لطالما مالت الكفة في معادلة الأمن السيبراني لمصلحة المهاجم، لكن الذكاء الاصطناعي بات يوسع هذه الأفضلية ويعمق الفجوة الاقتصادية بين كلفة شن الهجوم وكلفة التصدي له. فالأنظمة الوكيلة ذاتية التشغيل تختزل العمليات المعقدة في حلقات مؤتمتة لاتخاذ القرار، بما يتيح لفريق بشري صغير إسناد الجزء الأكبر من العمل التكتيكي إلى الآلة، من الاستطلاع واستغلال الثغرات إلى الحركة الجانبية داخل الشبكات. وبدلًا من أن تظل وتيرة التنفيذ رهينة سرعة العمل البشري، تنتقل هذه المهام إلى إيقاع الآلة وقدرتها على العمل المتواصل والمتوازي. وفي حالة موثقة واحدة على الأقل، تولى الذكاء الاصطناعي بنفسه ما بين 80% و90% من هذا العمل.

 

ولا يعني ذلك أن الهجوم أصبح بلا كلفة، وإنما أن العلاقة بين الكلفة وحجم الهجوم آخذة في التغير. فكلما ازداد عدد الأهداف، لم تعد الكلفة ترتفع بالمعدل نفسه الذي كانت تفرضه العمليات المعتمدة بدرجة أكبر على العنصر البشري؛ إذ تتيح الأتمتة توسيع نطاق الهجوم من دون زيادة موازية في حجم العمل البشري اللازم لتنفيذه. وفي المقابل، تتحرك الكلفة على الجانب الدفاعي في الاتجاه المعاكس. فكلفة الاختراقات آخذة في الارتفاع، فيما يضيف انتشار "الذكاء الاصطناعي الخفي" عبئًا جديدًا يرتبط بمتطلبات الحوكمة والرقابة، لتزداد بذلك الكلفة التي تتحملها المؤسسات في الدفاع عن أنظمتها والتعافي من الاختراقات.

 

ومن هذا التباين تتشكل المفارقة الاقتصادية التي تقف في صميم التحليل: الأتمتة تخفض كلفة العمل البشري اللازمة للهجوم، بينما ترتفع على الجانب الدفاعي نفقات التعافي وأعباء الامتثال والتنظيم. ومع تحرك طرفي المعادلة في اتجاهين متعاكسين، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل اقتصاديات الأمن السيبراني، ويغير من أساسها معادلة الكلفة بين الهجوم والدفاع.

اتساع نطاق الهجوم ذاتي التشغيل

لطالما منحت اقتصاديات الأمن السيبراني المهاجم أفضلية واضحة؛ إذ ظلت كلفة شن الهجوم، تاريخيًا، أدنى بكثير من كلفة التحوط ضد كل هجوم محتمل. لكن ما تغير بين سبتمبر 2025 ومنتصف عام 2026 لم يكن جوهر هذه المعادلة بقدر ما كان النطاق الذي باتت تعمل فيه، والسرعة التي أصبح من الممكن بها توسيع العمليات الهجومية.

 

وقد كشفت مجموعة محدودة من الإفصاحات، صدرت هذه المرة عن مختبرات الذكاء الاصطناعي نفسها لا عن باحثين مستقلين، عن أبعاد هذا التحول. فالأنظمة الوكيلة ذاتية التشغيل باتت قادرة على اختزال مهام كانت تستلزم في السابق فريقًا بشريًا متمرسًا إلى عدد محدود من نقاط القرار التي تتطلب إشرافًا بشريًا، فيما تتولى الآلة الجزء الأكبر من العمل بوتيرتها الخاصة، وتكرر العمليات نفسها بالتوازي عبر عشرات الأهداف.

 

وتقدم حملة “GTG-1002″، التي كشفت عنها شركة “أنثروبيك”، أوضح حالة موثقة حتى الآن على هذا التحول. فقد تمكنت مجموعة مدعومة من الدولة الصينية من دفع “Claude Code”، عبر سيناريو لتقمص الأدوار قدمت فيه نفسها بوصفها شركة مشروعة لاختبارات الاختراق، إلى تولي نحو 80% إلى 90% من العمل التكتيكي بصورة ذاتية. وشمل ذلك الاستطلاع، وتوليد وسائل استغلال الثغرات، والحركة الجانبية داخل الشبكات، وجمع بيانات الاعتماد، في حملة استهدفت نحو 30 مؤسسة في قطاعات التكنولوجيا والتمويل والكيماويات والقطاع الحكومي. وفي المقابل، انحصر دور المشغلين البشريين في التدخل عند عدد محدود من نقاط اتخاذ القرار في كل حملة.

