اقتصاد الفضاء الجديد: صعود الفضاء كساحة جديدة للتنافس الاستراتيجي
البرامج البحثية

اقتصاد الفضاء الجديد: صعود الفضاء كساحة جديدة للتنافس الاستراتيجي

قد لا يكون التحول الاقتصادي الكبير المقبل على الأرض، بل في الفضاء. فمع تسارع النشاط التجاري خارج حدودها، يتحول الفضاء إلى مجال متزايد الأهمية للتنافس الاقتصادي والاستراتيجي، فيما تحتدم المنافسة بين الحكومات والشركات على البنية التحتية التي تقوم عليها الاتصالات والملاحة والتمويل ومراقبة المناخ والدفاع والجيل المقبل من الخدمات الرقمية. ولا تكمن أهمية هذا التحول في سباق جديد للعودة إلى القمر أو الوصول إلى المريخ فحسب، بل في تغير أعمق يعيد تشكيل علاقة الفضاء بالاقتصاد العالمي؛ إذ يندمج المدار تدريجيًا في بنيته، ويتحول إلى أحد مكوناته الحيوية، بما يرتب تداعيات متزايدة على قوة الدول، وأنماط الاعتماد التكنولوجي، وقواعد الحوكمة الدولية.   وتتضح أبعاد هذا التحول بصورة أكبر في طبيعة الاقتصاد الفضائي نفسه، حيث يتسع الدور التجاري للقطاع الخاص من دون أن يتراجع الدور المحوري للدولة. فعلى الرغم من أن الاستثمار العام لا يزال يمثل ركيزة أساسية للقطاع، تضطلع الشركات الخاصة بدور متنامٍ في خدمات الإطلاق والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية ورصد الأرض وتحليل البيانات. غير أن اتساع النشاط التجاري يتزامن مع تزايد التداخل بين الاستخدامات المدنية والعسكرية للفضاء؛ فالأقمار الاصطناعية التي تخدم الزراعة والخدمات اللوجستية والاستجابة لحالات الطوارئ يمكن أن تدعم في الوقت نفسه الاستخبارات والاستهداف والاتصالات الآمنة والملاحة العسكرية. ومع تعمق اعتماد الحياة والاقتصاد على الأرض على هذه البنية التحتية، لم يعد الوصول إلى المدار مجرد قدرة تقنية، بل أصبح أحد مقومات الصمود الاقتصادي والاستقلالية الاستراتيجية.
ماذا لو التهم الذكاء الاصطناعي الكتب التي يتعلّم منها؟
البرامج البحثية

ماذا لو التهم الذكاء الاصطناعي الكتب التي يتعلّم منها؟

تفرز الطفرة الراهنة في الذكاء الاصطناعي مفارقة غير مألوفة: فكلما ازدادت حاجة شركاته إلى معلومات عالية الجودة، اشتد سعيها إلى الكتب الورقية التي تختزن هذه المعلومات، إلى حد إتلاف بعضها بعد استخلاص محتواها. وخلال الأشهر الأخيرة، رصد بائعو كتب مستقلون في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا ومناطق أخرى قفزات مفاجئة وغير مفسرة في طلبات الشراء بالجملة، شملت في بعض الحالات مئات الكتب المتباينة والمغمورة. وبعد شرائها، يُنقل بعض هذه الكتب إلى منشآت يُنزع فيها تجليدها، وتُمسح صفحاتها ضوئيًا بسرعات عالية، قبل التخلص مما تبقى منها أو إعادة تدويره. وقد تكون الظاهرة أوسع نطاقًا بكثير مما تكشفه الحالات المعروفة حتى الآن. فقاعدة بيانات الكتب "ISBNdb"، وهي إحدى قواعد البيانات الرئيسية في هذا المجال، تتيح عمليات شراء تتراوح بين ألف ومليون كتاب في الطلب الواحد، فيما يتحدث بائعون عن عناوين ظلت سنوات بلا مشترين، قبل أن تصبح فجأة موضع طلب كثيف. وفي الوقت نفسه، كُشف عن منشأة تابعة لشركة "أمازون" (Amazon) في لاس فيجاس، وصف موظفون فيها عمليات تُقطع خلالها كعوب الكتب، وتُمسح صفحاتها المفككة ضوئيًا، ثم يُتخلص من الورق الناتج عن العملية. غير أن دلالة هذه الظاهرة تتجاوز سوق الكتب وصناعة النشر إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة السباق على تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه. فإذا كان بناء نماذج أكثر قدرة يتطلب كميات متزايدة من المعرفة المختزنة في مصادر مادية، فما الذي يحدث عندما يقود السباق لاستخلاص هذه المعرفة إلى استنزاف المصادر التي تحملها؟ هنا تتجسد المفارقة في صورتها الأكثر وضوحًا: ماذا لو انتهى الذكاء الاصطناعي، في أثناء تعلّمه من الكتب، إلى إتلاف النسخ المادية التي أتاحت له هذا التعلّم من الأساس؟
حروب المياه في العصر الرقمي: هل ندفع ضريبة التكنولوجيا من أمننا المائي؟
البرامج البحثية

