يركز برنامج الدراسات السياسية والأمنية على العلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية التي لها انعكاس مباشر على منطقة الشرق الأوسط، نأمل في تعزيز فهم واقعي لسياسات المنطقة في ظل التحديات الإقليمية والدولية.
يتجاوز قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن "تصحيح الخريطة" نطاق النقاش التقني حول إسقاطات الخرائط، ليكشف عن ساحة رمزية جديدة تتحرك داخلها دول "الجنوب العالمي" لإعادة التفاوض حول الطريقة التي يُمثَّل بها العالم. فالقرار، الذي شجّع على استخدام إسقاطات متساوية المساحة؛ وفي مقدمتها "الأرض المتساوية" (Equal Earth)، لا يفرض خريطة موحدة ولا يغيّر حدود الدول، لكنه يمنح مطلباً إفريقياً قديماً شرعية أممية واضحة: ألا تُعرض القارة في التعليم، والإعلام، والمؤسسات الدولية بصورة تقلص وزنها المكاني مقارنة بمناطق الشمال. ومن هذه الزاوية، لا يبدو التصويت مجرد تصحيح جغرافي، بل اختراقٌ سياسيٌ في مجال "الحوكمة البصرية"، حيث تتقاطع المعرفة مع القوة، ويتحول شكل العالم المعروض أمام الجمهور إلى موضوع تفاوض داخل النظام متعدد الأطراف.
وقد جاء هذا الحراك في توقيت يشهد صعوداً متزايداً لقدرة دول الجنوب على تحويل قضايا الهوية والتمثيل إلى بنود على الأجندة الدولية. وقد أظهر تمرير القرار أن القوة الناعمة لا تُمارس فقط عبر الثقافة والخطاب، بل كذلك عبر تحديد المعايير التي تنتج المعرفة العامة. ولا يعني ذلك أن تغيير الإسقاط الخرائطي سيعيد، بمفرده، توجيه الاستثمارات أو رسم سلاسل الإمداد، لكنه يوفر أداة سردية تساعد دول إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وجنوب آسيا على إبراز اتساع أسواقها، وامتداد ممراتها، وموقعها في شبكات الموارد والتجارة العالمية. وبذلك يصبح "التحرر البصري" مدخلاً لإعادة تقديم الوزن الجيواقتصادي للجنوب، لا بديلاً عن عناصر القوة المادية، وإنما إطارٌ يساعد على رؤيتها والتعامل معها بقدر أكبر من الجدية.
وقد شكّلت الخرائط، عبر التاريخ، إحدى أكثر أدوات السلطة المعرفية تأثيراً. فهي تؤدي وظيفة عملية في الملاحة والإدارة، لكنها في الوقت نفسه تختار ما يوضع في المركز، وما يظهر على الهامش، وكيف تُرسم الحدود وتُسمّى الأماكن. ولهذا لم تكن الخرائط منفصلة عن الدولة والإمبراطورية؛ فقد استُخدمت في المسح، والضرائب، والحملات العسكرية، وترسيم مناطق النفوذ، كما أسهمت في تحويل المجال الجغرافي إلى واقع قابل للإدارة والسيطرة. وتحمل كل خريطة، إلى جانب بياناتها، افتراضات تتعلق بالغرض والمقياس والإسقاط وموقع المشاهد. ومن ثمّ، فإن قراءة الخريطة لا تقتصر على سؤال "هل هي دقيقة؟"، بل تمتد إلى سؤال أكثر سياسية: دقيقة بالنسبة إلى أي غرض، ومن الذي اختار طريقة عرض العالم، وما التصورات التي يرسخها هذا الاختيار حين يتحول إلى معيار واسع الانتشار؟
ومنذ القرن السادس عشر، احتل إسقاط "ميركاتور" موقعاً استثنائياً في رسم خرائط العالم. وقد صُمم أساساً لخدمة الملاحة؛ إذ يحافظ على الزوايا ويجعل الاتجاهات الثابتة خطوطاً مستقيمة، لكنه يضخم المساحات كلما اقتربنا من القطبين. والمشكلة، إذن، ليست في استخدامه للمهمة التي صُمم من أجلها، وإنما في تحوله إلى صورة عامة للعالم داخل الفصول الدراسية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، حتى في السياقات التي تكون فيها مقارنة المساحات هي الغرض الأساسي. وتظهر نتيجة هذا الاختيار بوضوح في المقارنة بين إفريقيا وغرينلاند: إذ تبدوان متقاربتين بصرياً على كثير من خرائط ميركاتور، بينما تبلغ مساحة إفريقيا نحو ٣٠.٣٧ مليون كيلومتر مربع، أي قرابة أربعة عشر ضعفاً لمساحة غرينلاند البالغة نحو ٢.١٧ مليون كيلومتر مربع. وعندما تتكرر هذه الصورة جيلاً بعد جيل، فإنها لا تنشئ التهميش السياسي بمفردها، لكنها تمنحه لغة بصرية تتسق مع مركزية الشمال في المخيال العالمي.