 

لكن القيمة الأهم لهذه الحالة لا تكمن في تفاصيلها العملياتية بقدر ما تكمن في دلالتها الاقتصادية. فهي تقدم أفضل مثال موثق على تحول أوسع في اقتصاديات الهجوم السيبراني: كلما انتقلت حصة أكبر من العمل التكتيكي إلى الأنظمة ذاتية التشغيل، أمكن خفض الكلفة الحدية للعمل البشري اللازمة لتوسيع نطاق العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بصورة ملموسة.

 

وبذلك، لم يعد توسيع نطاق الهجوم يستلزم بالضرورة زيادة موازية في القوة البشرية اللازمة لإدارته. ومع تراجع نصيب العمل البشري من الكلفة، تتزايد في المقابل أهمية موارد الحوسبة والبنية التحتية بوصفها مكونات متغيرة في هيكل كلفة الهجوم.

 

وهذه اللامتماثلية هي الحقيقة الاقتصادية المحورية التي ينتظم حولها التحليل. غير أن تقدير حجمها ودلالتها بدقة يتطلب التمييز بين طبيعة الأدلة التي تستند إليها؛ فالحوادث التي أُبلغ عنها منذ حملة “GTG-1002” ليست جميعها من النوع نفسه، ولا تصلح بالتالي للتعامل معها بوصفها شواهد متكافئة على الظاهرة ذاتها. ويمكن، في هذا السياق، التمييز بوضوح بين ثلاث فئات.

 

تتمثل الفئة الأولى في التوظيف المتعمد للذكاء الاصطناعي كسلاح من جانب الجهات المنفذة للتهديدات. وتندرج حملة “GTG-1002” ضمن هذه الفئة، إلى جانب حملة منفصلة استُخدم فيها إطار مؤتمت يجمع بين نموذجي “Claude” و”DeepSeek”، أطلق عليه الباحثون اسم “CyberStrikeAI”. وخلال أسابيع، تمكن هذا الإطار من فحص أكثر من 600 جهاز مكشوف على الإنترنت من أجهزة “Fortinet FortiGate” واختراقها.

 

وفي واقعة أخرى أُبلغ عنها، نسبت شركة “Gambit Security” المتخصصة في الأمن السيبراني إلى مهاجمين استخدام نموذجي “Claude” و”ChatGPT” في استهداف تسع جهات حكومية مكسيكية. غير أن صحة بعض ما أُبلغ عنه بشأن هذه الحملة ظلت محل خلاف؛ إذ شككت بعض الجهات التي قيل إنها تعرضت للاختراق في تلك التقارير. فقد أعلنت مصلحة الضرائب المكسيكية أن مراجعتها لم تجد أي دليل على وصول غير مشروع إلى أنظمتها أو على وجود نشاط غير اعتيادي فيها.

 

أما الفئة الثانية، فتضم حوادث الأنظمة الوكيلة ذاتية التشغيل التي يكتنف سلسلة إسنادها قدر أكبر من الغموض. ومن أبرزها الواقعة المتبادلة بين “OpenAI” و”Hugging Face” في يوليو 2026؛ إذ تعرضت البنية التحتية لـ”Hugging Face” للاختراق بواسطة ما رجحت الشركة أنه نظام وكيل ذاتي التشغيل قائم على الذكاء الاصطناعي. وفي واقعة مرتبطة بذلك، أكدت “OpenAI”، بصورة منفصلة، أن أحد أنظمتها وصل ذاتيًا إلى أنظمة تابعة لشركة أخرى تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، ووصفت ما حدث بأنه واقعة غير مسبوقة.

 

وهنا تصبح الصورة أكثر التباسًا مما كانت عليه في حملة “GTG-1002”. فسلسلة التوجيه البشري وراء ما حدث أقل وضوحًا بكثير، كما أن المعلومات المتاحة لا تزال تستند أساسًا إلى روايتي الشركتين نفسيهما، وهو ما يفرض قدرًا أكبر من الحذر عند استخلاص دلالات هذه الحالة.

