من القوى العظمى إلى القوى التي لا غنى عنها: كيف يعيد الاعتماد الاستراتيجي تشكيل النظام العالمي؟
البرامج البحثية

من القوى العظمى إلى القوى التي لا غنى عنها: كيف يعيد الاعتماد الاستراتيجي تشكيل النظام العالمي؟

كان النموذج التقليدي للنظام الدولي يقيس قوة الدول استنادًا إلى مجموعة من المقومات الرئيسة، في مقدمتها قوة النمو الاقتصادي، والقدرات العسكرية، وحجم أراضي الدولة. وعلى أساس هذه المؤشرات، كان النظام العالمي يُوصَف بأنه أحادي القطبية أو ثنائي القطبية أو متعدد الأقطاب، فيما كانت الدولة التي تنجح في تعظيم قوتها الوطنية تتصدر تراتبية القوة العالمية.   غير أن سلسلة من الأزمات غير المسبوقة، من جائحة كوفيد-19 والصراعات الإقليمية إلى الاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد العالمية، وضعت هذا النموذج أمام تحديات متزايدة. فقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية هشاشة الدول المعتمدة على واردات الغذاء، فيما أظهر الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز مدى تعرض واحدة من أكثر نقاط الاختناق البحرية حيوية في العالم للاضطراب. ولا تقتصر تداعيات هذه النقطة على أسواق الطاقة، بل يهدد تعطلها حركة التجارة العالمية، بما في ذلك تدفقات المعادن الحيوية وأشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية وسلاسل إمداد التقنيات المتقدمة التي تتشابك مع مختلف الاقتصادات الحديثة. ويكشف ذلك أن التنافس الناشئ على أن تصبح الدول أطرافًا لا غنى عنها استراتيجيًا يظل، في جوهره، مرهونًا بتأمين طرق التجارة المادية، بما يوضح أن الجغرافيا التقليدية لا تزال تجعل اقتصاد التكنولوجيا الجديد، رغم ما يقوم عليه من عناصر لا غنى عنها، رهينةً لها.   وفي مواجهة هذه المخاطر، سعت اقتصادات ناشئة عديدة إلى تقليص تعرضها لها من خلال تنويع سلاسل الإمداد، وتعزيز التعاون الإقليمي، وزيادة سيطرتها على المواد الخام والبنية التحتية اللوجستية. ويمتد هذا التوجه بصورة متزايدة إلى الموانئ البحرية، التي لا تمثل مجرد بوابات للتجارة العالمية، بل أصولًا استراتيجية تمكّن الدول من مد نفوذها الجيواقتصادي. ولا تستلزم السيطرة على الموانئ بالضرورة امتلاك الدولة لها بصورة مباشرة؛ فقد تسيطر شركات أجنبية مملوكة لدول، أو شركات خاصة، على وظائف حيوية داخل الميناء، بدءًا من تشغيل المحطات ومناولة البضائع، وصولًا إلى الخدمات اللوجستية والأنظمة الرقمية التي تنظم هذه العمليات. ومن شأن هذه السيطرة التشغيلية أن تتيح أشكالًا من النفوذ تتجاوز حدود السيادة الإقليمية للدولة.   وفي الوقت نفسه، يخلق التوسع في رقمنة الموانئ، بما يشمل المناولة الآلية للبضائع، وجدولة حركة السفن، وإدارة البيانات، وأنظمة الاتصالات، مواطن ضعف جديدة على صعيد الأمن السيبراني. فأي اضطراب يصيب هذه الأنظمة، التي تشكل جزءًا من شبكات الخدمات اللوجستية العالمية، قد يعرقل الحركة الفعلية للسلع من دون أن يستلزم إغلاق الممر البحري نفسه. ومن ثم، لا تتعلق القدرة على أن تصبح الدولة طرفًا لا غنى عنه استراتيجيًا بالسيطرة على الممرات المائية وحدها، بل بالسيطرة أيضًا على التقنيات التي تجعل نقاط الاختناق قادرة على أداء وظيفتها الاقتصادية. وفي ظل هذه التحولات، يتبلور نموذج جديد للقوة، يتمحور حول المعادن الأرضية النادرة، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، والتمويل. ولأن دولة واحدة لا تستطيع الهيمنة على جميع هذه القطاعات في آن واحد، باتت الدول توظف ميزتها النسبية الأقوى لتصبح المورد الرئيس لمنتج أو تقنية أو خدمة حيوية، بما يجعل الدول الأخرى أكثر اعتمادًا عليها.
الخليج وإعادة تشكيل سوق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة
البرامج البحثية

الخليج وإعادة تشكيل سوق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة

تُعدّ الصين الفاعل المهيمن في صناعة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، بما يرسّخ موقعها في صلب واحدة من أكثر الصناعات حساسية في الاقتصاد العالمي المعاصر. فبحلول عام 2025، كانت تسيطر على "نحو 61% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة و92% من عمليات معالجتها"، وهو ما يعكس تركيزًا ملحوظًا في سلاسل الإمداد المرتبطة بهذه الموارد الاستراتيجية. وفي مواجهة هذا الواقع، سارعت دول وقوى اقتصادية عدة إلى تعزيز قدراتها الوطنية في هذا القطاع، سعيًا إلى تقليص اعتمادها على الصين، سواء في المواد الخام أو المنتجات المعالجة. وفي هذا السياق، كثّفت دول مجلس التعاون الخليجي، انسجامًا مع رؤاها الوطنية لعام 2030، استثماراتها في استخراج هذه العناصر ومعالجتها، في مسعى إلى تنويع قواعدها الاقتصادية وتعزيز حضورها في سوق ما تزال الصين تمسك بمفاصله الرئيسية. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تقييم فرص صعود الخليج كمورّد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، من خلال تحليل دوافع هذا التوجه، ومدى قابليته للتحقق، فضلًا عن التحديات التي قد تواجه دول المجلس في مسار الانخراط في هذا السوق الاستراتيجي.
معادن الكونغو الديمقراطية ومواجهة محتملة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي
البرامج البحثية

معادن الكونغو الديمقراطية ومواجهة محتملة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي

من المتوقع خلال الأشهر القليلة المقبلة أن تدفع إدارة ترامب كلًّا من رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (الكونغو) نحو توقيع اتفاق سلام، يُفترض أن يعقبه اتفاق ثنائي بين الولايات المتحدة والكونغو بشأن المعادن. ويمنح هذا الاتفاق بعض الأطراف مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة، بينما يترك أطرافًا أخرى في وضع أقل حظًا. من المنتظر أن تحقق الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية وسياسية من هذا الاتفاق، خصوصًا في إطار منافستها المتصاعدة مع الصين. أما جمهورية الكونغو الديمقراطية، فستستفيد على المدى القصير عبر توظيف رواية "المعادن في مناطق النزاع"، لكن العواقب بعيدة المدى قد لا تصب في مصلحتها.   في المقابل، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في موقف لا يُحسد عليه، إذ سيكون مضطرًا إما إلى تعديل سياساته تجاه معادن الكونغو أو مواجهة احتمالية التصادم مع إدارة ترامب. ورغم أن المواجهة العسكرية المباشرة بين الطرفين لا تزال غير مرجحة، فإن اندلاع حرب بالوكالة يُعد احتمالًا قائمًا، وقد تكون حركة 23 مارس "إم 23" المسلحة هي الطرف الأبرز فيها. ومع تزايد الأهمية الجيواقتصادية للمعادن، تضع إدارة ترامب نصب أعينها عددًا من الدول، منها أوكرانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، كأهداف محتملة في استراتيجيتها المقبلة.
العناصر الأرضية النادرة: استخدامات الاكتشافات الجديدة وآثارها
البرامج البحثية

العناصر الأرضية النادرة: استخدامات الاكتشافات الجديدة وآثارها

العناصر الأرضية النادرة عبارة عن مجموعة من 17 عنصرًا ضروريًا لإنتاج نطاق واسع من المنتجات ذات التقنية العالية. ومن المفارقة، أن تلك العناصر الأرضية النادرة ليست "نادرة"، بل تتوافر بكثرة في جميع أنحاء العالم، ولكن إن توافرت، توجد في تركيزات منخفضة لدرجة لا يمكن استخراجها. وعلاوة على ذلك، في حال وجودها في تركيزات أعلى، يتعين فصلها عن العناصر الأخرى، وهي عملية مكلفة بيئيًا وماليًا.