يشهد الشرق الأوسط أزمة جيوسياسية جديدة تتركز حول مضيق باب المندب بعد اعلان جماعة الحوثي في اليمن في ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية، تطبيقاً لمبدأ تسميه الجماعة "الحصار بالحصار"، ويأتي هذا الإجراء بوصفه ردًا مباشرًا على القيود التي فرضتها السعودية على المطارات والموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ولا سيما مطار صنعاء وموانئ الحديدة، وجاء هذا القرار بعد تصعيد عسكري شمل توجيه ضربات إلى مطار صنعاء، وإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة نحو مطارات سعودية.
ويهدف الحوثيون من هذا الإغلاق إلى نقل كلفة الحصار من الداخل اليمني إلى مسار حيوي للسعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب عبر إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن التي ترفع العلم السعودي أو السفن المتجهة إلى السعودية، كما يتزامن هذا الإغلاق مع الاضطراب الذي يشهده مضيق هرمز بسبب حرب الإيرانية الأمريكية الجارية، حيث بلغت نسبة اعتراض الحرس الثوري للسفن التي تمر عبر المضيق نحو ٨٩٪. وهو ما دفع المملكة خلال الأشهر الأربعة الماضية إلى تحويل مسار صادراتها النفطية نحو الغرب، إذ نقلت ٤٫٥ مليون برميل من النفط يومياً عبر خط أنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر لتوفير ممر بديل بزيادة تقارب ٥ أضعاف الفترة قبل بدء الحرب.
وعلى صعيد آخر، تواجه باكستان موقفًا استراتيجيًا معقدًا بسبب هذه التطورات، إذ ترتبط إسلام آباد باتفاقية دفاع استراتيجي مشترك مع المملكة العربية السعودية وُقِّعت في سبتمبر ٢٠٢٥، فضلًا عن وجود قوات باكستانية متمركزة في المملكة. وتنص هذه الاتفاقية على أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداءً على الأخرى، بينما تؤدي إسلام آباد في الوقت نفسه دور الوسيط الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، وقد رعت توقيع مذكرة تفاهم لوقف إطلاق النار بين الطرفين في يونيو ٢٠٢٦. وفي هذا السياق، ينظر المسؤولون الباكستانيون إلى الهجمات على السعودية باعتبارها خطًا أحمر، الأمر الذي يجعل الحصار البحري ليس مجرد مشكلة تمس الأمن السعودي، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة باكستان على الموازنة بين دورها كوسيط مع طهران والتزاماتها العسكرية تجاه الرياض. ويضع هذا التضارب القيادة الباكستانية أمام تحدٍ واضح، ويطرح تساؤلًا مهمًا حول ما إذا كانت ستستمر في موقفها المحايد، أم ستتجه إلى موقف أكثر صرامة إذا تطورت الأزمة إلى مواجهة إقليمية تمس مصالح شريكها السعودي.
شهد وقف إطلاق النار الأخير، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين الهند وباكستان، بعد أربعة أيام عصيبة من تبادل التصعيدات العسكرية، لحظة من الانفراج بعيدًا عن حافة صراع شامل كان الكثيرون يخشون اندلاعه بين الجارتين المسلحتين نوويًا. فقد عبرت الصواريخ والطائرات المسيّرة الحدود، وبلغت حدة التوترات مستويات غير مسبوقة، وتزايدت نبرة الخطاب العدائي الصادر عن العاصمتين. وقد جاء الإعلان المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الهدنة، رغم الترحيب به، ليبرز هشاشة الوضع. وبينما كانت الاحتفالات تعم الهند وباكستان، وسط موجة من التهاني الذاتية في واشنطن، كانت كشمير تعيش ليلة أخرى من العنف، مع تبادل الطرفين الاتهامات بانتهاك الهدنة. ويأتي هذا الهدوء المؤقت في سياق من المظالم التاريخية العميقة، والنزاعات الإقليمية التي لم تجد سبيلها إلى الحل، والعقائد النووية المتغيرة، والتشابك المعقد بين الضغوط الداخلية والخارجية. والسؤال الجوهري الآن لم يعد يدور حول كيفية تحقيق وقف إطلاق النار، بل حول مدى قدرته على الصمود، وما هي العواقب المحتملة إذا ما انهارت هذه الهدنة الهشة.