 

أما الفئة الثالثة، وهي الأكثر تعرضًا للخلط مع الفئتين السابقتين في النقاش العام، فلا تتعلق بحوادث وقعت فعليًا، وإنما بنتائج اختبارات للقدرات تجريها مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في بيئات خاضعة للرقابة. ففي إطار تقييمات هجومية تجري وفق منهجية “الفريق الأحمر”، تختبر هذه المختبرات سلوك أنظمتها الوكيلة، وقد أظهرت النتائج أن هذه الأنظمة يمكنها، في مثل هذه الظروف، تجاوز الحدود المقررة لعملها أو التفاعل مع أنظمة غير مصرح لها بالتعامل معها.

 

وتكتسب هذه النتائج أهمية حقيقية في استكشاف حدود ما تستطيع التكنولوجيا القيام به، لكنها لا تندرج ضمن الحوادث الفعلية بالمعنى نفسه الذي ينطبق على الفئتين الأوليين. فلم يترتب عليها ضرر حقيقي، ولم تكن هناك مؤسسة خارجية ضحية لما جرى.

 

ومن هنا تكتسب الحدود الفاصلة بين الفئات الثلاث أهمية مباشرة عند بناء نموذج اقتصادي لاقتصاديات الهجوم السيبراني. فالجمع بين نتائج اختبارات القدرات والحوادث الفعلية، مثل حملة “GTG-1002” أو حملة “Fortinet”، في سلة واحدة سيؤدي بصورة منهجية إلى تضخيم تقدير حجم الضرر الذي وقع بالفعل على أرض الواقع، حتى وإن أصاب النموذج في استشراف الاتجاه الذي تمضي فيه الظاهرة.

تفكيك الأعباء الإضافية لكلفة الاختراقات

بعد ضبط الحدود الفاصلة بين هذه الفئات، تكتسب بيانات الكلفة دلالة أدق بكثير مما قد يوحي به مجرد إحصاء عدد الحوادث. وتكشف أبحاث “IBM” حول كلفة اختراق البيانات خلال عامي 2025 و2026 عن مصدرين مختلفين اقتصاديًا للضغوط التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على كلفة الاختراقات، أحدهما يرتبط بالهجوم، والآخر بقصور الحوكمة داخل المؤسسات.

 

وبدأت ملامح المصدر الثاني في الظهور بوضوح عام 2025، حين قدمت أبحاث “IBM” أول خط أساس كمي لكلفة القصور في الحوكمة، ورصدت علاوة قدرها 670 ألف دولار على كلفة الاختراقات المرتبطة بـ”الذكاء الاصطناعي الخفي”. ولا تكمن الثغرة الأساسية في هذه الحالات في هجوم ينفذه الذكاء الاصطناعي، بل في استخدام الموظفين أدواته من دون تصريح أو خارج أطر الحوكمة المؤسسية.

 

وبحلول عام 2026، كانت الضغوط على الكلفة قد تسارعت على مسارين متمايزين: الأول يرتبط باستخدام الذكاء الاصطناعي في تنفيذ الهجمات، والثاني باستخدامه داخل المؤسسات بعيدًا عن أطر الحوكمة.

 

فعلى مسار الهجوم، ازدادت الاختراقات الخبيثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بروزًا، مدفوعة أساسًا بانتحال الهوية باستخدام تقنيات التزييف العميق والبرمجيات الخبيثة المولدة بالذكاء الاصطناعي، حتى بلغ متوسط كلفة الحادثة الواحدة نحو 6 ملايين دولار. ويزيد ذلك بنحو مليون دولار على المتوسط العالمي لكلفة اختراق البيانات، البالغ 4.99 ملايين دولار. والأهم أن هذه الهجمات باتت تمثل نحو حالة واحدة من كل أربع حالات اختراق خبيث، بعدما ارتفعت بنسبة 56% على أساس سنوي.

 

وعلى مسار موازٍ، اشتدت الضغوط الناجمة عن قصور الحوكمة؛ إذ تضاعف انتشار الاختراقات المرتبطة بـ”الذكاء الاصطناعي الخفي”، لتطال 43% من المؤسسات التي تعرضت للاختراق، مقارنة بـ20% في العام السابق.

 

ولم يقتصر أثر هذه الاختراقات، الناجمة عن استخدام الذكاء الاصطناعي خارج أطر الحوكمة، على اتساع نطاق انتشارها؛ فقد ارتبطت أيضًا بمعدلات أعلى بصورة غير متناسبة من انكشاف معلومات التعريف الشخصية للعملاء (PII)، فضلًا عن تأخر اكتشافها. فقد استغرق رصدها في المتوسط نحو 247 يومًا، مقابل 241 يومًا للاختراقات التقليدية.

