تحذير استراتيجي: الطاعون الرئوي في سيبيريا، تفشٍ محدود أم أزمة تتجاوز المرض؟
البرامج البحثية

تحذير استراتيجي: الطاعون الرئوي في سيبيريا، تفشٍ محدود أم أزمة تتجاوز المرض؟

أثارت وفاة فني مختبر يبلغ من العمر 28 عامًا في "معهد إيركوتسك لمكافحة الطاعون"، في 2 أكتوبر، استجابة طارئة في روسيا. فقد وُضع نحو 200 شخص تحت المراقبة الطبية، وفُرض الحجر الصحي على مستشفى المنطقة في شيليخوف، فيما توجهت آنا بوبوفا، كبيرة مسؤولي الصحة العامة في روسيا، من موسكو للإشراف على إجراءات الاستجابة. لكن الغموض لا يزال يحيط بطبيعة الحالة نفسها. فـ"روس بوتريب نادزور"، الهيئة الروسية المعنية بالرقابة على الصحة العامة، لا تصفها سوى بأنها "التهاب رئوي مجهول المسببات"، وتؤكد أن الوضع في إيركوتسك وشيليخوف "مستقر". في المقابل، أعلن رئيس جمهورية بورياتيا المجاورة أن المرأة توفيت جراء إصابتها بالطاعون. ويضع هذا التباين في توصيف سبب الوفاة سؤالًا بالغ الأهمية في صلب المشهد: هل نحن أمام إصابة منفردة جرى احتواؤها، أم أن الحالة تمثل أول مؤشر على تفشٍ للطاعون الرئوي تواجه موسكو صعوبة في احتوائه والإفصاح عن مداه؟ وتتضاعف أهمية هذا السؤال بالنظر إلى طبيعة الطاعون الرئوي، بوصفه أخطر أشكال المرض؛ إذ ينتقل من شخص إلى آخر عبر الرذاذ التنفسي، ويمكن أن يؤدي إلى الوفاة في غضون أيام إذا لم يُعالج، في حين يمكن علاجه بالمضادات الحيوية متى بدأ العلاج مبكرًا. لذلك، تكتسب الأيام الأولى من ظهور أي حالة أهمية حاسمة، وتصبح شفافية السلطات وسرعة الإفصاح عن المعلومات عاملين لا يقلان أهمية عن سرعة الاستجابة الطبية ذاتها.  
لماذا لا يكفي تنويع مصادر السلاح لتحقيق الاستقلال الأوروبي؟
البرامج البحثية

لماذا لا يكفي تنويع مصادر السلاح لتحقيق الاستقلال الأوروبي؟

تسعى أوروبا إلى تقليص اعتمادها العسكري على الولايات المتحدة، لكن شراء الأسلحة من موردين آخرين لا يضمن لها استقلالًا دفاعيًا أكبر. فقد تتغير الدول التي تبيعها السلاح، بينما تظل قدرتها على تحديثه وصيانته ودمجه في منظوماتها مرهونة بموافقة خارجية أو دعم تقني أجنبي. وهنا يبرز التحدي الأهم: إلى أي مدى يمنح امتلاك السلاح حرية التحكم في قدراته وتطويره؟   ويكشف اتفاق «درع أخيل» بين اليونان وإسرائيل أبعاد هذا التحدي. فالاتفاق، الذي تبلغ قيمته 3 مليارات يورو، يستهدف إنشاء شبكة يونانية متعددة الطبقات للدفاع الجوي والصاروخي، تضم أنظمة إسرائيلية ضمن بنية للقيادة والسيطرة تخضع للسيطرة اليونانية. غير أن الجدل حول إتاحة الشفرة المصدرية لهذه الأنظمة أثار تساؤلات عن حدود السيطرة التي ستمتلكها أثينا فعليًا. وهو جدل يتجاوز الصفقة نفسها ليطرح سؤالًا أوسع: هل تستطيع أوروبا بناء دفاع مستقل إذا ظلت التقنيات الحيوية التي يعتمد عليها خارج سيطرتها؟
الأمم المتحدة وصراع القوى على الذكاء الاصطناعي: من سيضع قواعد التكنولوجيا التي تعيد تشكيل الأمن العالمي؟
البرامج البحثية