ويأتي قرار تصحيح الخريطة، الذي قادته توغو باسم المجموعة الإفريقية وسانده الاتحاد الإفريقي، ليضع هذا الاعتراض داخل إطار مؤسسي دولي. وقد اعتمدت الجمعية العامة النص الوارد في الوثيقة A/80/L.104 بأغلبية ١٦٤ دولة، مقابل صوت واحد رافض للولايات المتحدة وستة امتناعات عن التصويت. وتنبع الدلالة السياسية لهذه النتيجة من اتساع التأييد خارج إفريقيا والجنوب التقليدي، إذ انضمت إلى القرار دول أوروبية وقوى دولية متباينة المصالح. والقرار غير ملزم قانوناً، كما أنه لا يمس السيادة أو الحدود أو الوضع القانوني للأقاليم المتنازع عليها؛ لكنه يطالب المؤسسات التعليمية والإعلامية والدولية والمنصات الرقمية بالنظر بجدية في استخدام إسقاطات أكثر ملاءمة لإظهار المساحات النسبية. لذلك تكمن قوته الأساسية في نقل "العدالة البصرية" من حملة مناصرة إفريقية إلى معيار دولي قابل للانتشار.
فرضت التعقيدات الجيوسياسية والأمنية للحدود البرية في الشرق الأوسط واقعاً استراتيجياً وضع إسرائيل في خانة "اقتصاد الجزيرة" رغم اتصالها باليابسة. فهذا العزل البري لم يترك للاقتصاد الإسرائيلي خياراً سوى الاعتماد شبه المطلق على الممرات البحرية لتأمين شرايين التجارة، والواردات الحيوية، وتدفق الصادرات. ولذا، لم يعد البحر مجرد مجال جيوسياسي وعسكري إضافي، بل تحول إلى الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد الإسرائيلي. ومن هنا، تحولت الجغرافيا من درع دفاعي محتمل إلى نقطة ضعف هيكلية، حيث أصبح أي مساس بحرية الملاحة أو أمن السواحل يمثل تهديداً وجودياً لدورة رأس المال واستقرار الأسواق.
وتتعمق جذور هذه الهشاشة الاستراتيجية بالنظر إلى التوزيع الديموغرافي والاقتصادي داخل الدولة، حيث يمثل الشريط الساحلي مركز الثقل الحقيقي الذي تتكدس فيه الكثافة السكانية، والمراكز المالية، والبنية التحتية اللوجستية، والموانئ الرئيسية. هذا التركز يجعل الساحل واجهة هشة؛ إذ إن أي اضطراب أمني في المجال البحري لا يقتصر تأثيره على حركة الملاحة فحسب، بل يضرب مباشرة في عمق الحياة اليومية وعصب الأنشطة التجارية. وقد أدركت الفواعل المسلحة دون الدولة هذه المعادلة، ووجدت في استهداف الفضاء البحري فرصة ذهبية لخلق حالة من الشلل الاقتصادي بتكلفة متدنية للغاية، متجاوزة بذلك الحاجة إلى اختراق منظومات الدفاع الجوي والبري المعقدة.
ولم يعد مفهوم البنية التحتية البحرية مقتصراً على السفن والموانئ، بل امتد ليشمل أصولاً سيادية تمثل ركائز الأمن القومي المعاصر. فحقول الغاز الطبيعي المستقرة في أعماق شرق المتوسط باتت تشكل حجر الزاوية في استقلالية قطاع الطاقة، وأي تهديد يطال منصات الاستخراج أو خطوط الأنابيب ينعكس فوراً على تكلفة الإنتاج الصناعي واستقرار الشبكة الكهربائية. وعلى صعيد موازٍ، تبرز كابلات الاتصالات البحرية كشريان حياة لاقتصاد المعرفة الرقمي؛ إذ يعتمد قطاع التكنولوجيا المتقدمة والخدمات المالية كلياً على سلامة هذه الكابلات لضمان تدفق البيانات عالمياً. وعليه، فإن حماية هذه الأصول المغمورة تجاوزت البعد التقني لتصبح في صلب العقيدة الأمنية الرامية لحماية الاقتصاد من الانهيار في أوقات الأزمات.