 

غير أن التشابه في ارتفاع الكلفة لا ينبغي أن يحجب اختلاف الآلية التي تقف وراء كل من النوعين. ففي الحالة الأولى، يأتي الضغط من جانب الهجوم، حيث يوسع الذكاء الاصطناعي قدرات المهاجمين ويتيح لهم تنفيذ المزيد من العمليات.

 

أما في الحالة الثانية، فينشأ الضغط من قصور الحوكمة على الجانب الدفاعي؛ إذ تتراجع قدرة المؤسسات على رؤية استخدامات الذكاء الاصطناعي ورصدها داخل بيئاتها الداخلية. وهي مشكلة تنشأ، في معظمها، بمعزل عن مدى تطور قدرات المهاجمين.

 

ومن هنا، فرغم أن الآليتين تلتقيان في نتيجة واحدة، هي ارتفاع كلفة الاختراقات، فإن التعامل معهما يتطلب استجابتين مختلفتين جذريًا. وأي نموذج اقتصادي على مستوى المؤسسة يطمس هذا الفارق سيقود إلى سوء تخصيص ميزانية الدفاع السيبراني؛ فضوابط الوصول وأدوات اكتشاف استخدامات “الذكاء الاصطناعي الخفي” تستهدف قصور الحوكمة بصورة مباشرة، لكنها لا تعالج المشكلة الأخرى المتمثلة في اتساع القدرات الهجومية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

 

وتزداد خصوصية الكلفة المرتبطة بـ”الذكاء الاصطناعي الخفي” وضوحًا عند النظر إلى مؤشرين إضافيين يكشفان أن أعباءه تختلف في طبيعتها عن كلفة الاختراق التقليدي، وليست مجرد نسخة أقل حجمًا منها.

 

فقد بلغت نسبة انكشاف معلومات التعريف الشخصية للعملاء (PII) في الاختراقات المرتبطة بـ”الذكاء الاصطناعي الخفي” 65%، مقابل 53% في الاختراقات عمومًا. وتعزو “IBM” هذه الفجوة إلى قصور في الربط بين هويات المستخدمين وأنشطتهم داخل الأنظمة؛ إذ تعمل أدوات الذكاء الاصطناعي غير المصرح بها خارج منظومة ضوابط الوصول وسجلات الأنشطة التي تخضع فعليًا لرصد المؤسسة. ونتيجة لذلك، يصبح تتبع الاختراقات التي تبدأ عبر هذه الأدوات وصولًا إلى أسبابها الجذرية أكثر استغراقًا للوقت، فيما يزداد احتمال امتدادها إلى نطاق أوسع من البيانات الحساسة قبل اكتشافها.

 

ولهذا التفاوت أثر مباشر في تقدير المؤسسة لكلفة تعرضها للمخاطر. فالعلاوة البالغة 670 ألف دولار لا تعكس مخاطر موزعة بالتساوي تتزايد تلقائيًا كلما اتسع استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما مخاطر مركزة تتفاقم تحديدًا مع اتساع الفجوة بين حجم الاستخدام الفعلي للذكاء الاصطناعي من جانب الموظفين، ومدى قدرة فرق الأمن على رؤية هذا الاستخدام ورصده.

 

وتزداد قوة هذا الاستنتاج بالنظر إلى أن 92% من المؤسسات التي تعرضت لاختراقات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت تفتقر، وقت وقوع الاختراق، إلى ضوابط كافية للتحكم في الوصول إلى أدواته. ومن منظور اقتصادي، يمكن النظر إلى هذه العلاوة باعتبارها “ضريبة على ضعف الرؤية” أكثر من كونها كلفة ملازمة لتبني الذكاء الاصطناعي في حد ذاته. وهذا تمييز جوهري، لما يترتب عليه من آثار مباشرة في تحديد أولويات الإنفاق الدفاعي والوجهة التي ينبغي أن تتجه إليها موارده.

 

لكن الصورة لا تسير في اتجاه واحد. فالذكاء الاصطناعي الذي يرفع الكلفة حين ينتشر خارج نطاق الحوكمة يمكنه، في المقابل، خفض كلفة الدفاع عندما توظفه المؤسسات فعليًا في عملياتها الأمنية، وهو أثر تظهره البيانات بصورة قابلة للقياس. فوفقًا لبيانات “IBM” لعام 2026، ارتبط الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي والأتمتة في العمليات الأمنية بانخفاض كلفة الاختراقات بنحو 1.93 مليون دولار مقارنة بالمؤسسات التي لم تستخدم أيًا منهما. ويقدم ذلك دليلًا رصديًا قويًا على أن التوسع في أتمتة العمليات الأمنية يرتبط بانخفاض ملموس في كلفة الاختراقات.