الأمم المتحدة وصراع القوى على الذكاء الاصطناعي: من سيضع قواعد التكنولوجيا التي تعيد تشكيل الأمن العالمي؟

تكشف التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي عن مفارقة لافتة في النقاش حول مستقبل الأمن العالمي. فالتحذيرات من مخاطر هذه التكنولوجيا لم تعد تأتي من الدبلوماسيين والمسؤولين العسكريين وحدهم، بل بات بعضها يصدر عن قادة الشركات التي تتولى تطويرها. وقد تجلت هذه المفارقة بوضوح أمام مجلس الأمن الدولي في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 2026، حين قدم سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "OpenAI"، وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "Anthropic"، وكليمان ديلانج، الشريك المؤسس لمنصة "Hugging Face"، إحاطات أمام أعضاء المجلس الخمسة عشر، في وقت تواجه فيه الحكومات أنظمة ذكاء اصطناعي تزداد قدرة على كتابة الأكواد البرمجية، والعمل بصورة مستقلة، والتفاعل مع أنظمة خارجية، وربما تحسين قدراتها ذاتيًا.   ولم تنبع أهمية المشهد من حضور قادة هذه الشركات أمام مجلس الأمن فحسب، بل من أن التحذيرات جاءت هذه المرة من مسؤولين يقودون تطوير التكنولوجيا التي يحذرون هم أنفسهم من مخاطرها. فقد حذر أمودي من أن الذكاء الاصطناعي، إذا أسيئت إدارته، "قد يشكل خطرًا على البشرية جمعاء"، فيما شدد ألتمان على أن القرارات المتعلقة بهذه التكنولوجيا لا يمكن أن تُترك لشركات التكنولوجيا وحدها. وتكتسب هذه المناقشات دلالة خاصة مع انتقال الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة من نطاق السياسات التكنولوجية إلى صميم قضايا الأمن الدولي. غير أن القضية الأعمق لا تتعلق فقط بحجم المخاطر التي قد تنطوي عليها هذه التكنولوجيا، بل بمن سيضع القواعد التي تحكمها، في وقت تتركز فيه القدرة على تطوير أكثر أنظمتها تقدمًا لدى عدد محدود من الدول والشركات.   وفي قلب هذه المعادلة، تسعى الأمم المتحدة إلى أن تصبح المحفل الذي تُناقش فيه قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي. غير أنها تدخل ساحة تتشكل موازينها بالفعل بفعل القدرات التكنولوجية والقوة الاقتصادية ومصالح الأمن القومي والرؤى المتباينة للحوكمة. ومن ثم، لا يدور التحدي حول صياغة قواعد لتنظيم تكنولوجيا سريعة التطور فحسب، بل حول موقع الأمم المتحدة وقدرتها على التأثير في منظومة حوكمة تتنافس قوى متعددة على تشكيلها.
اقتصاد الفضاء الجديد: صعود الفضاء كساحة جديدة للتنافس الاستراتيجي
البرامج البحثية

