يدخل مضيق هرمز مرحلة دقيقة من التوتر في أعقاب إقدام إيران على نشر أعداد كبيرة من الألغام البحرية خلال المواجهات الأخيرة، بما أعاد صياغة معادلة الأمن الملاحي في أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية. ورغم إعلان طهران في 17 أبريل 2026 إعادة فتح المضيق، فإن هذا الإعلان يظل أقرب إلى تثبيت موقف سياسي منه إلى التعبير عن واقع تشغيلي مستقر على الأرض. وتتباين التقديرات بشأن حجم الألغام المزروعة بصورة لافتة، إذ تشير الرواية الإيرانية إلى نحو 5,000 لغم، في حين ترجّح التقييمات الأمريكية نطاقًا يتراوح بين 10,000 و12,000 لغم، بما يعكس حجم الضبابية التي تكتنف طبيعة التهديد وحدوده الفعلية. وفي الظروف الاعتيادية، يعبر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، بما يمثل قرابة خمس تدفقات الطاقة العالمية. إلا أن حركة الملاحة شهدت تراجعًا حادًا وغير مسبوق، إذ انخفضت من نحو 140 سفينة يوميًا قبل اندلاع الأزمة إلى سبع سفن فقط عقب إعلان إعادة الفتح. ويكشف هذا الانكماش الحاد أن جوهر الأزمة لا يرتبط بمنح الإذن السياسي بالعبور بقدر ما يرتكز على معضلة أكثر عمقًا تتمثل في قدرة السفن على الإبحار بأمان داخل بيئة بحرية مثقلة بالمخاطر ومشبعة بدرجة عالية من عدم اليقين.
ترتكز عمليات زرع الألغام البحرية على منطق تشغيلي يقدّم السرعة والكثافة على حساب الدقة والانضباط الهندسي. وتعتمد إيران بدرجة كبيرة على مئات الزوارق الهجومية الصغيرة والسريعة، إذ يمتلك كل منها القدرة على نشر عشرات الألغام خلال مهمة واحدة، ما يتيح زرع آلاف الألغام خلال فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز بضعة أيام. وغالبًا ما تجري هذه العمليات تحت ضغط العمليات القتالية، لا سيما ليلًا، ومن دون إعداد خرائط دقيقة لمواضع الألغام. وفي ظل هذه المعطيات، يتكوّن حقل الألغام في مضيق هرمز بصورة كثيفة وغير منتظمة، بعيدًا عن أي تنظيم منهجي محكم. فبينما تُثبّت بعض الألغام في قاع البحر، تُصمَّم أخرى لتبقى عائمة وقابلة للانجراف. ومع قوة التيارات البحرية في المضيق، قد تنجرف هذه الألغام لمسافات تمتد لعدة كيلومترات بعيدًا عن نقاط زرعها الأصلية، ما يفاقم ضبابية مواقعها بمرور الوقت، ويحوّل البيئة البحرية إلى نطاق متغيّر ومشحون بدرجة عالية من عدم اليقين والمخاطر.
تنتمي الألغام المزروعة إلى ثلاث فئات رئيسية تتدرّج من حيث التعقيد ومستوى الخطورة. وتأتي في مقدمتها الألغام التلامسية، وهي الأبسط تصميمًا، إذ تنفجر بمجرد الاصطدام المباشر بالسفينة. تليها الألغام التأثيرية الأكثر تطورًا، إذ ترصد السفن عبر التغيرات في المجال المغناطيسي أو البصمة الصوتية أو ضغط المياه، ما يتيح لها التفجير من دون تماس مباشر. أما الفئة الأكثر تطورًا فتتمثل في الأنظمة المتقدمة، وعلى رأسها سلسلة “مَهام”. فعلى سبيل المثال، يزن لغم “مَهام-3” نحو 300 كيلوجرام ويعمل على أعماق تصل إلى 100 متر، في حين يبلغ وزن “مَهام-7” قرابة 220 كيلوجرامًا، وقد صُمّم للعمل بكفاءة في المياه الضحلة. ويعتمد كلا الطرازين على مستشعرات مغناطيسية وصوتية، إلى جانب تصميمات خارجية تُصعّب رصدهما بواسطة أنظمة السونار. وتمثل هذه الفئة المتقدمة التهديد الأخطر، نظرًا لقدرتها على التخفي والاستهداف الانتقائي للسفن.