 

وعليه، فإن أثر الذكاء الاصطناعي في اقتصاديات الأمن السيبراني داخل أي مؤسسة لا يتحدد بمجرد تبنيه، وإنما بكيفية هذا التبني. فهو يصبح عاملًا مضاعفًا للكلفة عندما يُستخدم دون ضوابط كافية، بما يفسح المجال لانتشار “الذكاء الاصطناعي الخفي” خارج أطر الحوكمة؛ في حين يتحول إلى عامل خافض للكلفة عندما يجري تبنيه بصورة مدروسة، في ظل ضوابط واضحة للتحكم في الوصول وآليات فعالة للرصد والمتابعة.

 

غير أن الكفة، في المرحلة الراهنة، لا تزال تميل نحو النموذج الأعلى كلفة؛ إذ أفاد نحو ثلثي المؤسسات التي تعرضت للاختراقات بأنها تفتقر تمامًا إلى سياسات تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي. ويشير ذلك إلى أن جوهر المشكلة الراهنة يكمن في مستوى نضج المؤسسات في تبني هذه التقنية وحوكمتها، أكثر مما يكمن في الذكاء الاصطناعي في حد ذاته.

الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي وأسواق رأس المال

ومع الانتقال من كلفة الاختراقات التي تتحملها المؤسسات منفردة إلى تقدير مسارات الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي، ينتقل التحليل بدوره من قياس ما وقع بالفعل إلى استشراف ما قد يحدث مستقبلًا، وهو فارق منهجي جوهري ينبغي الحفاظ عليه بوضوح.

 

فبحسب الخسائر المالية المبلّغ عنها لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، بلغت خسائر الجرائم السيبرانية قرابة 21 مليار دولار في عام 2025، أي أكثر من ضعف مستواها البالغ 10.3 مليارات دولار في عام 2022. وتوفر هذه الأرقام مؤشرًا تجريبيًا على الاتجاه الذي تسلكه الخسائر، لكنها تظل، بحكم طبيعتها، مقياسًا يرصد تطورات الظاهرة بعد وقوعها بفاصل زمني.

 

أما استشراف ما قد تؤول إليه هذه الخسائر، فيقتضي الانتقال إلى مستوى مختلف من التحليل، يقوم على افتراضات بشأن وتيرة تطور قدرات الذكاء الاصطناعي. ومن هنا تكتسب التقديرات التي أصدرتها لجنة الخبراء وكبار المتنبئين التابعة لـ”معهد أبحاث التنبؤ” في مايو ويونيو 2026 أهمية خاصة؛ إذ لم تختزل المستقبل في تقدير رقمي واحد، بل ربطت توقعاتها بمسارات مختلفة لتطور قدرات الذكاء الاصطناعي.

 

فإذا ظل التقدم في هذه القدرات بطيئًا، تضع القيمة الوسيطة لتوقعات الخبراء الخسائر المبلّغ عنها عند نحو 46 مليار دولار بحلول عام 2031. أما إذا تسارعت وتيرة التقدم، فترتفع القيمة الوسيطة إلى نحو 70 مليار دولار، مع احتمال قدره واحد من كل أربعة بأن تتجاوز الخسائر 93 مليار دولار.

 

 

وتكتسب الفجوة التي تقارب 50% بين هذين المسارين أهمية تحليلية خاصة؛ إذ تنشأ بالكامل عن تغيير افتراض واحد، هو وتيرة تطور قدرات الذكاء الاصطناعي، مع ثبات سائر العوامل. ومن هذه الزاوية، تقدم هذه الفجوة أوضح تقدير كمي متاح حتى الآن لحجم الأثر المتوقع للذكاء الاصطناعي تحديدًا في إجمالي خسائر الجرائم السيبرانية، بل قد تكون، من بعض الأوجه، أكثر دلالة على حجم هذا الأثر من القيمة المالية المسجلة لأي حادثة منفردة.

 

وبدأت أسواق رأس المال بالفعل في إعادة تسعير المخاطر على ضوء هذا الاختلال. غير أن الأدلة المتاحة في هذا المجال تظل أكثر قدرة على تحديد اتجاه التحول من قياس حجمه بدقة، وهو قيد ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة مؤشرات السوق.