حروب المياه في العصر الرقمي: هل ندفع ضريبة التكنولوجيا من أمننا المائي؟

تشهد البشرية اليوم واحدة من أبرز مفارقات العصر الحديث وأكثرها تعقيداً؛ فبينما تتسابق كبرى شركات التكنولوجيا لتقديم الذكاء الاصطناعي كحل سحري لإنقاذ الكوكب ومعالجة أزمات المناخ، يتشكل في الظل واقع مادي معاكس يبعث على القلق. وتستنزف هذه التكنولوجيا الفائقة، التي تبشرنا بمستقبل مستدام، في صمت تام أحد أهم الموارد الحيوية والنادرة التي يعتمد عليها بقاء الإنسان، ألا وهو المياه العذبة.   وينقلنا هذا التناقض العميق بين الوعود الرقمية البراقة والواقع البيئي القاسي من مجرد رصد مشكلة تقنية عابرة، ليطرح أمامنا تساؤلاً استراتيجياً وجيوسياسياً جوهرياً: هل تصطدم طموحات الذكاء الاصطناعي اللامحدودة بالحدود المادية القاسية لموارد كوكب الأرض؟ ويفرض هذا الصراع الصامت بين التطور التكنولوجي وندرة الموارد الطبيعية سؤالاً حاسماً: من سيخضع للآخر في نهاية المطاف، خوادم البيانات الجبارة أم قطرات الماء الحيوية؟
معادلة غير متكافئة: كيف يغير الذكاء الاصطناعي اقتصاديات الهجوم والدفاع السيبراني؟
البرامج البحثية

معادلة غير متكافئة: كيف يغير الذكاء الاصطناعي اقتصاديات الهجوم والدفاع السيبراني؟

لطالما مالت الكفة في معادلة الأمن السيبراني لمصلحة المهاجم، لكن الذكاء الاصطناعي بات يوسع هذه الأفضلية ويعمق الفجوة الاقتصادية بين كلفة شن الهجوم وكلفة التصدي له. فالأنظمة الوكيلة ذاتية التشغيل تختزل العمليات المعقدة في حلقات مؤتمتة لاتخاذ القرار، بما يتيح لفريق بشري صغير إسناد الجزء الأكبر من العمل التكتيكي إلى الآلة، من الاستطلاع واستغلال الثغرات إلى الحركة الجانبية داخل الشبكات. وبدلًا من أن تظل وتيرة التنفيذ رهينة سرعة العمل البشري، تنتقل هذه المهام إلى إيقاع الآلة وقدرتها على العمل المتواصل والمتوازي. وفي حالة موثقة واحدة على الأقل، تولى الذكاء الاصطناعي بنفسه ما بين 80% و90% من هذا العمل.   ولا يعني ذلك أن الهجوم أصبح بلا كلفة، وإنما أن العلاقة بين الكلفة وحجم الهجوم آخذة في التغير. فكلما ازداد عدد الأهداف، لم تعد الكلفة ترتفع بالمعدل نفسه الذي كانت تفرضه العمليات المعتمدة بدرجة أكبر على العنصر البشري؛ إذ تتيح الأتمتة توسيع نطاق الهجوم من دون زيادة موازية في حجم العمل البشري اللازم لتنفيذه. وفي المقابل، تتحرك الكلفة على الجانب الدفاعي في الاتجاه المعاكس. فكلفة الاختراقات آخذة في الارتفاع، فيما يضيف انتشار "الذكاء الاصطناعي الخفي" عبئًا جديدًا يرتبط بمتطلبات الحوكمة والرقابة، لتزداد بذلك الكلفة التي تتحملها المؤسسات في الدفاع عن أنظمتها والتعافي من الاختراقات.   ومن هذا التباين تتشكل المفارقة الاقتصادية التي تقف في صميم التحليل: الأتمتة تخفض كلفة العمل البشري اللازمة للهجوم، بينما ترتفع على الجانب الدفاعي نفقات التعافي وأعباء الامتثال والتنظيم. ومع تحرك طرفي المعادلة في اتجاهين متعاكسين، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل اقتصاديات الأمن السيبراني، ويغير من أساسها معادلة الكلفة بين الهجوم والدفاع.
التمدد الهادئ لنفوذ شركات الذكاء الاصطناعي في انتخابات التجديد النصفي
البرامج البحثية

التمدد الهادئ لنفوذ شركات الذكاء الاصطناعي في انتخابات التجديد النصفي

لم يعد التنافس على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي يُحسم داخل المختبرات وحدها، بل امتد إلى صناديق الاقتراع. ففي وقتٍ لا تزال فيه الولايات المتحدة تواجه صعوبة في إقرار إطار تشريعي وتنظيمي شامل لإحدى أسرع التقنيات تطورًا في العالم، بدأت الشركات التي تقود هذا القطاع تتنافس على ما هو أثمن من الحصة السوقية، وهو النفوذ السياسي. وخلال دورة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، أنفقت شركات الذكاء الاصطناعي ولجان العمل السياسي المرتبطة بها عشرات الملايين من الدولارات في سباقات الكونجرس، ودعمت مرشحين متنافسين، ووسعت نشاطها في مجال الضغط السياسي داخل واشنطن. وبذلك، لم تعد الانتخابات مجرد ساحة للتنافس على النفوذ، بل أصبحت جزءًا من الصراع على الجهة التي ستتولى صياغة قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل.   ويعكس ذلك تحولًا نوعيًا في العلاقة بين التكنولوجيا والسياسة. فبدلًا من انتظار الحكومات لوضع الأطر المنظمة للذكاء الاصطناعي، باتت الشركات الرائدة تسعى، على نحو متزايد، إلى التأثير في البيئة السياسية التي ستنبثق عنها تلك الأطر، قبل إقرارها. ومع استمرار الانقسام داخل الكونجرس بشأن تشريع شامل لتنظيم الذكاء الاصطناعي، غدت الانتخابات إحدى الساحات التي يتحدد فيها مستقبل حوكمة هذه التكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، قد تمثل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 أول اختبار لقدرة المؤسسات الديمقراطية على صياغة الأطر المنظمة للذكاء الاصطناعي، قبل أن يبدأ النفوذ السياسي المتنامي للشركات العاملة في هذا القطاع في التأثير في صياغتها.
حدود الأتمتة: لماذا تعيد الشركات توظيف البشر؟
الإصدارات
15 يوليو 2026

حدود الأتمتة: لماذا تعيد الشركات توظيف البشر؟

منذ منتصف عام 2025، بدأت أعداد متزايدة من المؤسسات التي اندفعت نحو أتمتة الأعمال التي يؤديها البشر بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إعادة النظر في قراراتها. وتكشف تجارب بارزة، من بينها فورد موتور، وبنك الكومنولث الأسترالي (CBA)، وآي بي إم، وكلارنا، عن نمط متكرر: فقد أثبتت أنظمة الذكاء الاصطناعي كفاءة عالية في إنجاز المهام الروتينية ذات الأحجام الكبيرة، لكنها واجهت صعوبات في المهام التي تتطلب فهم السياق، والخبرة الضمنية، والتقدير الأخلاقي، والتعامل مع تفاعلات العملاء المعقدة. ولم يدفع ذلك هذه المؤسسات إلى التخلي عن الذكاء الاصطناعي، بل إلى إعادة إدماج العنصر البشري أو إعادة تصميم أدواره بما يحقق التكامل مع الأنظمة المؤتمتة.   وتذهب هذه الورقة إلى أن هذه التطورات لا تعني فشل الذكاء الاصطناعي، ولا تشير إلى انحسار موجة الأتمتة واسعة النطاق. بل إن البيانات الكلية لسوق العمل ترسم صورة معاكسة، إذ يواصل الذكاء الاصطناعي دفع الشركات إلى تقليص قواها العاملة في العديد من القطاعات. وما تكشفه التجارب السابقة، في المقابل، هو أن كثيرًا من المؤسسات التي بادرت إلى تبني هذه التقنيات بالغت في تقدير إمكانية أتمتة الوظائف بأكملها بأمان، بدلًا من أتمتة مهام محددة داخل تلك الوظائف. وهكذا، دخلت الشركات مرحلة من المراجعة وإعادة ضبط نماذجها التنظيمية، تعيد فيها رسم الحدود بين ما يمكن إسناده إلى الآلة بكفاءة، وما يظل بحاجة إلى الحكم والخبرة البشريين.   واستنادًا إلى دراسات حالات هذه الشركات، إلى جانب قاعدة أوسع من الأدلة التجريبية المستقاة من أورجفيو، وفورستر، وروبرت هاف، وكيرمايندز، وجارتنر، وماكينزي، تطرح هذه الورقة إطارًا تحليليًا يقوم على مفهوم "التكامل المشروط بطبيعة المهام". ووفق هذا الإطار، يتولى الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة المهام المعيارية والمتكررة والقابلة للتنبؤ، فيما يتركز الدور البشري في الإشراف المتخصص، ومعالجة الحالات الاستثنائية، والتحسين المستمر للأنظمة.   وفي الوقت نفسه، تبحث الورقة حدود انطباق هذا الإطار، إذ لم تمر جميع المؤسسات بمرحلة مماثلة من المراجعة وإعادة الضبط. فشركات مثل أمازون وسيلزفورس وشوبيفاي لم تشهد، وفق ما هو معلن، تراجعات مماثلة عن قرارات الأتمتة، وهو ما يشير إلى أن نتائجها قد تتباين تبعًا لخصائص القطاع، وتصميم سير العمل، ودرجة النضج المؤسسي، وسرعة تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما تقدم دولينجو وجي بي مورجان نموذجين لاستجابات مؤسسية مختلفة عن إعادة التوظيف المباشر، من بينها مراجعة السياسات وإعادة توزيع الموظفين داخل المؤسسة.   وتخلص الورقة في جوهرها إلى أن مستقبل العمل لن تحسمه، على الأرجح، أي من رؤي بين متطرفتين: إحلال الذكاء الاصطناعي محل البشر على نطاق واسع، أو مقاومة تبنيه. بل ستتوقف الميزة التنافسية، بصورة متزايدة، على قدرة المؤسسات على التمييز بدقة بين المهام التي يمكن أتمتتها وتلك التي تظل بحاجة إلى خبرة بشرية مستمرة، ثم إعادة تصميم العمل على نحو يحقق التكامل الفعّال بين الإنسان والآلة. ومن هذا المنطلق، ستكون المؤسسات الأقدر على النجاح هي تلك التي تتعامل مع تطبيق الذكاء الاصطناعي باعتباره مدخلًا لإعادة تصميم العمل والنموذج التنظيمي، لا مجرد وسيلة لخفض أعداد العاملين.
السيادة الرقمية: العالم تحت حكم الخوارزميات
البرامج البحثية

السيادة الرقمية: العالم تحت حكم الخوارزميات

بحلول عام ٢١٠١، سيشهد مفهوم الديمقراطية وأنظمة الحكم تحولاً جذرياً يتجاوز الآليات التقليدية المتمثلة في صناديق الاقتراع والخطابات السياسية، ليحل محلها نظامٌ سيعتمد على واجهات رقمية شفافة تعرض مخرجات خوارزميات فائقة القدرة، ستتولى اتخاذ القرارات المصيرية نيابةً عن الشعوب، ولن تدور الإشكالية الجوهرية في الفلسفة السياسية حينها حول من يملك حق التصويت. بل سينتقل مركز الثقل ليطرح تساؤلاً أكثر عمقاً وخطورة: من سيمتلك صلاحية صياغة الشفرة البرمجية (Code) التي ستُسيّر المصائر البشرية وتتحكم في موارد العالم؟   وفي تلك الأثناء جلست "ندا" داخل قاعةٍ زجاجيّةٍ شاهقةٍ تشرف على قلب المدينة، حيث تمتدّ أمام ناظريها جدرانٌ رقميّةٌ عملاقةٌ تتلألأ برسومٍ بيانيّةٍ وخطوطٍ متموّجة. كان هذا المكان يعرف بـ "قاعة نّبض الشعب"؛ فهو بمثابة المركز العصبيّ الّذي ترصد من خلاله الخوارزميَات المزاج العام لحظةً بلحظة. خلت اللّوحة الرّئيسيّة من أيّ ذكرٍ لأحزابٍ أو مرشّحين، وحلّت محلّها سطورٌ من الأوامر البرمجيّة المعقّدة، ومؤشّراتٌ لونيّةٌ دقيقةٌ تقيس مستويات الخوف، والغضب، والرّضا، والثّقة، تمامًا كما تقاس معدّلات الحرارة والرّطوبة.   أطلقت ندا تَنَفُّساً حارّاً وتمتمت في سرّها: "لقد حدث كلّ هذا... لأنّ الدّيمقراطيّة تآكلت ذاتيًّا". وكانت قد درست في الجامعة ما اصطلح المؤرّخون على تسميته بـ عصر الفوضى السّياسيّة في أواخر القرن الحادي والعشرين؛ حينما استحالت الانتخابات إلى ساحاتِ حربٍ سيبرانيّةٍ مفتوحةٍ، تقودها فيالق من الرّوبوتات البرمجيّة، وتغرقها طوفاناتٌ لا تنقطع من الأخبار المزيّفة. في تلك الحقبة، هيمن المال العابر للحدود على كلّ شيء، مبتاعًا الحملات الانتخابيّة، واستطلاعات الرّأي، ومنصّات النّقاش العامّ. وأمام كلّ أزمةٍ مناخيّةٍ أو وبائيّةٍ أو ماليّةٍ، وقفت الحكومات المنتخبة مشلولةً، تنشغل بالصّراعات البينيّة أكثر ممّا تنشغل بالحكم.   في تلك اللّحظة المفصليّة، تراءى للحكومات والشّعوب المنهكة أنّ الحلّ المنطقيّ يكمن في خيارٍ وحيد: "ليكن القرار للآلة". برز في البداية ما سمّي بـ "نظام الحوكمة الخوارزميّة الشّاملة"؛ كنظمٍ متقدّمةٍ صمّمت لتعين صنّاع القرار على قراءة البيانات واتّخاذ قراراتٍ أسرع وأكثر تجرّدًا من الانفعال. سوّقت هذه الأنظمة للجمهور آنذاك بوصفها "محايدة"، لا تسعى لشعبيةٍ زائلة، ولا تخشى صناديق الاقتراع، ولا تحرّكها المصالح الخاصّة. غير أنّ ما بدأ كأداةٍ مساعدة، لم يلبث أن تحوّل ليصبح مركز الثّقل وصانع القرار الأوحد.
من الصمود إلى الصعود: كيف تحوّل الإمارات الأزمات إلى فرص
البرامج البحثية

من الصمود إلى الصعود: كيف تحوّل الإمارات الأزمات إلى فرص

يقع الكثير من المحللين في خطأ منهجي متكرر عند تقييم مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة في خضم الاضطرابات الإقليمية؛ إذ يعمدون إلى قياس مناعة الدولة بمدى بُعدها الجغرافي عن بؤر الخطر، متجاهلين قدرتها الفائقة على إعادة ابتكار ذاتها في مواجهة ما يعترضها من أزمات. هذا الخطأ تحديداً هو ما يمنح السرديات التشاؤمية حول "أفول نجم الخليج" صدىً في القراءات الأولية المتعجلة، وهي سرديات سرعان ما تتهاوى أمام لغة الأرقام وصلابة الوقائع. فالإمارات لم تتجاوز الأزمات الكبرى التي عصفت بالمنطقة عبر العقود الماضية بفضل الاحتماء بمسافات آمنة أو مظلات خارجية، بل تجاوزتها لامتلاكها مقومات أعمق وأكثر ديمومة: تتمثل في براعتها في تحويل الصدمات إلى إصلاحات جادة، والارتقاء بتلك الإصلاحات لتصبح ميزة تنافسية راسخة.   من هنا لا يهدف هذا التحليل إلى التقليل من حجم التحديات التي تفرضها حرب إقليمية باتت تلقي بظلالها الثقيلة على أمن مضيق هرمز، وأسواق التأمين البحري، وتدفقات الاستثمار؛ بل يمثل مسعىً منهجياً للإجابة عن ثلاثة تساؤلات محورية مترابطة: كيف تمكنت الإمارات من تجاوز الأزمات الكبرى تاريخياً؟ وكيف استبقت اندلاع الأزمة الراهنة بتحصين بنيتها التحتية ومنظومتيها الاقتصادية لضمان استدامة صمودها؟ وأخيراً، كيف يمكن مقاربة المشهد الحالي، لا بوصفه إيذاناً بنهاية نموذج تنموي، بل باعتباره تمهيداً لمرحلة أكثر نضجاً ورسوخاً في صلب الاقتصاد العالمي.
الذكاء الاصطناعي في الحروب: ما الذي تكشفه حرب إيران عن خوارزميات البنتاجون
البرامج البحثية

