تكشف التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي عن مفارقة لافتة في النقاش حول مستقبل الأمن العالمي. فالتحذيرات من مخاطر هذه التكنولوجيا لم تعد تأتي من الدبلوماسيين والمسؤولين العسكريين وحدهم، بل بات بعضها يصدر عن قادة الشركات التي تتولى تطويرها. وقد تجلت هذه المفارقة بوضوح أمام مجلس الأمن الدولي في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 2026، حين قدم سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "OpenAI"، وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "Anthropic"، وكليمان ديلانج، الشريك المؤسس لمنصة "Hugging Face"، إحاطات أمام أعضاء المجلس الخمسة عشر، في وقت تواجه فيه الحكومات أنظمة ذكاء اصطناعي تزداد قدرة على كتابة الأكواد البرمجية، والعمل بصورة مستقلة، والتفاعل مع أنظمة خارجية، وربما تحسين قدراتها ذاتيًا.
ولم تنبع أهمية المشهد من حضور قادة هذه الشركات أمام مجلس الأمن فحسب، بل من أن التحذيرات جاءت هذه المرة من مسؤولين يقودون تطوير التكنولوجيا التي يحذرون هم أنفسهم من مخاطرها. فقد حذر أمودي من أن الذكاء الاصطناعي، إذا أسيئت إدارته، "قد يشكل خطرًا على البشرية جمعاء"، فيما شدد ألتمان على أن القرارات المتعلقة بهذه التكنولوجيا لا يمكن أن تُترك لشركات التكنولوجيا وحدها. وتكتسب هذه المناقشات دلالة خاصة مع انتقال الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة من نطاق السياسات التكنولوجية إلى صميم قضايا الأمن الدولي. غير أن القضية الأعمق لا تتعلق فقط بحجم المخاطر التي قد تنطوي عليها هذه التكنولوجيا، بل بمن سيضع القواعد التي تحكمها، في وقت تتركز فيه القدرة على تطوير أكثر أنظمتها تقدمًا لدى عدد محدود من الدول والشركات.
وفي قلب هذه المعادلة، تسعى الأمم المتحدة إلى أن تصبح المحفل الذي تُناقش فيه قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي. غير أنها تدخل ساحة تتشكل موازينها بالفعل بفعل القدرات التكنولوجية والقوة الاقتصادية ومصالح الأمن القومي والرؤى المتباينة للحوكمة. ومن ثم، لا يدور التحدي حول صياغة قواعد لتنظيم تكنولوجيا سريعة التطور فحسب، بل حول موقع الأمم المتحدة وقدرتها على التأثير في منظومة حوكمة تتنافس قوى متعددة على تشكيلها.
شهد شهر ديسمبر من عام 2025 تحولًا هيكليًا في ميزان القوى التكنولوجي العالمي، إذ صادق ائتلاف صناعي مدعوم من الدولة الصينية – وتُنسق أعماله شركة "هواوي" – على تشغيل نموذج أولي وظيفي لنظام الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) في منشأة بمدينة شينزين. يُسقط هذا الإعلان الفرضية الأساسية التي هيمنت على الدوائر الجيوسياسية في واشنطن وبروكسل وطوكيو طوال العقد الماضي، والتي راهنت على أن التعقيد الهندسي المفرط لهذه التقنية سيُبقي الصين معزولةً دائمًا خلف حاجز تقني يمنعها من تجاوز دقة تصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة بمعمارية 7 نانومتر.
استندت استراتيجيات الاحتواء الغربية إلى قناعة راسخة بأن احتكار سلاسل التوريد المعقدة لشركة "ASML" الهولندية سيضمن إقصاء الاقتصاد الثاني عالميًا عن إنتاج الرقائق المتقدمة اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. بيد أن النموذج الصيني الجديد أبطل هذه الحتمية، لا عبر محاكاة الهندسة الغربية، بل بانتهاج مسار فيزيائي وهندسي مغاير فرضته ضرورات السيادة الوطنية ووفرته الموارد الرأسمالية الحكومية غير المحدودة.
يُثبت هذا النموذج الأولي، الذي يعتمد تقنية "تفريغ البلازما المُحفز بالليزر" (LDP)، تمكّن الكوادر الصينية من المبادئ الفيزيائية الأساسية للتحكم الضوئي عند طول موجي 13.5 نانومتر، مُتجاوزين بذلك مرحلة "الاستحالة العلمية" لينتقل الصراع الآن إلى مرحلة "التوسع الهندسي" والجدوى التشغيلية. يؤسس هذا الحدث لنهاية حقبة القطبية التكنولوجية الواحدة، ويُدشن عصرًا جديدًا من النظم البيئية المزدوجة في صناعة أشباه الموصلات، وهو ما سيستوجب إعادة تقييم شاملة للمسلمات الاقتصادية والأمنية التي حكمت هذا القطاع لعقود.
أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ركيزة بنيوية صاعدة في تشكيل أنماط العمل والفاعلية داخل المجتمعات الحديثة. وقد أظهر استطلاع أجرته شركة KPMG بشأن استخدامات الذكاء الاصطناعي أنّ 66% من المشاركين باتوا يعتمدون عليه في مجالي العمل والحياة الشخصية؛ إذ أفاد 38% منهم باستخدامهم اليومي أو الأسبوعي لهذه الأنظمة، بينما أوضح 28% أنهم يلجأون إليها بوتيرة شبه منتظمة بما يكشف مدى تغلغل الذكاء الاصطناعي في الممارسات والسلوكيات الاجتماعية المعاصرة.
تشير هذه النتائج إلى أنّ غالبية المستجيبين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في تنفيذ وظائفهم اليومية، سواء ارتبطت بالعمل أو الدراسة أو الاحتياجات الشخصية. علاوة على ذلك، اتّسع نطاق هذا الاعتماد ليشمل الحكومات والأنظمة المالية العالمية والدول، إذ تعتمد هذه الجهات على منظومات الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة الخدمات وتسريع وتيرة تقديمها. ويُبرز ذلك كيف غدا الذكاء الاصطناعي جزءًا متجذرًا في النسيج البنيوي للمجتمع العالمي.
تخيّل الآن أن تتوقف جميع أنظمة وبرامج الذكاء الاصطناعي عن العمل في يومٍ واحد. ورغم أن احتمالات وقوع مثل هذا السيناريو ضئيلة، فإنه ليس مستحيلًا، كما أن العواقب الناجمة عن الاعتماد المفرط على هذه الأنظمة قد تكون مدمّرة. فحدوث شلل عالمي في الذكاء الاصطناعي سيضرب الاقتصاد العالمي ويزعزع توازن الجغرافيا السياسية، وقد يؤدّي إلى تبخر تريليونات من القيمة السوقية في البورصات، فضلًا عن كوارث خطيرة تطال الأمن الوطني في مختلف أنحاء العالم.
يشكّل مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق والحيوي، نقطة عبور استراتيجية لا غنى عنها، حيث يمر عبره نحو خمس النفط العالمي وثلث الغاز الطبيعي المسال. ورغم اعتباره ركيزة أساسية لاستقرار أسواق الطاقة الدولية، فإن هذا المضيق يواجه اليوم تحديات جيوسياسية حادة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع نطاق الصراع بين إيران وإسرائيل، بالإضافة إلى مؤشرات متزايدة على تورط مباشر للولايات المتحدة. في هذا السياق المتقلب، تتزايد احتمالات تحول التهديد الإيراني بإغلاق أو تعطيل الملاحة في المضيق إلى واقع ملموس. وعلى الرغم من التداعيات الكارثية المحتملة لهذا السيناريو على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، لم يعد تناول هذه الأبعاد خيارًا نظريًا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية ملحة. لذا يسعى هذا التحليل إلى استكشاف الدوافع المحتملة التي قد تدفع طهران إلى فرض حصار على هذا الممر الحيوي، وكشف التداعيات الأمنية والجيوسياسية الكبيرة المترتبة على ذلك، فضلاً عن تسليط الضوء على الصدمة الاقتصادية العميقة التي قد تتجاوز حدود المنطقة لتطال الاقتصاد العالمي بأسره.