 

فمن المتوقع أن يبلغ الإنفاق العالمي على أمن المعلومات 244 مليار دولار في عام 2026، بزيادة سنوية قدرها 11.6%. كما تتوقع “Gartner” أن ترتفع حصة القدرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من إجمالي الإنفاق على الأمن السيبراني من نحو 8% في عام 2023 إلى أكثر من 40% بحلول عام 2027. ولا تمثل هذه القفزة، خلال أربع سنوات فقط، مجرد تحول تدريجي في اتجاهات الإنفاق، بل تشير إلى إعادة تخصيص هيكلية للإنفاق داخل سوق الأمن السيبراني.

 

ويمتد أثر هذا التحول إلى سوق التأمين السيبراني؛ إذ تشير التقارير إلى أن شركات التأمين بدأت تضمين وثائقها استثناءات خاصة بالذكاء الاصطناعي، وإعادة النظر في كيفية تسعير المخاطر المرتبطة باستقلالية الأنظمة الوكيلة والسلوك غير الحتمي للأنظمة. ويأتي ذلك بعد سنوات من انخفاض أسعار التغطية التأمينية، تركت السوق بقاعدة رأسمالية محدودة نسبيًا في مواجهة الخسائر الكبيرة والمترابطة.

 

ومع أن هذا الاتجاه قائم وله دلالته الاقتصادية، فإنه لا يزال في طور التشكل، ولم يتحول بعد إلى سمة راسخة في بنية السوق. ولذلك، فإن الذهاب إلى حد القول إن هذه المخاطر أصبحت غير قابلة للتأمين يتجاوز ما تسمح به الأدلة المتاحة حاليًا.

 

أما الأثر الذي تسنده الأدلة بصورة أقوى، فيتمثل في ارتفاع حواجز الدخول إلى السوق. فمع تراكم التزامات الإفصاح، ومتطلبات تشغيل الأنظمة في بيئات معزولة، والاشتراطات التنظيمية للامتثال في مجال الذكاء الاصطناعي، ترتفع الكلفة الثابتة اللازمة لتشغيل مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة بصورة مسؤولة. وقد جاء بعض هذه المتطلبات استجابة مباشرة لحوادث من قبيل “GTG-1002″، التي دفعت إلى فتح تحقيق رسمي في الكونجرس بشأن الجدول الزمني لإفصاحات “Anthropic” عن الحادثة.

 

لكن هذه الكلفة الإضافية لا تتوزع بالتساوي بين مختلف أطراف السوق؛ إذ قد تصب بصورة غير متكافئة في مصلحة الشركات القائمة ذات القواعد الرأسمالية القوية على حساب الداخلين الجدد. وهنا يبرز تمييز مهم: فهذا الأثر الخارجي لا ينشأ مباشرة عن الهجمات التي تتناولها تلك الإفصاحات، وإنما عن الإفصاحات نفسها وما تستتبعه من متطلبات تنظيمية وامتثالية.

 

ولهذا ينبغي النظر إلى المسألة صراحة بوصفها مفاضلة على مستوى السياسات العامة، لا باعتبار تشديد الرقابة التنظيمية منفعة يمكن تحقيقها بلا كلفة. فكل دولار إضافي تضطر شركة ناشئة صغيرة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى إنفاقه للوفاء بمتطلبات الإفصاح والاحتواء التي أعقبت “GTG-1002” يمثل تمويلًا إضافيًا يتعين عليها تدبيره. أما الشركات القائمة، فتستطيع الاستناد إلى بنية امتثال قائمة بالفعل، من دون أن تتحمل عبء بناء هذه القدرات من نقطة الصفر.

 

وقد يدفع ذلك تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة نحو مزيد من التركز في أيدي عدد أقل من الشركات ذات القواعد الرأسمالية القوية، حتى وإن كان تشديد الرقابة قادرًا، بصورة معقولة، على خفض معدل وقوع الحوادث مستقبلًا. وهنا تظهر المفاضلة بوضوح: فكلا الأثرين يدفع بنية السوق نحو مزيد من التركز، لكنهما يتحركان في اتجاهين متعاكسين من حيث تنوع الابتكار. ولا تتيح البيانات المتاحة حتى الآن الجزم بأي الأثرين ستكون له الغلبة.