الذكاء الاصطناعي في الحروب: ما الذي تكشفه حرب إيران عن خوارزميات البنتاجون

في 28 فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية واسعة ضد إيران، استهدفت أكثر من 900 موقع خلال الساعات الاثنتي عشرة الأولى، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. ولا يزال الصراع مستمرًا، مع تواصل الضربات في مختلف أنحاء البلاد، وتزايد مؤشرات اختلال الاستقرار الإقليمي بوتيرة متسارعة. غير أن هذا التصعيد لا يقتصر على الأدوات القتالية التقليدية، بل يكشف، في موازاته، عن تحول نوعي في أنماط إدارة العمليات العسكرية، يتمثل في الدور المتنامي للخوارزميات والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في توجيه مسار الحرب وإعادة تشكيل معادلاتها العملياتية.   لقد تحوّل الذكاء الاصطناعي، وهو التكنولوجيا ذاتها التي يستخدمها ملايين الأفراد يوميًا في صياغة الرسائل الإلكترونية أو تلخيص الوثائق، إلى أداة محورية ضمن بنية القوة العسكرية الفتاكة. إذ جرى دمج نموذج "Claude" الذي تطوره شركة "Anthropic" في منظومة الاستهداف والتحليل الاستخباراتي التابعة للبنتاغون، حيث يعالج صور الأقمار الصناعية والاتصالات المعترضة والبيانات العملياتية، بما يدعم قرارات القادة العسكريين بشأن تحديد الأهداف ومواقعها وتوقيت تنفيذ الضربات.   ما كان يتطلب في السابق أيامًا من التحليل البشري بات يُنجز خلال ساعات أو حتى دقائق، بما يفرض وتيرة عملياتية لم يكن بوسع أي جيل سابق من المخططين العسكريين مجاراتها. ورغم حضور الذكاء الاصطناعي في ساحات القتال سابقًا، من خلال أنظمة توجيه الطائرات المسيّرة وتحليل صور الأقمار الصناعية، فإن الصراع مع إيران يمثل حتى الآن أوسع توظيف وأكثره تأثيرًا لهذه التكنولوجيا، في حين لا تزال التداعيات الكاملة لهذا المستوى من الانتشار قيد التشكّل.
التمرد الخوارزمي: كيف عزز الذكاء الاصطناعي من قدرات التنظيمات الإرهابية؟
البرامج البحثية

التمرد الخوارزمي: كيف عزز الذكاء الاصطناعي من قدرات التنظيمات الإرهابية؟

يشهد المشهد الأمني العالمي تحولاً جذرياً مدفوعاً بالتطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تجاوزت كونها مجرد أدوات تقنية لتصبح قوة استراتيجية تعيد رسم خرائط النفوذ والصراع. لقد بات الذكاء الاصطناعي قوة تحويلية ترفد المجتمع بفرص واعدة، لكنها تنطوي في جوهرها على طبيعة مزدوجة الاستخدام تجعلها سلاحاً ذا حدين. وتكشف القراءة المتأنية للسوابق التاريخية عن نمط متكرر تتبناه التنظيمات الإرهابية، يتمثل في البراعة الفائقة في تطويع التقنيات البازغة لخدمة أجنداتها الراديكالية؛ فكما استغلت هذه الجماعات المنتديات الإلكترونية وتطبيقات التراسل المشفرة في السابق، فإنها اليوم تعكف بدأب على سبر إمكانيات الذكاء الاصطناعي وتبنيه، ولم يعد هذا التبني مجرد تكهنات مستقبلية أو مخاوف نظرية، بل انتقل الإرهاب المدعوم بالذكاء الاصطناعي فعلياً من المرحلة النظرية إلى مرحلة التطبيق التجريبي الذي يتسم بالتكرار والانتشار السريع، مما أثار قلق الدوائر الأمنية والحكومات من تحول هذه التقنية إلى "هبة" استراتيجية تعزز قدرات الإرهابيين بصورة غير مسبوقة. إن التقارب بين الذكاء الاصطناعي ومفاهيم الحرب غير المتكافئة يغير بشكل جوهري موازين القوى بين الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية، حيث انخفضت بشكل كبير عوائق الدخول التي كانت تفرضها التكنولوجيا العسكرية المتقدمة سابقاً. وتشير الأدلة الميدانية والاستخباراتية إلى أننا أمام استراتيجية تبني متعددة المجالات، تشمل النطاقات المعلوماتية والمادية والسيبرانية، مما يستدعي تحليلاً عميقاً لكيفية إعادة هندسة الإرهاب في عصر الآلة.
الأمن اللغوي العربي في عصر الذكاء الاصطناعي:  تحليل سوسيولوجي وسياسات استباقية
الإصدارات
14 يناير 2026

الأمن اللغوي العربي في عصر الذكاء الاصطناعي: تحليل سوسيولوجي وسياسات استباقية

تتناول هذه الدراسة قضية "الأمن اللغوي العربي" في ظل التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي؛ إذ تؤكد الدراسة أن الأمن اللغوي يتجاوز مجرد الحفاظ على بنية اللغة ليشمل الهُوية والاستقرار المجتمعي؛ حيث تنتقد الدراسة غياب التحليل السوسيولوجي النقدي لتأثير الذكاء الاصطناعي على اللغة العربية في الأدبيات العربية، ويغلب التركيز على الجوانب التقنية أو الاقتصادية. ومن ثم؛ تطرح الدراسة فكرة أن الأمن اللغوي العربي مهدد نتيجة تعميق الفجوة الرقمية-اللغوية، وهيمنة المحتوى الغربي، وإعادة تشكيل الاستخدام اللغوي اليومي؛ مما يؤثر على الهُوية والتماسك الاجتماعي. لذا، تستخدم الدراسة إطارًا نظريًّا تكامليًّا (يشمل البناء الاجتماعي للتكنولوجيا، الاستعمار الرقمي، نظرية بورديو، ونظريات الهوية) لتحليل هذه التحديات، مع الإشارة أيضًا إلى الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لدعم العربية (في التعليم، إتاحة المعرفة، الرقمنة، الإبداع، ودعم ذوي الهمم). ومن ثم؛ تقارن الدراسة بين بعض التجارب الدولية (لا سيما في الصين، فرنسا، الإمارات) في حوكمة تقاطع الذكاء الاصطناعي واللغة الوطنية؛ مستخلصة دروسًا للسياق العربي. وتخلص الدراسة إلى ضرورة تبني سياسات عربية استباقية وفعَّالة اجتماعيًّا. وعليه؛ تقدم هذه الدراسة توصيات تشمل بناء رؤية استراتيجية، والاستثمار في الموارد اللغوية الرقمية، وبناء القدرات، والحوكمة الأخلاقية، وتعزيز المحتوى المتنوع، ورفع الوعي المجتمعي، وتفعيل التعاون الإقليمي لضمان مستقبل آمن ومزدهر للغة العربية في العصر الرقمي.
اتجاهات الرأي العام: الذكاء الاصطناعي والهوية العربية
البرامج البحثية

اتجاهات الرأي العام: الذكاء الاصطناعي والهوية العربية

ترصد هذه الدراسة اتجاهات الرأي العام في المجتمعات العربية تجاه الذكاء الاصطناعي، وذلك استنادًا إلى بيانات جُمعت في نوفمبر 2025، مع تركيز خاص على الاعتماد المتزايد على نماذج أجنبية وتداعيات ذلك على القيم الثقافية والهوية العربية. وتُبرز النتائج تنامي المخاوف إزاء الدور الذي قد تؤديه أنظمة الذكاء الاصطناعي في التأثير على الأعراف السائدة، وإعادة تشكيل الهوية الجمعية، وإعادة ترتيب الأولويات المجتمعية، بما يحمله ذلك من آثار بعيدة المدى.   ومن خلال تحليل تصوّرات الرأي العام بشأن الحاجة إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية، والجهات التي ينبغي أن تتولّى قيادتها، تُقدّم هذه الدراسة قراءة معمّقة لكيفية تحوّل الاعتماد التكنولوجي، على نحو متزايد، إلى قضية ذات أبعاد استراتيجية وثقافية مرتبطة بالهوية في مختلف أنحاء العالم العربي.