شهد القرن الحادي والعشرون عودة الوساطة كأداة محورية لحل النزاعات الدولية، ويرجع هذا الظهور إلى التعقيدات التي فرضتها الصراعات المعاصرة، و توسع نطاق التهديدات لتتخطي الشكل التقليدي للنزاعات الإقليمية، والحروب الأهلية، والأزمات السياسية، فقد شهد العالم تزايد التهديدات الأمنية غير التقليدية لتشمل قضايا جديدة على رأسها تغير المناخ، والأمن السيبراني، والجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية.
وسبق أن تقدمت دول مختلفة للعب أدوار مهمة في هذا المجال، مستفيدة من فطنتها الدبلوماسية ونفوذها السياسي ومواردها الاقتصادية لتسهيل الحوار ووقف التصعيد، ومن بين أبرز الوسطاء، النرويج التي أثبتت باستمرار التزامها تجاه قضايا بناء السلام من خلال مشاركتها الفعالة في حلحلة العديد من الصراعات، من سريلانكا إلى كولومبيا إلى تسهيلها لاتفاقيات أوسلو ليجسد قدرتها على تعزيز الحوار بين خصوم يبدو أنه لا يمكن التوفيق بينهم.
كما قدمت فنلندا، المشهورة بنهجها المتعدد الأطراف، وتأكيدها على بناء الإجماع عدة مبادرات أبرزها مجموعة أصدقاء الوساطة في سبتمبر 2010، والتي لعبت دورًا رئيسيًا في عمليات بناء السلام في القرن الأفريقي، كما وفرت سويسرا، مستفيدة من تقاليدها الطويلة الأمد المتمثلة في الحياد، مكانًا آمنًا ومحايدًا لعدد لا يحصى من محادثات السلام والمفاوضات، مما عزز بيئة مواتية للتسوية والحل.
ووسط كل هذا الزخم شهدت العشرية الأخيرة ظهور جهات فاعلة غير غربية في مجال الوساطة. وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب مهم في الشرق الأوسط وخارجه. فمنذ تأسيسها، التزمت دولة الإمارات بنهج يجمع بين القيم العربية التقليدية والممارسات الدبلوماسية الحديثة للتعامل مع التعقيدات الثقافية للصراعات الإقليمية، كما تبنت سياسة تعزيز السلام والأمن والاستقرار في منطقتها والعالم، وتجلى هذا الالتزام في مبادراتها العديدة التي ساهمت في تهدئة الصراعات والأزمات، وأبرزها التوسط في الصراع الدائر في اليمن، والتوفيق بين الهند وباكستان، دورها المحوري في اتفاق السلام التاريخي بين إثيوبيا وإريتريا في عام 2018، وتسهيلها لعمليات تبادل أسرى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والوساطة بين روسيا والولايات المتحدة، كما نشطت في الساحة متعددة الأطراف من خلال استضافتها لمؤتمر المناخ "كوب 28" في دبي.
ومع الرغم من ذلك، فإن طريق الوساطة لا يخلو من التحديدات. فالتعقيدات المتأصلة في العديد من الصراعات الإقليمية، والمصالح المتضاربة للأطراف المعنية، والحاجة إلى تحقيق التوازن بين جهود الوساطة والمصالح الوطنية، كلها عوامل يمكن أن تعيق تحقيق حلول مستدامة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحفاظ على الحياد في المواقف المستقطبة، ومحدودية النفوذ على الجهات الفاعلة من غير الدول، والقيود المحتملة على القدرات، كلها تحديات يجب على دولة الإمارات التغلب عليها لضمان استمرار نجاح جهودها في الوساطة. لذا يسعي هذا التحليل إلى استعراض دور دولة الإمارات كوسيط دولي صاعد، مع التركيز على العوامل التي مكنتها من الصعود، والاستراتيجيات التي تستخدمها، وتأثيراتها على الصراعات الإقليمية والدولية.