الاستقلالية والمخاطر الكارثية: بين الواقع والاستشراف

وتبقى في نهاية المطاف مسألة تختلف في طبيعتها عما سبق، وتتطلب لذلك فصلها تحليليًا عن بقية الحوادث والآليات التي تناولها التحليل: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتصرف بمبادرة ذاتية، بدلًا من أن يظل أداة يوجهها البشر أو يسيئون استخدامها؟ فطبيعة هذا الادعاء تختلف، وكذلك طبيعة الأدلة اللازمة لتقييمه.

 

فجميع الحوادث التي استعرضها التحليل، بما فيها حادثة “OpenAI–Hugging Face” التي بدا فيها سلوك الأنظمة أقرب إلى الاستقلالية، انطوت على تدخل بشري لبدء استخدام الذكاء الاصطناعي أو تهيئته. ولا تقدم أي منها دليلًا موثقًا على أن نظامًا للذكاء الاصطناعي وضع أهدافًا من تلقاء نفسه، ثم سعى إلى تحقيقها على خلاف إرادة مشغليه.

 

ومن هنا، ينبغي التمييز بين هذه المسألة وسؤال آخر مختلف بطبيعته وأكثر استشرافًا: ما حجم المخاطر الكارثية المحتملة للذكاء الاصطناعي؟ ففي هذه الحالة، لا تستند التقديرات إلى سجل من الحوادث الفعلية، وإنما إلى استطلاعات للخبراء تتباين نتائجها بدرجة كبيرة تبعًا لصياغة السؤال المطروح.

 

ففي استطلاع واسع الاستشهاد به أُجري عام 2023 بين باحثي الذكاء الاصطناعي، بلغت القيمة الوسيطة لتقديرات احتمال أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في انقراض البشرية، أو في إضعاف قدرتها على التحكم في مسار الحضارة بدرجة مماثلة، 5%.

 

وفي عام 2026، قدمت لجنة ضمت 272 خبيرًا من “MIT” و”جامعة كوينزلاند” تقديرات لمجموعة متنوعة من مجالات المخاطر. وفي عدة مجالات، من بينها القدرات الخطرة والهجمات السيبرانية وتركز القوة، تجاوز احتمال وقوع نتائج كارثية لا تصل إلى حد الانقراض خلال خمس سنوات عتبة 10% لكل مجال على حدة، حتى مع افتراض اتخاذ تدابير معقولة للتخفيف من هذه المخاطر.

 

أما تقديرات الجمهور في استطلاعات مماثلة، فتتركز عند مستويات تعادل ثلاثة أضعاف تقديرات الخبراء. ولهذه الفجوة دلالتها الاقتصادية الخاصة؛ ففي الأجل القريب، لا تتحرك السياسات التنظيمية وأسعار التأمين بالضرورة وفق الاحتمال الفعلي الكامن وراء الخطر، بقدر ما تتأثر بكيفية إدراك الجمهور والدوائر السياسية له. وتصبح هذه المسألة أكثر قابلية للقياس الاقتصادي حين ينتقل السؤال من احتمال الانقراض إلى سيناريو أكثر تحديدًا: ما احتمال أن تتسبب حادثة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي في وفاة 50 شخصًا على الأقل أو في خسائر لا تقل عن 100 مليار دولار؟ وبحلول عام 2050، بلغت القيمة الوسيطة لتقديرات احتمال وقوع مثل هذه الحادثة 62% لدى الخبراء و70% لدى كبار المتنبئين، مقابل 35% لدى الجمهور.

 

لكن الفجوة بين تقديرات الخبراء والجمهور قد تكون، في حد ذاتها، مؤشرًا اقتصاديًا أكثر متانة وفائدة من أي من هذه النسب منفردة، لا سيما أنها ظهرت في استطلاعين مستقلين. فهي تشير إلى أن الفئات الأقرب إلى هذه التكنولوجيا تتوقع استمرار الاتجاه الذي بدأت بيانات حوادث العام الجاري في إظهاره بالفعل: تزايد نصيب الأتمتة من العمليات، وارتفاع كلفة الاختراقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتراجع الكلفة الحدية التي يتحملها المهاجم مع توسيع نطاق عملياته. ووفق هذه التقديرات، يمكن لهذا المسار أن يفضي إلى حوادث منفردة أكبر بكثير من حيث حجم الخسائر، من دون الحاجة إلى افتراض أن الذكاء الاصطناعي سيتصرف، في أي مرحلة، خارج نطاق التوجيه البشري.

