يقدم الأداء التجاري لفيلم كريستوفر نولان "الأوديسة" في دور العرض خلال يوليو 2026 نافذة كاشفة على تحول أوسع في اقتصاديات الإعلام، وإن كان نجاح فيلم واحد في شباك التذاكر لا يكفي وحده لإثبات أن تحولًا هيكليًا قد ترسخ بالفعل. فبينما يميل الخطاب السائد إلى قراءة الزخم المالي للفيلم بوصفه نجاحًا إبداعيًا منفردًا، تكشف مقاربته من منظور الاقتصاد الجزئي والتمويل المؤسسي عن احتمال حدوث إعادة توزيع أكثر استدامة للقيمة والإنفاق داخل السوق. ففي منظومة ترفيهية غمرتها الوفرة الرقمية وخدمات البث عند الطلب، يبدو أن إنفاق المستهلكين والاستوديوهات يتجه بصورة متزايدة نحو تجارب مادية متمايزة يصعب استنساخها رقميًا. ومع ذلك، يظل هذا الاتجاه فرضية عمل تسندها مؤشرات دالة، لا حقيقة محسومة، ولا يمكن لأداء فيلم ضخم واحد أن يحسمها بمفرده.
وتبرز الأهمية التجارية لهذه الفرضية بوضوح في حالة شركة "آيماكس" (بورصة نيويورك: IMAX)، التي يجمع نموذج أعمالها بين مستويين مختلفين في طبيعتهما الاقتصادية: شبكة رقمية عالمية واسعة قابلة للتوسع، ومنظومة عرض تناظرية فائقة الندرة بتقنية 15/70 ملم. ويتيح الفصل بين هذين المستويين فهمًا أدق للتحولات التي تبحثها هذه الدراسة. فمع اتساع الوفرة الرقمية وتقارب بدائل المحتوى، تتزايد الضغوط على الاستوديوهات للبحث عن سبل جديدة للتمايز، ويتغير استعداد المستهلكين للدفع، فيما تتجه حصة غير متناسبة من إيرادات شباك التذاكر نحو عدد محدود من شبكات العرض المتخصصة. وفي الوقت نفسه، يكشف هذا الفصل عن المخاطر التي تواجه "آيماكس"، والتي قد تغفلها القراءة المتفائلة لأداء الشركة.
لا تُدار الحروب الحديثة بالسلاح وحده، بل بقدرة الدولة أيضًا على تمويل هذا السلاح، والحفاظ على استدامة تشغيله، وامتصاص كلفته المتصاعدة داخل بنية الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، يُعدّ اقتصاد الدفاع أحد الأطر التحليلية الرئيسة لفهم كيفية تكيّف الدول مع الحروب الممتدة، بوصفه المنظومة المالية والصناعية والإنفاقية التي تُمكّن الدولة من بناء قدرتها العسكرية، والحفاظ على جاهزيتها، وإعادة توجيهها بما يتوافق مع مقتضيات الصراع. وفي أوقات السلم، تميل هذه المنظومات إلى قدر من الاستقرار النسبي؛ غير أنها تتحول في زمن الحرب إلى آلية ضاغطة تُعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتعيد توجيه الموارد، وتفرض على الدولة خيارات مالية أكثر كلفة وحساسية. وفي هذا السياق، أدى تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، بالتوازي مع اتساع نطاق المواجهة مع إيران ووكلائها الإقليميين، إلى دفع اقتصادات الدفاع لدى أطراف الصراع نحو مرحلة أكثر ضغطًا واختلالًا، انعكست في تصاعد أعباء الموازنات، وتزايد الاعتماد على الدين، وإعادة هيكلة أولويات الإنفاق بما يتماشى مع متطلبات الحرب واتساعها.
تتناول هذه الدراسة أثر التصعيد العسكري المستمر في إعادة تشكيل اقتصادات الدفاع لدى ثلاثة من أبرز الفاعلين: إسرائيل وإيران والولايات المتحدة. وتجمع بين تحليل الاستجابات المالية قصيرة الأجل واستشراف المسارات الأطول أمدًا للموازنات العامة، لتخلص إلى أن ما يشهده الإنفاق العسكري لا يقتصر على طفرة ظرفية، بل يعكس تحولًا عميقًا يعيد ترتيب أولويات الاقتصاد الكلي. وقد تجسّد هذا التحول في اتساع العجوزات المالية، وتآكل الحيز المتاح للإنفاق على الخدمات المدنية لصالح المتطلبات العسكرية، وتسريع وتيرة تعبئة الصناعات الدفاعية المحلية، إلى جانب تصاعد الضغوط على الجدارة الائتمانية السيادية. وفي السياق ذاته، ترسّخت مستويات مرتفعة من الإنفاق العسكري داخل الأطر المالية الوطنية بصورة يُرجّح استمرارها حتى بعد أي وقف لإطلاق النار. وعلى مستوى الشرق الأوسط، بات الفصل بين كلفة العمليات العسكرية ومؤشرات الصحة الاقتصادية الوطنية أكثر تعقيدًا، بما يعكس تداخلاً متزايدًا بين اعتبارات الأمن والاقتصاد.
ساهم التقدم الذي أحرزته بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال وضع استراتيجيات العمل المناخي وتأكيد التزامها بالتحول الأخضر، في تنبيه المستثمرين إلى وجود سوق لتقنيات التخفيف والتكيف (adaptation and mitigation). ومع ذلك، في الوقت نفسه، تشكل أيضًا مخاطر المناخ المتزايدة في المنطقة عددًا من التهديدات على بيئة الاستثمار الأوسع، ما قد يعرض الخطط الاقتصادية الحالية والمستقبلية للخطر. وتشير التوقعات إلى ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة بمقدار ضعف متوسط المعدل العالمي واحتمال ارتفاعها بمقدار 4 درجات بحلول عام 2050، ما قد يجعل العديد من المدن غير صالحة للسكن . وخلال السنوات القليلة المقبلة، من المحتمل أن تواجه بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديًا يتمثل في الإدارة المتزامنة لتأثير الظروف المناخية القاسية وكذلك المخاطر المصاحبة للتحول نحو تطبيق سياسات خفض الانبعاثات والاستدامة، ومن هنا تثار عدد من التساؤلات الهامة، على رأسها: هل تبدو اقتصادات المنطقة مستعدة لمواجهة التأثير الذي قد تحدثه مخاطر المناخ على الاستثمارات والنمو؟ وماذا يمكن أن يعني هذا بالنسبة للاستثمارات اللازمة لدعم نمو التقنيات الجديدة من أجل التحول الأخضر؟