد طُويت؛ ليبرز اليوم بوصفه المهندس الاستراتيجي الأول للميدان، والمحرك الأساسي للمحاكاة التكتيكية، والموجه المباشر لمسارات "التنفيذ الحركي".
بديل الدبلوماسية: هل تنامت الاغتيالات السياسية؟
البرامج البحثية

بديل الدبلوماسية: هل تنامت الاغتيالات السياسية؟

لطالما كانت الاغتيالات السياسية سمة سائدة في السياسة العالمية، بيد أن استخدامها كأداةٍ سياسية لم يعد يقتصر على الدول أو زعمائها فحسب، بل إن أي شخص يطلق النار على شخصية سياسية يحصل على لقب "قاتل" سياسي، وتؤدي المشاركة في العملية السياسية بأي صفة كانت إلى تعريض صاحبها لمثل هذه الأعمال الانتقامية. وفي حين لا يزال المسلحون والمتعصبون يشكلون تهديدًا كبيرًا، إلا أن الجهات الفاعلة الحكومية غالبا ما تكون في طليعة تنسيق هذه الأعمال. وخلال الحرب الباردة، كانت الاغتيالات إلى حد كبير حكرًا على القوى العظمى، حيث وجهت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي عمليات استهدفت شخصيات بارزة مثل فيدل كاسترو رئيس كوبا، وسلفادور أليندي رئيس تشيلي، وجوزيب بروز تيتو رئيس جمهورية يوغوسلافيا. وقد اكتسبت بعض "النتائج" الناجمة عن الاغتيالات شهرةً أكبر من غيرها مثل اغتيال الزعيم البلشفي المنشق "ليون تروتسكي" في مكسيكو سيتي باستخدام فأس الجليد على يد الشرطة السرية لستالين.   تواصل روسيا والولايات المتحدة، اللتان كانتا ذات يوم القوتين العظميين العالميتين المهيمنتين، ممارساتهما طويلة الأمد المتمثلة في القضاء على الخصوم المتصورين. ويتمسك الكرملين بتقليد قديم يعود إلى قرن من الزمان في القضاء على المنشقين السياسيين داخليًا وخارجيًا لإرسال رسائل تحذيرية إلى المعارضين الآخرين، حيث اُغتيل طيار روسي انشق إلى أوكرانيا في إسبانيا في شهر فبراير 2024 من خلال إطلاق النار عليه ست مرات ثم دهسه بالسيارة مع ترك أغلفة الرصاص روسية الصنع في مكان الحادث فيما يُعد تحذيرًا فظًا لغيره من المعارضين الآخرين. ومؤخرًا، كشفت الاستخبارات الأميركية عن مؤامرة روسية لاغتيال الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات الألمانية القوية التي تعمل في مجال تصنيع الأسلحة وتنتج قذائف مدفعية ومركبات عسكرية لأوكرانيا. كما واصلت الولايات المتحدة أيضًا ممارساتها في تنفيذ اغتيالات رفيعة المستوى كان آخرها اغتيال قاسم سليماني، قائد قوات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، الذي قُتل في بغداد في ضربةٍ أظهرت كيف أن الولايات المتحدة لا تكترث كثيرًا بالقانون الدولي.   وتتباين الدول في مستويات خبرتها في تنفيذ عمليات الاغتيال، وغالبًا ما تُعتبر إسرائيل هي المايسترو في هذه الممارسة ولطالما كان الاغتيال مبدأً أساسيًا لها، حيث استهدفت منذ تأسيسها في عام 1948 العديد من القادة النازيين والفلسطينيين والعرب والعلماء الذين يخدمون أعداءها مثل العلماء الألمان الذين عملوا على تطوير برنامج الأسلحة المتقدمة للرئيس المصري جمال عبد الناصر. وفي الوقت الحالي، توسعت أهداف إسرائيل بعدما بات الإيرانيون أهدافًا مهمة للعمليات الإسرائيلية، حيث شملت عملياتها الأخيرة ضد الإيرانيين اغتيال العقيد بالحرس الثوري حسن صياد خدايي الذي كان معروفًا لأفراد المخابرات باعتباره شخصية رئيسية على المستوى التكتيكي في فيلق القدس وكان تركيزه الأساسي منصبًا على محاولة مهاجمة أهداف يهودية وإسرائيلية في الخارج (وهي العمليات التي باءت أغلبها بالفشل).   ومع ذلك، يبدو أن مجموعة الدول التي تطلق محاولات الاغتيال آخذة في التزايد مع انضمام وافدين جدد، حيث وقعت حادثة بارزة في كندا في يونيو الماضي تضمنت إطلاق النار على الانفصالي السيخي هارديب سينج نيجار 34 مرة. بالإضافة إلى ذلك، حذرت الشرطة في يناير الماضي السيخ البريطانيين من المخاطر المتزايدة على حياتهم. ويمثل هذا الحادث دخولًا كبيرًا للهند إلى ساحة تلك الدول التي تستخدم الاغتيال كأداة لتعزيز الأجندات الدولية والمحلية، وهو ما يسلط الضوء على كيف أن الاغتيالات السياسية عادت إلى الظهور من جديد كتكتيكٍ واسع الانتشار ولم تعد حكرًا على حفنةٍ من الدول.