اقتصاد الفضاء الجديد: صعود الفضاء كساحة جديدة للتنافس الاستراتيجي

قد لا يكون التحول الاقتصادي الكبير المقبل على الأرض، بل في الفضاء. فمع تسارع النشاط التجاري خارج حدودها، يتحول الفضاء إلى مجال متزايد الأهمية للتنافس الاقتصادي والاستراتيجي، فيما تحتدم المنافسة بين الحكومات والشركات على البنية التحتية التي تقوم عليها الاتصالات والملاحة والتمويل ومراقبة المناخ والدفاع والجيل المقبل من الخدمات الرقمية. ولا تكمن أهمية هذا التحول في سباق جديد للعودة إلى القمر أو الوصول إلى المريخ فحسب، بل في تغير أعمق يعيد تشكيل علاقة الفضاء بالاقتصاد العالمي؛ إذ يندمج المدار تدريجيًا في بنيته، ويتحول إلى أحد مكوناته الحيوية، بما يرتب تداعيات متزايدة على قوة الدول، وأنماط الاعتماد التكنولوجي، وقواعد الحوكمة الدولية.   وتتضح أبعاد هذا التحول بصورة أكبر في طبيعة الاقتصاد الفضائي نفسه، حيث يتسع الدور التجاري للقطاع الخاص من دون أن يتراجع الدور المحوري للدولة. فعلى الرغم من أن الاستثمار العام لا يزال يمثل ركيزة أساسية للقطاع، تضطلع الشركات الخاصة بدور متنامٍ في خدمات الإطلاق والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية ورصد الأرض وتحليل البيانات. غير أن اتساع النشاط التجاري يتزامن مع تزايد التداخل بين الاستخدامات المدنية والعسكرية للفضاء؛ فالأقمار الاصطناعية التي تخدم الزراعة والخدمات اللوجستية والاستجابة لحالات الطوارئ يمكن أن تدعم في الوقت نفسه الاستخبارات والاستهداف والاتصالات الآمنة والملاحة العسكرية. ومع تعمق اعتماد الحياة والاقتصاد على الأرض على هذه البنية التحتية، لم يعد الوصول إلى المدار مجرد قدرة تقنية، بل أصبح أحد مقومات الصمود الاقتصادي والاستقلالية الاستراتيجية.
معركة أوروبا المقبلة: أزمة غذاء تلوح في الأفق
البرامج البحثية

معركة أوروبا المقبلة: أزمة غذاء تلوح في الأفق

تعاقبت الأزمات على أوروبا خلال السنوات القليلة الماضية بوتيرة لم تكد تتيح للقارة فرصة لاحتواء تداعيات أزمة حتى وجدت نفسها أمام أخرى. فمن الحرب الروسية الأوكرانية وما خلفته من تداعيات جيوسياسية واقتصادية واسعة، إلى عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية وما صاحبها من تحديات جديدة، تراكمت الضغوط وتداخلت آثارها. واليوم، يلوح في الأفق تحدٍ من نوع مختلف، لا يقل تعقيدًا عما سبقه، لكنه أكثر اتصالًا بالحياة اليومية لمواطني القارة: تأمين الغذاء. ولم يعد خطر نقص الإمدادات احتمالًا بعيدًا، إذ بدأت العوامل التي قد تقود إليه تتجمع في وقت واحد. فموجات الحر الشديدة والجفاف تضغط على المحاصيل والإنتاج الزراعي داخل أوروبا، بينما تعطل الحروب طرق التجارة وتهدد تدفقات الغذاء من الخارج. والأخطر أن هذين المسارين يتقاطعان ويعزز أحدهما أثر الآخر؛ فتراجع الإنتاج المحلي يزيد حاجة أوروبا إلى الاستيراد، في الوقت الذي تصبح فيه بعض المصادر التي تعتمد عليها لتلبية هذه الحاجة أكثر عرضة للاضطراب.   وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة مجرد موسم زراعي سيئ أو نقص مؤقت في بعض المحاصيل. فإذا استمرت الضغوط المناخية بالتزامن مع اضطراب الإمدادات الخارجية، فقد تجد أوروبا نفسها أمام أزمة غذاء تجمع بين تراجع المعروض وارتفاع الأسعار وتزايد الاعتماد على الأسواق الخارجية. ولن تظل التداعيات بالضرورة حبيسة حدود القارة؛ إذ قد تمتد إلى أسواق الغذاء العالمية، ولا سيما في الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد والأقل قدرة على تحمل ارتفاع الأسعار. وهكذا، لا يتعلق السؤال بقدرة أوروبا على تأمين احتياجاتها الغذائية فحسب، بل بمدى قدرة منظومتها الغذائية على الصمود حين يتزامن تراجع الإنتاج في الداخل مع اضطراب الإمدادات من الخارج.
من أداة إلى وسيط سياسي: كيف يتغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة التشريع الأمريكي
البرامج البحثية