ويضع هذا الانكشاف البحري المؤسسة العسكرية أمام معضلة استراتيجية مزدوجة تتمثل في اتساع فجوة الحماية بين الساحل القريب والممرات الدولية البعيدة. فعلى المستوى التكتيكي القريب، تتصاعد التحديات المتعلقة بتأمين المنشآت الساحلية من التهديدات غير النمطية كالزوارق المفخخة أو الطائرات المسيّرة، وهو ما يتطلب استنزافاً مالياً هائلاً لتشغيل أنظمة اعتراضية وسفن حربية باهظة التكلفة، في مقابل أدوات هجومية رخيصة الثمن يمتلكها الخصوم. أما على المستوى الاستراتيجي الأبعد، فتتجسد الأزمة في حماية خطوط التجارة الحيوية المارة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث يؤدي أي اضطراب هناك إلى خنق ميناء إيلات، وتعطيل سلاسل الإمداد القادمة من آسيا، ورفع تكاليف التأمين والشحن البحري، وهو ما يوجه ضربة قاصمة لثقة المستثمرين وبيئة الأعمال الكلية.
تشهد البشرية اليوم واحدة من أبرز مفارقات العصر الحديث وأكثرها تعقيداً؛ فبينما تتسابق كبرى شركات التكنولوجيا لتقديم الذكاء الاصطناعي كحل سحري لإنقاذ الكوكب ومعالجة أزمات المناخ، يتشكل في الظل واقع مادي معاكس يبعث على القلق. وتستنزف هذه التكنولوجيا الفائقة، التي تبشرنا بمستقبل مستدام، في صمت تام أحد أهم الموارد الحيوية والنادرة التي يعتمد عليها بقاء الإنسان، ألا وهو المياه العذبة.
وينقلنا هذا التناقض العميق بين الوعود الرقمية البراقة والواقع البيئي القاسي من مجرد رصد مشكلة تقنية عابرة، ليطرح أمامنا تساؤلاً استراتيجياً وجيوسياسياً جوهرياً: هل تصطدم طموحات الذكاء الاصطناعي اللامحدودة بالحدود المادية القاسية لموارد كوكب الأرض؟ ويفرض هذا الصراع الصامت بين التطور التكنولوجي وندرة الموارد الطبيعية سؤالاً حاسماً: من سيخضع للآخر في نهاية المطاف، خوادم البيانات الجبارة أم قطرات الماء الحيوية؟
مع انقضاء إطار الستين يوماً الذي حددته مذكرة التفاهم، تجد منطقة الشرق الأوسط نفسها أمام فراغ جيوسياسي شديد التعقيد، وذلك إثر الإخفاق في بلورة اتفاق استراتيجي ينهي حالة الاحتقان أو يُفضي إلى إعادة الفتح الكامل لمضيق هرمز. هذا الانقضاء لا يعبر بالضرورة عن انهيار دراماتيكي مفاجئ للمفاوضات، بل يفرض تساؤلاً استراتيجياً جوهرياً حول طبيعة المرحلة المقبلة. يبدو المشهد وكأنه انتقال تكتيكي ومدروس من مسارات الدبلوماسية التقليدية نحو مرحلة مريرة من سياسة عض الأصابع وحرب الاستنزاف المتبادل بين واشنطن وطهران، وهو ما يضع أمن الملاحة في أحد أهم الممرات المائية في العالم - والذي يمر عبره نحو ٢١ مليون برميل نفط يومياً، أي ما يعادل ٢٠٪من الاستهلاك العالمي للنفط، بالإضافة إلى نحو ٢٠٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال - تحت رحمة الحسابات السياسية المتقلبة.