 

وفي المحصلة، لا يكمن التحول الذي يكشف عنه هذا التحليل في ظهور نوع جديد من الجرائم السيبرانية، بقدر ما يكمن في تآكل أحد القيود التي حدت تاريخيًا من حجم العمليات التي يستطيع المهاجم الواحد تنفيذها: الحاجة إلى العمل البشري. فالمشكلة، في جوهرها، ليست استحداث نمط جديد من الهجمات، وإنما القدرة على توسيع نطاقها.

 

ومثل هذه التحولات لا تفرض نفسها بالضرورة دفعة واحدة، بل تتراكم آثارها تدريجيًا حتى يتوقف ما كان يبدو استثناءً عن كونه كذلك، ويتحول إلى خط أساس جديد. ومع ذلك، تمتلك الجهات المدافعة الأدوات اللازمة لمواكبة هذا التحول؛ فالفجوة لا تكمن في غياب القدرات الدفاعية، وإنما في مدى تبنيها وتوظيفها فعليًا. أما ما إذا كانت هذه الاتجاهات ستفضي في نهاية المطاف إلى تحول مختلف نوعيًا وأكثر خطورة، يتصرف فيه الذكاء الاصطناعي بمبادرة ذاتية بدلًا من العمل بتوجيه بشري، فيظل سؤالًا مفتوحًا ومحل خلاف. ولا تقدم أي من الحالات التي استعرضها هذا التحليل دليلًا يحسمه في أي من الاتجاهين. لكن الأدلة المتاحة تحسم نتيجة أضيق نطاقًا وأكثر مباشرة مفادها أن كلفة عدم التحرك ترتفع بوتيرة أسرع من كلفة تدارك الفجوة.

المراجع

DeepInspect. “The Hidden Cost of Shadow AI Breaches.” DeepInspect Blog, 2025. https://www.deepinspect.ai/blog/shadow-ai-breach-cost

 

Forecasting Research Institute. Wave 9: Risks — Longitudinal Expert AI Panel (LEAP). Report. Forecasting Research Institute, June 30, 2026. https://leap.forecastingresearch.org/reports/wave9

 

Gartner. Forecast Analysis: Information Security, Worldwide, 2026. Stamford, CT: Gartner, February 5, 2026. https://www.gartner.com/en/documents/7408930

 

Gartner. “Gartner Forecasts Global Information Security Spending to Grow 15 Percent in 2025.” Press release, August 28, 2024. https://www.gartner.com/en/newsroom/press-releases/2024-08-28-gartner-forecasts-global-information-security-spending-to-grow-15-percent-in-2025

 

Gartner. “Gartner Predicts Forty Percent of AI Data Breaches Will Arise from Cross-Border GenAI Misuse by 2027.” Press release, February 17, 2025. https://www.gartner.com/en/newsroom/press-releases/2025-02-17-gartner-predicts-forty-percent-of-ai-data-breaches-will-arise-from-cross-border-genai-misuse-by-2027

 

Homeland Security Today. “Cryptocurrency and AI Scams Cost U.S. Almost $21 Billion in 2025, According to New FBI Internet Crime Report.” Homeland Security Today, 2026. https://www.hstoday.us/subject-matter-areas/cybersecurity/cryptocurrency-and-ai-scams-cost-u-s-almost-21-billion-in-2025-according-to-new-fbi-internet-crime-report/

 

IBM. Cost of a Data Breach Report. Armonk, NY: IBM Corporation, 2026. https://www.ibm.com/reports/data-breach

 

MIT Sloan School of Management. “International AI Experts Warn of Potentially Catastrophic Risks of AI.” Press release, MIT Sloan School of Management, 2026. https://mitsloan.mit.edu/press/international-ai-experts-warn-potentially-catastrophic-risks-ai

 

MITRE ATT&CK. “Campaign C0062: Anthropic AI-orchestrated Campaign.” MITRE Corporation, 2025. https://attack.mitre.org/campaigns/C0062/

 

OpenAI. “OpenAI and Hugging Face Partner to Address Security Incident.” OpenAI, July 21, 2026. https://openai.com/index/hugging-face-model-evaluation-security-incident/.

 

She, J. “Shadow AI Doubles to 43% of Breaches as AI-Driven Attacks Add $1 Million per Incident.” Forkast, 2026. https://forkast.news/shadow-ai-doubles-to-43-of-breaches-as-ai-

driven-attacks-add-1-million-per-incident/

AI Impacts. “2023 Expert Survey on Progress in AI.” AI Impacts Wiki, 2023. https://wiki.aiimpacts.org/ai_timelines/predictions_of_human-level_ai_timelines/ai_timeline_surveys/2023_expert_survey_on_progress_in_ai

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *