اقتصاديات الأمن الجديدة: عندما يصبح الأمن أساسًا جديدًا للتسعير العالمي
البرامج البحثية

اقتصاديات الأمن الجديدة: عندما يصبح الأمن أساسًا جديدًا للتسعير العالمي

بعيدًا عن التداعيات قصيرة الأجل التي تفرضها الحروب والصراعات، يشهد قطاع الدفاع العالمي تحولًا عميقًا وواسع النطاق. فزيادة الإنفاق العسكري في السنوات الأخيرة، التي جرى التعامل معها في البداية بوصفها استجابة دورية للنزاعات الإقليمية، بات يُنظر إليها بصورة متزايدة باعتبارها جزءًا من تحول أوسع يتمثل في إعادة تسعير الأمن عبر الأسواق العالمية بوصفه متغيرًا طويل الأمد لا ظرفًا مؤقتًا. كما دفعت هذه التحولات إلى إعادة تقييم دور شركات الدفاع، إذ لم تعد تُنظر إليها باعتبارها مجرد متعاقدين صناعيين ترتبط قيمتهم بدورات المشتريات العسكرية، بل بوصفها أصولًا استراتيجية تتموضع في صلب ديناميات التفتت الجيوسياسي والتنافس السيادي المتصاعد.   ونتيجة لذلك، أسهم هذا التحول في تآكل نموذج "عائد السلام" الذي ساد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وشكّل أحد الأسس التي ارتكز إليها التكامل الاقتصادي العالمي لأكثر من ثلاثة عقود. ففي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، تبنت الاقتصادات المتقدمة إلى حد كبير افتراضًا مفاده أن الترابط الاقتصادي المتبادل من شأنه الحد من مخاطر الصراعات، وهو ما وفر مبررًا لاستمرار خفض الإنفاق الدفاعي. واستند هذا التصور إلى نموذج للعولمة يركز على الكفاءة الاقتصادية، ويعتمد على سياسات الحد الأدنى من المخزون، وخفض التكاليف، وسلاسل التوريد الموزعة جغرافيًا، مع إيلاء أهمية محدودة نسبيًا للقدرات الاحتياطية والعمق الصناعي الاستراتيجي.   غير أن هذا النموذج أظهر بحلول عام 2026 نقاط ضعفه الملموسة بصورة متزايدة. فلم تعد الاعتبارات الأمنية تُعامل باعتبارها عاملًا خارجيًا منفصلًا عن السياسات الاقتصادية، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ منها، مع سعي الدول إلى دمج الإنتاج الدفاعي، والقدرات الصناعية، والتحكم في سلاسل التوريد ضمن إطار أوسع يهدف إلى تعزيز المرونة الوطنية وترسيخ القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات والاضطرابات.