وتتطلب قراءة السلوك الأمريكي في هذا الملف تفكيكاً دقيقاً لزاويتين تبدوان متناقضتين ظاهرياً لكنهما تتكاملان في تفسير المشهد الراهن؛ إذ يمكن قراءة تصريحات الرئيس ترامب - التي أكد فيها غياب أي جدول زمني ضاغط لمعالجة الأزمة - كجزء من عقيدة المناورة التكتيكية. تراهن واشنطن في هذه المساحة على سلاح الزمن لتطبيق خنق اقتصادي ممنهج، مستندة إلى استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية وتكثيف حزم العقوبات. الهدف الاستراتيجي هنا هو دفع الاقتصاد الإيراني نحو نقطة الانكسار، وإجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية دون اضطرار الولايات المتحدة للانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة. غير أن قراءة موازية وعميقة تشير إلى أن هذا الهدوء التكتيكي يغلف معضلة كلاسيكية تقيد الخيارات الأمريكية؛ فاللجوء إلى التصعيد العسكري الشامل سيفرض تكلفة أمنية ومادية باهظة، قد تدفع بأسعار التأمين البحري وعقود الطاقة الآجلة إلى قفزات ثنائية الخانات، مما يهدد سلاسل الإمداد العالمية. وفي الوقت ذاته، فإن الخضوع لشروط طهران يعني تسليم الملاحة الدولية للإرادة الإيرانية، مما يجعل الجمود الحالي مجرد تجميد قسري يعكس إحباطاً مؤسسياً من غياب الحلول الجراحية الفعالة.
على الجانب الاستراتيجي المقابل، لم تقف طهران في موقع المتلقي السلبي للضغوط، بل هندست استراتيجية مضادة تعتمد على إعادة تعريف قواعد الاشتباك وتوظيف تسليح الجغرافيا كرافعة تفاوضية شديدة الوطأة. في خطوة بالغة الدلالة، نجحت إيران في إزاحة ثقل الاهتمام الدولي مؤقتاً عن تعقيدات طموحاتها النووية ومسارات تخصيب اليورانيوم، لتستثمر في نقاط الاختناق البحري (Choke points) كأداة ضغط فوري. لقد حوّلت طهران مسألة السيطرة على حركة التجارة العالمية عبر مضيق هرمز إلى ورقة تفاوضية حاسمة، لتثبت قدرتها على إرباك الحسابات الجيواقتصادية العالمية. وتجلت ملامح سياسة حافة الهاوية الإيرانية في الشروط الجذرية التي وضعتها لفتح المضيق؛ حيث لم تكتفِ بالمطالبة برفع الحصار، بل صعدت سقف مطالبها ليشمل سحب القوات الأمريكية، ودفع تعويضات مالية، وصولاً إلى التمسك بالسيطرة الأمنية الحصرية على الممر المائي والتلويح بفرض رسوم عبور سيادية. هذا التصعيد المفرط لا يعكس بالضرورة رغبة في تحقيق مكاسب فورية ودفعة واحدة، بل يهدف إلى هندسة أمر واقع جيوسياسي جديد يمنح المفاوض الإيراني هوامش مقايضة أوسع ويضع الإدارة الأمريكية في مربع الدفاع.
منذ مغادرة الدبلوماسي المصري بطرس غالي لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة عام ١٩٩٦، بسبب اعتراض -فيتو- أمريكي منع تجديد ولايته، غاب الحضور العربي عن هذا المنصب الرفيع لقرابة ثلاثة عقود. هذا الغياب الطويل ليس مجرد صدفة، ولا يعود لغياب الكفاءات والخبرات الدبلوماسية العربية كما يعتقد البعض. بل هو في الحقيقة نتيجة لتقاطع إجراءات الترشح المٌعقدة داخل الأمم المتحدة مع حسابات القوى العالمية، والتي تشكل معاً حاجزاً يمنع وصول مرشحين عرب جدد لقيادة المنظمة.
وتعود جذور هذه المشكلة إلى طريقة التقسيم الداخلي للأمم المتحدة وقواعد التناوب بين القارات. فالنظام الانتخابي لا يتعامل مع الدول العربية ككتلة جغرافية واحدة، بل يقسمها بين "المجموعة الأفريقية" و"مجموعة آسيا والمحيط الهادئ". هذا التقسيم يضعف القوة التصويتية للعرب؛ فعندما يحين دور إفريقيا أو آسيا لتولي المنصب، يضطر المرشح العربي لمنافسة دول كبرى ذات ثقل سياسي وتعداد سكاني ضخم داخل هاتين القارتين، مما يجعل من الصعب الحصول على الدعم والإجماع الإقليمي اللازم لنجاحه.
