تكشف التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي عن مفارقة لافتة في النقاش حول مستقبل الأمن العالمي. فالتحذيرات من مخاطر هذه التكنولوجيا لم تعد تأتي من الدبلوماسيين والمسؤولين العسكريين وحدهم، بل بات بعضها يصدر عن قادة الشركات التي تتولى تطويرها. وقد تجلت هذه المفارقة بوضوح أمام مجلس الأمن الدولي في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 2026، حين قدم سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "OpenAI"، وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "Anthropic"، وكليمان ديلانج، الشريك المؤسس لمنصة "Hugging Face"، إحاطات أمام أعضاء المجلس الخمسة عشر، في وقت تواجه فيه الحكومات أنظمة ذكاء اصطناعي تزداد قدرة على كتابة الأكواد البرمجية، والعمل بصورة مستقلة، والتفاعل مع أنظمة خارجية، وربما تحسين قدراتها ذاتيًا.
ولم تنبع أهمية المشهد من حضور قادة هذه الشركات أمام مجلس الأمن فحسب، بل من أن التحذيرات جاءت هذه المرة من مسؤولين يقودون تطوير التكنولوجيا التي يحذرون هم أنفسهم من مخاطرها. فقد حذر أمودي من أن الذكاء الاصطناعي، إذا أسيئت إدارته، "قد يشكل خطرًا على البشرية جمعاء"، فيما شدد ألتمان على أن القرارات المتعلقة بهذه التكنولوجيا لا يمكن أن تُترك لشركات التكنولوجيا وحدها. وتكتسب هذه المناقشات دلالة خاصة مع انتقال الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة من نطاق السياسات التكنولوجية إلى صميم قضايا الأمن الدولي. غير أن القضية الأعمق لا تتعلق فقط بحجم المخاطر التي قد تنطوي عليها هذه التكنولوجيا، بل بمن سيضع القواعد التي تحكمها، في وقت تتركز فيه القدرة على تطوير أكثر أنظمتها تقدمًا لدى عدد محدود من الدول والشركات.
وفي قلب هذه المعادلة، تسعى الأمم المتحدة إلى أن تصبح المحفل الذي تُناقش فيه قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي. غير أنها تدخل ساحة تتشكل موازينها بالفعل بفعل القدرات التكنولوجية والقوة الاقتصادية ومصالح الأمن القومي والرؤى المتباينة للحوكمة. ومن ثم، لا يدور التحدي حول صياغة قواعد لتنظيم تكنولوجيا سريعة التطور فحسب، بل حول موقع الأمم المتحدة وقدرتها على التأثير في منظومة حوكمة تتنافس قوى متعددة على تشكيلها.
قد لا يكون التحول الاقتصادي الكبير المقبل على الأرض، بل في الفضاء. فمع تسارع النشاط التجاري خارج حدودها، يتحول الفضاء إلى مجال متزايد الأهمية للتنافس الاقتصادي والاستراتيجي، فيما تحتدم المنافسة بين الحكومات والشركات على البنية التحتية التي تقوم عليها الاتصالات والملاحة والتمويل ومراقبة المناخ والدفاع والجيل المقبل من الخدمات الرقمية. ولا تكمن أهمية هذا التحول في سباق جديد للعودة إلى القمر أو الوصول إلى المريخ فحسب، بل في تغير أعمق يعيد تشكيل علاقة الفضاء بالاقتصاد العالمي؛ إذ يندمج المدار تدريجيًا في بنيته، ويتحول إلى أحد مكوناته الحيوية، بما يرتب تداعيات متزايدة على قوة الدول، وأنماط الاعتماد التكنولوجي، وقواعد الحوكمة الدولية.
وتتضح أبعاد هذا التحول بصورة أكبر في طبيعة الاقتصاد الفضائي نفسه، حيث يتسع الدور التجاري للقطاع الخاص من دون أن يتراجع الدور المحوري للدولة. فعلى الرغم من أن الاستثمار العام لا يزال يمثل ركيزة أساسية للقطاع، تضطلع الشركات الخاصة بدور متنامٍ في خدمات الإطلاق والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية ورصد الأرض وتحليل البيانات. غير أن اتساع النشاط التجاري يتزامن مع تزايد التداخل بين الاستخدامات المدنية والعسكرية للفضاء؛ فالأقمار الاصطناعية التي تخدم الزراعة والخدمات اللوجستية والاستجابة لحالات الطوارئ يمكن أن تدعم في الوقت نفسه الاستخبارات والاستهداف والاتصالات الآمنة والملاحة العسكرية. ومع تعمق اعتماد الحياة والاقتصاد على الأرض على هذه البنية التحتية، لم يعد الوصول إلى المدار مجرد قدرة تقنية، بل أصبح أحد مقومات الصمود الاقتصادي والاستقلالية الاستراتيجية.
دخل إلى أروقة الكونجرس لاعب جديد يمارس، على نحو غير مألوف، دورًا يشبه جماعات الضغط: لا يسجّل نفسه، ولا يفصح عن عميل يمثله، ولا يترك وراءه أثرًا ورقيًا، ومع ذلك يكاد يكون حاضرًا على مكتب كل موظف، في نافذة مفتوحة على متصفح الإنترنت. ولم يعد هذا الحضور مجرد ظاهرة عابرة في بيئة العمل؛ فقد أفادت تقارير بأن مكتب المستشار التشريعي في مجلس النواب، وهو الجهة التي تتولى تحويل أفكار السياسات العامة إلى نصوص تشريعية ملزمة، بات يتلقى سيلًا من مقترحات مشروعات القوانين المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، تعج بإحالات تشريعية خاطئة وصياغات ركيكة، إلى حد أن محامي المكتب أصبحوا يستغرقون في تصحيحها وقتًا يفوق ما كانوا سيحتاجونه لصياغة مشروعات القوانين نفسها من الصفر. وبالتوازي مع ذلك، بدأ يتكشف مدى تغلغل هذه الأنظمة في العمل اليومي للكونجرس؛ إذ يعتمد أعضاؤه وموظفوه بصورة متزايدة على أنظمة مثل ChatGPT وClaude وCopilot وGemini في إجراء بحوث السياسات العامة، وصياغة مشروعات القوانين والخطابات، وإعداد الردود على مراسلات الناخبين.
وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا التحول مجرد امتداد لما تشهده بيئات العمل المختلفة من توظيف متسارع للذكاء الاصطناعي بهدف رفع الكفاءة وتسريع الإنجاز. غير أن الكونجرس ليس بيئة عمل عادية؛ فالمعلومات التي يتلقاها المشرعون، والكيفية التي تُعرض بها القضايا وتُصاغ بها المشكلات، وصولًا إلى الألفاظ الدقيقة التي تجد طريقها في نهاية المطاف إلى نصوص القوانين، يمكن أن تؤثر جميعها في حياة ملايين الأشخاص. ومن هنا، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كانت روبوتات الدردشة تجعل مكاتب الكونجرس أسرع أو أكثر كفاءة، بل في ما يحدث عندما تتجاوز الأنظمة التي يستعين بها صانعو السياسات في البحث وتأطير القضايا وصياغة التشريعات دور الأداة المساعدة، لتصبح طرفًا فاعلًا في العملية السياسية نفسها.
لطالما مالت الكفة في معادلة الأمن السيبراني لمصلحة المهاجم، لكن الذكاء الاصطناعي بات يوسع هذه الأفضلية ويعمق الفجوة الاقتصادية بين كلفة شن الهجوم وكلفة التصدي له. فالأنظمة الوكيلة ذاتية التشغيل تختزل العمليات المعقدة في حلقات مؤتمتة لاتخاذ القرار، بما يتيح لفريق بشري صغير إسناد الجزء الأكبر من العمل التكتيكي إلى الآلة، من الاستطلاع واستغلال الثغرات إلى الحركة الجانبية داخل الشبكات. وبدلًا من أن تظل وتيرة التنفيذ رهينة سرعة العمل البشري، تنتقل هذه المهام إلى إيقاع الآلة وقدرتها على العمل المتواصل والمتوازي. وفي حالة موثقة واحدة على الأقل، تولى الذكاء الاصطناعي بنفسه ما بين 80% و90% من هذا العمل.
ولا يعني ذلك أن الهجوم أصبح بلا كلفة، وإنما أن العلاقة بين الكلفة وحجم الهجوم آخذة في التغير. فكلما ازداد عدد الأهداف، لم تعد الكلفة ترتفع بالمعدل نفسه الذي كانت تفرضه العمليات المعتمدة بدرجة أكبر على العنصر البشري؛ إذ تتيح الأتمتة توسيع نطاق الهجوم من دون زيادة موازية في حجم العمل البشري اللازم لتنفيذه. وفي المقابل، تتحرك الكلفة على الجانب الدفاعي في الاتجاه المعاكس. فكلفة الاختراقات آخذة في الارتفاع، فيما يضيف انتشار "الذكاء الاصطناعي الخفي" عبئًا جديدًا يرتبط بمتطلبات الحوكمة والرقابة، لتزداد بذلك الكلفة التي تتحملها المؤسسات في الدفاع عن أنظمتها والتعافي من الاختراقات.
ومن هذا التباين تتشكل المفارقة الاقتصادية التي تقف في صميم التحليل: الأتمتة تخفض كلفة العمل البشري اللازمة للهجوم، بينما ترتفع على الجانب الدفاعي نفقات التعافي وأعباء الامتثال والتنظيم. ومع تحرك طرفي المعادلة في اتجاهين متعاكسين، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل اقتصاديات الأمن السيبراني، ويغير من أساسها معادلة الكلفة بين الهجوم والدفاع.