على الرغم من أن إيران بادرت إلى نشر الألغام، فإن قدرتها على إزالتها بكفاءة تبقى محدودة. وتشير تصريحات عباس عراقجي بشأن إعادة فتح المضيق “مع وجود قيود تقنية” إلى أن طهران تفتقر إلى معرفة دقيقة بمواقع جميع الألغام. وينشأ هذا القصور عندما تزرع الجهات المنفّذة الألغام بوتيرة متسارعة من دون توثيق منهجي كافٍ، أو حين تُربك ظروف العمليات القتالية مسارات التنسيق الميداني وتحدّ من دقته. ويزداد هذا التعقيد بفعل العوامل البيئية، ولا سيما التيارات البحرية، التي قد تدفع الألغام بعيدًا عن نقاط زرعها الأصلية، ما يفاقم صعوبة تتبّعها بمرور الوقت. وبناءً على ذلك، قد تجد إيران نفسها عاجزة عن تحديد مواقع جميع الألغام وإزالتها ضمن إطار زمني قصير، بما يحوّلها من أداة خاضعة للسيطرة إلى مصدر خطر مفتوح يصعب احتواؤه، وتتقاسمه مختلف الأطراف.
لا تستطيع الولايات المتحدة اكتشاف الألغام البحرية بسهولة، إذ تفرض البيئة تحت سطح الماء قيودًا تقنية معقّدة تزيد من صعوبة هذه المهمة. ولا تعمل أنظمة الرادار، التي تعتمد على الموجات الراديوية، بفعالية في هذا الوسط، ما يدفع القوات الأمريكية إلى الاعتماد أساسًا على أنظمة السونار، التي ترسل موجات صوتية وتُحلّل انعكاساتها لرسم خرائط دقيقة لقاع البحر وتحديد الأجسام الكامنة فيه. ومع ذلك، تفرض هذه العملية بطبيعتها وتيرة بطيئة تتطلب قدرًا عاليًا من التدقيق والتحليل، ولا تسمح بتسريعها دون مجازفة. وفي هذا السياق، لا تتمكن سفينة واحدة مخصصة لمكافحة الألغام من تمشيط سوى بضعة كيلومترات مربعة يوميًا، وهو ما يعكس بطء عملية الكشف ويبرز حجم التحدي العملياتي الذي تفرضه هذه البيئة. ويتفاقم هذا التعقيد لأن الألغام غالبًا ما تُصمَّم بحيث تندمج مع قاع البحر، ما يجعل تمييزها عن محيطها مهمة شاقة. وفي المقابل، تولّد العناصر الطبيعية، مثل الصخور والحطام، إشارات مضلِّلة تربك عمليات الرصد وتزيد احتمالات الخطأ في التقدير. كما ترفع الألغام العائمة مستوى المخاطر، إذ قد تعيد تهديد مناطق سبق تمشيطها، بما يقوّض أي تقدير ثابت لمستوى الأمان. وعلى هذا الأساس، تتحول عملية الكشف إلى مسار بطيء وشديد التعقيد تقنيًا، يتطلب درجة عالية من الدقة والصبر التشغيلي.
تعتمد الولايات المتحدة على إطار عملياتي منظّم يُعرف بعمليات مكافحة الألغام البحرية، حيث تتدرّج الإجراءات من الكشف والتصنيف إلى المعالجة النهائية للهدف. وبعد تحديد موقع اللغم والتحقق من طبيعته، تستخدم القوات البحرية مركبات غير مأهولة تعمل تحت الماء، مثل نظام “Knifefish”، لوضع شحنات تفجيرية دقيقة بالقرب منه تمهيدًا لتحييده. وفي حالات محدودة، تستعين الفرق المختصة بغواصين مدرّبين للتعامل المباشر مع الألغام، رغم ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر مرتفعة. كما تعزّز الأنظمة الجوية هذه العمليات، إذ توفّر منصات مثل “AN/ASQ-235 (Archerfish)”، التي تنطلق من مروحيات “MH-60S”، قدرة إضافية على استهداف الألغام بدقة ورفع كفاءة عمليات الإزالة.
وفي موازاة ذلك، تعتمد الولايات المتحدة في تصميم سفن مكافحة الألغام على خفض بصمتها المغناطيسية والصوتية إلى أدنى حد، بما يقلّل احتمالات تحفيز الألغام عند الاقتراب منها. وتتطلب هذه العمليات حشدًا واسعًا من الموارد، يشمل أكثر من 20 سفينة متخصصة، إلى جانب غطاء جوي مستمر وحماية بحرية مرافقة لضمان تأمين بيئة العمل العملياتي. وفي هذا الإطار، لا تتجه الاستراتيجية الأمريكية إلى تطهير المضيق بالكامل بصورة فورية، بل ترتكز على إنشاء ممرات آمنة تتيح استئناف حركة ملاحية محدودة ومنضبطة، بالتوازي مع مواصلة عمليات التمشيط الأوسع نطاقًا.
تفرض طبيعة التحدي وحجمه انخراطًا دوليًا واسعًا، إذ تتجاوز تداعياته قدرات أي طرف منفرد. وفي هذا السياق، بحثت دول أوروبية، من بينها المملكة المتحدة، سبل المشاركة في عمليات إزالة الألغام، لا سيما عبر آليات التنسيق التي برزت في اجتماعات مثل تلك التي عُقدت في باريس. كما أشار دونالد ترامب إلى توقّع مساهمة عدة دول في جهود إعادة فتح المضيق، بما يعكس إدراكًا دوليًا متناميًا لأهمية هذا الممر الحيوي. فتعطّل الملاحة في مضيق هرمز لا يقتصر أثره على الأطراف الإقليمية، بل يمتد ليطال أسواق الطاقة العالمية، وتكاليف الشحن، وسلاسل الإمداد، وهو ما يعزّز الحاجة إلى استجابة جماعية منسّقة.
تفرض طبيعة عمليات إزالة الألغام إيقاعًا بطيئًا بطبيعتها، إذ يتطلّب تطهير حقل ألغام محدود ما بين 21 و53 يومًا. غير أن الوضع في مضيق هرمز يتجاوز هذا الإطار بكثير من حيث التعقيد والحجم. فمع انتشار ما يُقدَّر بين 5,000 و12,000 لغم عبر ممر مائي ضيّق وكثيف الحركة، قد تمتد عملية التطهير الشامل لعدة أشهر، وربما لفترة أطول. ويتحدد الإطار الزمني لهذه العمليات وفق مجموعة من العوامل الحاسمة، في مقدمتها عدد السفن المتاحة، وطبيعة الظروف البيئية، ومدى استمرار انجراف الألغام. وحتى في أفضل السيناريوهات التشغيلية، لا يمكن تسريع هذه العملية بشكل ملموس من دون رفع مستوى المخاطر، ما يفرض موازنة دقيقة بين وتيرة التنفيذ ومتطلبات السلامة.
لا يعني التوصل إلى اتفاق سياسي، مثل المناقشات الجارية في إسلام آباد، إعادة فتح المضيق عمليًا بشكل فوري. فبينما قد يسهم هذا الاتفاق في خفض التوترات العسكرية وتوفير بيئة أكثر أمانًا لبدء عمليات إزالة الألغام، تبقى الألغام في مواقعها وتواصل فرض تهديد قائم. وبناءً على ذلك، تتجه عملية إعادة الفتح إلى مسار تدريجي يبدأ بإنشاء ممرات آمنة محدودة، ثم يتوسع نطاق الملاحة مع تقدم عمليات التمشيط وتطهير مزيد من المناطق. وبعبارة أخرى، قد تتيح القرارات السياسية استئناف الحركة، لكنها لا ترفع القيود التقنية التي تتحكم في وتيرة إعادة فتح المضيق.
تكشف التطورات في مضيق هرمز عن مفارقة جوهرية في طبيعة الحرب البحرية. فالألغام البحرية تُعد منخفضة الكلفة وسهلة النشر، بما يتيح زرع آلاف منها خلال أيام قليلة، في حين يتطلب التعامل معها جهدًا طويلًا ومعقّدًا يمتد لأشهر من العمل المتواصل. وفي هذا السياق، لا تحدد التصريحات السياسية وحدها توقيت إعادة فتح المضيق، بل تفرض العملية البطيئة والمنهجية لاكتشاف كل لغم على حدة وتحييده الإطار الفعلي لهذه العودة. وبعبارة أدق، ترسم الحقائق الميدانية إيقاع إعادة الفتح، بينما تبقى الإعلانات السياسية عامل تمكين لا المُحدِّد الفعلي.
BBC News عربي. “عنوان المقال غير متوفر من الرابط.” Accessed April 22, 2026. https://www.bbc.com/arabic/articles/c14m343e47lo.
Deutsche Welle Arabic. “ما مصير الألغام البحرية بعد إعلان إيران فتح هرمز بالكامل؟” Last modified April 17, 2026. https://www.dw.com/ar/%D9%85%D8%A7-%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D8%BA%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%81%D8%AA%D8%AD-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84/a-76831123.
Al Jazeera. “What Do We Know About Sea Mines in and around the Strait of Hormuz?” April 13, 2026. https://www.aljazeera.com/economy/2026/4/13/what-do-we-know-about-sea-mines-in-and-around-the-strait-of-hormuz.
Al Jazeera. “Iran’s Army Says US Plans to Blockade Hormuz Amounts to Piracy.” April 13, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/4/13/irans-army-says-us-plans-to-blockade-hormuz-amounts-to-piracy.
TRT World. “عنوان المقال غير متوفر من الرابط.” Accessed April 23, 2026. https://www.trtworld.com/article/ef39ca5171b8.
تعليقات