إلى جانب هذا التقسيم الداخلي، تلعب الخلافات بين القوى الكبرى في مجلس الأمن دوراً حاسماً. فمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد ساحة رئيسية لتنافس هذه القوى، مما يجعل أي مرشح عربي خاضعاً لحسابات سياسية دقيقة ومشددة من قبل الدول الخمس دائمة العضوية. وبما أن الفوز بالمنصب يتطلب بالضرورة تجنب استخدام أي من هذه الدول لحق "الفيتو"، يصبح من الصعب جداً إيجاد مرشح يحظى برضا جميع الأطراف المتنافسة، خاصة وأن كل مرشح يُقيَّم بناءً على علاقات دولته وتحالفاتها العالمية. لذا، يسعي هذا التحليل إلى تفكيك شيفرة هذا الغياب الممتد فهل يُعد إحجام العواصم العربية عن خوض سباق الترشح خلال العقود الأخيرة تراجعاً واعترافاً بالعجز الدبلوماسي، أم أنه يمثل في واقعه انسحاباً تكتيكياً وقراراً استراتيجياً مدروساً لتجنب خوض معارك انتخابية صُممت قواعدها مسبقاً لاستبعاد مرشحي مناطق التماس الجيوسياسي المشتعلة؟
كان النموذج التقليدي للنظام الدولي يقيس قوة الدول استنادًا إلى مجموعة من المقومات الرئيسة، في مقدمتها قوة النمو الاقتصادي، والقدرات العسكرية، وحجم أراضي الدولة. وعلى أساس هذه المؤشرات، كان النظام العالمي يُوصَف بأنه أحادي القطبية أو ثنائي القطبية أو متعدد الأقطاب، فيما كانت الدولة التي تنجح في تعظيم قوتها الوطنية تتصدر تراتبية القوة العالمية.
غير أن سلسلة من الأزمات غير المسبوقة، من جائحة كوفيد-19 والصراعات الإقليمية إلى الاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد العالمية، وضعت هذا النموذج أمام تحديات متزايدة. فقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية هشاشة الدول المعتمدة على واردات الغذاء، فيما أظهر الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز مدى تعرض واحدة من أكثر نقاط الاختناق البحرية حيوية في العالم للاضطراب. ولا تقتصر تداعيات هذه النقطة على أسواق الطاقة، بل يهدد تعطلها حركة التجارة العالمية، بما في ذلك تدفقات المعادن الحيوية وأشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية وسلاسل إمداد التقنيات المتقدمة التي تتشابك مع مختلف الاقتصادات الحديثة. ويكشف ذلك أن التنافس الناشئ على أن تصبح الدول أطرافًا لا غنى عنها استراتيجيًا يظل، في جوهره، مرهونًا بتأمين طرق التجارة المادية، بما يوضح أن الجغرافيا التقليدية لا تزال تجعل اقتصاد التكنولوجيا الجديد، رغم ما يقوم عليه من عناصر لا غنى عنها، رهينةً لها.
وفي مواجهة هذه المخاطر، سعت اقتصادات ناشئة عديدة إلى تقليص تعرضها لها من خلال تنويع سلاسل الإمداد، وتعزيز التعاون الإقليمي، وزيادة سيطرتها على المواد الخام والبنية التحتية اللوجستية. ويمتد هذا التوجه بصورة متزايدة إلى الموانئ البحرية، التي لا تمثل مجرد بوابات للتجارة العالمية، بل أصولًا استراتيجية تمكّن الدول من مد نفوذها الجيواقتصادي. ولا تستلزم السيطرة على الموانئ بالضرورة امتلاك الدولة لها بصورة مباشرة؛ فقد تسيطر شركات أجنبية مملوكة لدول، أو شركات خاصة، على وظائف حيوية داخل الميناء، بدءًا من تشغيل المحطات ومناولة البضائع، وصولًا إلى الخدمات اللوجستية والأنظمة الرقمية التي تنظم هذه العمليات. ومن شأن هذه السيطرة التشغيلية أن تتيح أشكالًا من النفوذ تتجاوز حدود السيادة الإقليمية للدولة.
وفي الوقت نفسه، يخلق التوسع في رقمنة الموانئ، بما يشمل المناولة الآلية للبضائع، وجدولة حركة السفن، وإدارة البيانات، وأنظمة الاتصالات، مواطن ضعف جديدة على صعيد الأمن السيبراني. فأي اضطراب يصيب هذه الأنظمة، التي تشكل جزءًا من شبكات الخدمات اللوجستية العالمية، قد يعرقل الحركة الفعلية للسلع من دون أن يستلزم إغلاق الممر البحري نفسه. ومن ثم، لا تتعلق القدرة على أن تصبح الدولة طرفًا لا غنى عنه استراتيجيًا بالسيطرة على الممرات المائية وحدها، بل بالسيطرة أيضًا على التقنيات التي تجعل نقاط الاختناق قادرة على أداء وظيفتها الاقتصادية. وفي ظل هذه التحولات، يتبلور نموذج جديد للقوة، يتمحور حول المعادن الأرضية النادرة، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، والتمويل. ولأن دولة واحدة لا تستطيع الهيمنة على جميع هذه القطاعات في آن واحد، باتت الدول توظف ميزتها النسبية الأقوى لتصبح المورد الرئيس لمنتج أو تقنية أو خدمة حيوية، بما يجعل الدول الأخرى أكثر اعتمادًا عليها.
في 15 يوليو 2026، كشفت تقارير أن الاتحاد الأوروبي أجاز لأوكرانيا شراء مكوّنات صينية للطائرات المسيّرة باستخدام أموال صندوق الدفاع الأوروبي. ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على كونها قرارًا يتعلق بالمشتريات الدفاعية، بل تكمن في المفارقة التي تعكسها؛ ففي الوقت الذي تتهم فيه أوروبا الصين بدعم القاعدة الصناعية العسكرية الروسية، وتسعى إلى احتواء قدراتها العسكرية، تجد نفسها مضطرة إلى تمويل مكوّنات تنتجها الصناعات الدفاعية الصينية لغياب بديل عملي قادر على تلبية احتياجاتها.
ولا يبدو هذا التحول مجرد استثناء فرضته ظروف الحرب، بقدر ما يعكس تغيرًا أعمق في طبيعة الصناعات الدفاعية العالمية. فبدلًا من أن تقتصر المنافسة على تصدير الأسلحة الجاهزة، تسعى الصين إلى ترسيخ موقعها بوصفها المورد الذي لا غنى عنه للمكوّنات العسكرية الأساسية التي يعتمد عليها إنتاج الأسلحة الحديثة حول العالم. ومن هنا تبرز الإشكالية الرئيسة لهذه الدراسة: هل تستطيع الصين توظيف هيمنتها على المكوّنات العسكرية لتصبح البنية الصناعية التي لا غنى عنها لصناعة الدفاع العالمية؟
في الرابع من يوليو 2026، احتفلت الولايات المتحدة بالذكرى الـ 250 لاستقلالها، على طريقتها المعتادة. ومع هذه المناسبة التاريخية، امتلأت وسائل الإعلام الأمريكية باستطلاعات الرأي والتقارير التي تستعرض أبرز ما حققته البلاد من إنجازات على امتداد قرنين ونصف، في مختلف المجالات، وفي مقدمتها السينما. ومن بين هذه المبادرات، أجرت صحيفة The New York Times استطلاعًا للرأي لاختيار الفيلم الذي يجسد التجربة الأمريكية على أفضل نحو. وتوزعت اختيارات المشاركين بين كلاسيكيات سينمائية بارزة، مثل The Godfather وCitizen Kane وEasy Rider وAmerican Graffiti، وأفلام أخرى اشتهرت بتقديم نقد اجتماعي حاد، مثل Do the Right Thing.
ورغم أن المشاركين رشحوا مجموعة من كلاسيكيات السينما الأمريكية بوصفها تجسد التجربة الأمريكية، فإن فيلمًا واحدًا خطف الأضواء وتصدر الاستطلاع باعتباره الأكثر تجسيدًا لهذه التجربة، بعدما حصد نحو ثلاثة آلاف صوت، وهو الفيلم الكوميدي الساخر Idiocracy، من إخراج مايك جادج عام 2006.
جاء فيلم Idiocracy، الذي أُنتج عام 2006، بوصفه كوميديا ساخرة تنتقد تصاعد ظاهرة معاداة الفكر والمثقفين في الولايات المتحدة، إلى جانب تناوله قضايا مجتمعية وثقافية، مثل التدهور الوراثي، والنزعة الاستهلاكية، والتسليع، والزيادة السكانية. إلا أن ما بدا آنذاك ضربًا من السخرية اللاذعة، أخذ بعد عقدين من الزمن يقترب على نحو لافت من الواقع، حتى غدت المفارقة التي رسمها الفيلم أقرب إلى حقيقة عبثية.
فمن الحكم الاستعراضي العاجز، إلى تغلغل النزعة التجارية في مختلف مناحي المجتمع، إلى تصاعد معاداة الفكر والمثقفين، وما بينهما من مظاهر لا تقل غرابة، يبدو أن الحياة أخذت تحاكي الفن على نحو يثير الدهشة. وعليه، يمكن النظر إلى فيلم Idiocracy لا بوصفه نبوءة بانحدار المستوى الفكري للمجتمع الأمريكي، وإنما باعتباره إطارًا تحليليًا يفسر التحول من نموذج للحكم القائم على الكفاءة وصنع السياسات، إلى نموذج تتصدر فيه سياسة الانتباه واقتصاد الانتباه أولويات المشهد العام.
يشهد الشرق الأوسط أزمة جيوسياسية جديدة تتركز حول مضيق باب المندب بعد اعلان جماعة الحوثي في اليمن في ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية، تطبيقاً لمبدأ تسميه الجماعة "الحصار بالحصار"، ويأتي هذا الإجراء بوصفه ردًا مباشرًا على القيود التي فرضتها السعودية على المطارات والموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ولا سيما مطار صنعاء وموانئ الحديدة، وجاء هذا القرار بعد تصعيد عسكري شمل توجيه ضربات إلى مطار صنعاء، وإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة نحو مطارات سعودية.
ويهدف الحوثيون من هذا الإغلاق إلى نقل كلفة الحصار من الداخل اليمني إلى مسار حيوي للسعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب عبر إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن التي ترفع العلم السعودي أو السفن المتجهة إلى السعودية، كما يتزامن هذا الإغلاق مع الاضطراب الذي يشهده مضيق هرمز بسبب حرب الإيرانية الأمريكية الجارية، حيث بلغت نسبة اعتراض الحرس الثوري للسفن التي تمر عبر المضيق نحو ٨٩٪. وهو ما دفع المملكة خلال الأشهر الأربعة الماضية إلى تحويل مسار صادراتها النفطية نحو الغرب، إذ نقلت ٤٫٥ مليون برميل من النفط يومياً عبر خط أنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر لتوفير ممر بديل بزيادة تقارب ٥ أضعاف الفترة قبل بدء الحرب.
وعلى صعيد آخر، تواجه باكستان موقفًا استراتيجيًا معقدًا بسبب هذه التطورات، إذ ترتبط إسلام آباد باتفاقية دفاع استراتيجي مشترك مع المملكة العربية السعودية وُقِّعت في سبتمبر ٢٠٢٥، فضلًا عن وجود قوات باكستانية متمركزة في المملكة. وتنص هذه الاتفاقية على أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداءً على الأخرى، بينما تؤدي إسلام آباد في الوقت نفسه دور الوسيط الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، وقد رعت توقيع مذكرة تفاهم لوقف إطلاق النار بين الطرفين في يونيو ٢٠٢٦. وفي هذا السياق، ينظر المسؤولون الباكستانيون إلى الهجمات على السعودية باعتبارها خطًا أحمر، الأمر الذي يجعل الحصار البحري ليس مجرد مشكلة تمس الأمن السعودي، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة باكستان على الموازنة بين دورها كوسيط مع طهران والتزاماتها العسكرية تجاه الرياض. ويضع هذا التضارب القيادة الباكستانية أمام تحدٍ واضح، ويطرح تساؤلًا مهمًا حول ما إذا كانت ستستمر في موقفها المحايد، أم ستتجه إلى موقف أكثر صرامة إذا تطورت الأزمة إلى مواجهة إقليمية تمس مصالح شريكها السعودي.
لعبت المؤسسات الدولية لعقودٍ طويلة دور المرجعية الأساسية للأمن العالمي والمنسق الأول لإدارة الأزمات العابرة للحدود، غير أن إخفاقاتها المتتالية في احتواء الأزمات الراهنة كشف عن تصدعات هيكلية عميقة في بنيتها، مما ولّد حالة غير مسبوقة وملموسة من انعدام الثقة في دورها. ومع ذلك، فإن اختزال هذا المشهد في مجرد "حالة تراجع" يتجاهل تحولاً استراتيجياً أعمق تشهده أُطر حوكمة النظام العالمي؛ فهذه الأزمة، النابعة من التوزيع العتيق والتفاوت الممنهج في موازين القوى، ليست مجرد انهيار للنظام الليبرالي الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية، بل هي أشبه بـ "عملية تصحيح مسار" لواقع القوة. وأمام اتساع فجوة التمثيل داخل هذه المؤسسات والتطبيق الانتقائي للقانون الدولي، لم تعد القوى الناشئة والمتوسطة تكتفي بمناشدة الإصلاح من داخل المؤسسات ذاتها؛ بل انتقلت لتبني استراتيجية تُعرف بـ "التحوط المؤسسي" عبر بناء خيارات وبدائل موازية، وعليه، يخلص هذا التحليل إلى أن نظام العمل متعدد الأطراف لم يلفظ أنفاسه الأخيرة، بل يتحول إلى سوق تنافسي للحوكمة، تتجاوز فيه الدول بيروقراطية الكيانات القديمة لصالح تحالفات "مصغرة" مرنة وتكتلات براغماتية تلبي مصالحها المباشرة.
لم يعد النجاح التجاري للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" وقراراته المتعلقة بالحوكمة يمثلان مسارين منفصلين، بل أصبحا، على نحو متزايد، وجهين لمنظومة واحدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع آليات إدارة اللعبة. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الدراسة الأطراف المستفيدة من النموذج التجاري الحديث لكأس العالم، وكيف باتت إيرادات "فيفا" تعتمد بدرجة متزايدة على حضور النجوم وإقامة المواجهات الجماهيرية الكبرى، وما إذا كان هذا الاعتماد يفضي إلى نشوء حوافز مؤسسية قد تثير تساؤلات بشأن بعض القرارات المتعلقة بأهلية المشاركة أو التحكيم.
وتزداد أهمية هذه الإشكالية في ضوء الحجم غير المسبوق لنسخة كأس العالم 2026، التي تمثل الأكبر والأعلى قيمة تجارية في تاريخ "فيفا". كما تستند منظومة رعاية البطولة إلى هيكل متعدد المستويات يضم علامات تجارية عالمية وشبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية مع الأندية، بما يعكس اتساع المصالح الاقتصادية المرتبطة بالبطولة. وفي الوقت نفسه، شهدت منافسات هذا العام تراجعات عن قرارات تأديبية، إلى جانب حالات أثارت جدلًا تحكيميًا، ربطها منتقدون بصورة مباشرة بالحوافز التجارية التي تمثل أحد المحركات الرئيسة لإيرادات "فيفا".
وتستند هذه الدراسة إلى الإفصاحات المالية الصادرة عن "فيفا"، وبيانات الرعاية، والتغطيات المعاصرة للبطولة، مع الالتزام بالفصل بوضوح بين الوقائع الموثقة والتفسيرات محل الجدل. كما تميز بين ما تثبته الأدلة وما يندرج في إطار القراءات والتحليلات الإعلامية، ولا سيما في الحالات التي طُرحت فيها قرارات تحكيمية أو تأديبية باعتبارها مثارًا للتساؤل والنقاش، لا بوصفها دليلًا على وجود تلاعب.
في 17 يونيو 2026، أصدرت الصين أول كتاب أبيض شامل حول الحوكمة العالمية بعنوان "حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها"، في خطوة تعكس سعيًا صينيًا متواصلًا إلى إعادة صياغة رؤيتها للنظام الدولي، وتعزيز دورها في رسم قواعده المستقبلية. ويطرح الكتاب تصورًا متكاملًا للحوكمة العالمية، يقوم على إعادة صياغة المبادئ والمؤسسات الناظمة للنظام الدولي، مع التأكيد على التعددية وتعزيز دور الأمم المتحدة بوصفهما الركيزتين الأساسيتين لهذا التصور. غير أن القراءة المتأنية للوثيقة تكشف أن بكين تراهن على نموذج للقيادة يستمد نفوذه من صياغة القواعد والمعايير الدولية، أكثر مما يستند إلى تحمل الأعباء المالية والعسكرية التي ارتبطت تاريخيًا بقيادة النظام الدولي. ويأتي صدور هذا الكتاب الأبيض في وقت تواجه فيه الصين متغيرات داخلية متسارعة، وفي مقدمتها التحديات الهيكلية التي تضغط على اقتصادها. ويوفر هذا السياق مفتاحًا لفهم تركيز بكين على القوة المعيارية بوصفها بديلًا عن أنماط القيادة التقليدية الأعلى كلفة. ومن هنا يبرز السؤال المحوري الذي تنطلق منه هذه الدراسة: هل يستطيع النموذج الصيني، القائم على تقليص كلفة القيادة العالمية، تحويل نفوذه المعياري إلى قيادة جيوسياسية مستدامة؟