من أداة إلى وسيط سياسي: كيف يتغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة التشريع الأمريكي

دخل إلى أروقة الكونجرس لاعب جديد يمارس، على نحو غير مألوف، دورًا يشبه جماعات الضغط: لا يسجّل نفسه، ولا يفصح عن عميل يمثله، ولا يترك وراءه أثرًا ورقيًا، ومع ذلك يكاد يكون حاضرًا على مكتب كل موظف، في نافذة مفتوحة على متصفح الإنترنت. ولم يعد هذا الحضور مجرد ظاهرة عابرة في بيئة العمل؛ فقد أفادت تقارير بأن مكتب المستشار التشريعي في مجلس النواب، وهو الجهة التي تتولى تحويل أفكار السياسات العامة إلى نصوص تشريعية ملزمة، بات يتلقى سيلًا من مقترحات مشروعات القوانين المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، تعج بإحالات تشريعية خاطئة وصياغات ركيكة، إلى حد أن محامي المكتب أصبحوا يستغرقون في تصحيحها وقتًا يفوق ما كانوا سيحتاجونه لصياغة مشروعات القوانين نفسها من الصفر. وبالتوازي مع ذلك، بدأ يتكشف مدى تغلغل هذه الأنظمة في العمل اليومي للكونجرس؛ إذ يعتمد أعضاؤه وموظفوه بصورة متزايدة على أنظمة مثل ChatGPT وClaude وCopilot وGemini في إجراء بحوث السياسات العامة، وصياغة مشروعات القوانين والخطابات، وإعداد الردود على مراسلات الناخبين.   وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا التحول مجرد امتداد لما تشهده بيئات العمل المختلفة من توظيف متسارع للذكاء الاصطناعي بهدف رفع الكفاءة وتسريع الإنجاز. غير أن الكونجرس ليس بيئة عمل عادية؛ فالمعلومات التي يتلقاها المشرعون، والكيفية التي تُعرض بها القضايا وتُصاغ بها المشكلات، وصولًا إلى الألفاظ الدقيقة التي تجد طريقها في نهاية المطاف إلى نصوص القوانين، يمكن أن تؤثر جميعها في حياة ملايين الأشخاص. ومن هنا، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كانت روبوتات الدردشة تجعل مكاتب الكونجرس أسرع أو أكثر كفاءة، بل في ما يحدث عندما تتجاوز الأنظمة التي يستعين بها صانعو السياسات في البحث وتأطير القضايا وصياغة التشريعات دور الأداة المساعدة، لتصبح طرفًا فاعلًا في العملية السياسية نفسها.
ماذا لو التهم الذكاء الاصطناعي الكتب التي يتعلّم منها؟
البرامج البحثية

ماذا لو التهم الذكاء الاصطناعي الكتب التي يتعلّم منها؟

تفرز الطفرة الراهنة في الذكاء الاصطناعي مفارقة غير مألوفة: فكلما ازدادت حاجة شركاته إلى معلومات عالية الجودة، اشتد سعيها إلى الكتب الورقية التي تختزن هذه المعلومات، إلى حد إتلاف بعضها بعد استخلاص محتواها. وخلال الأشهر الأخيرة، رصد بائعو كتب مستقلون في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا ومناطق أخرى قفزات مفاجئة وغير مفسرة في طلبات الشراء بالجملة، شملت في بعض الحالات مئات الكتب المتباينة والمغمورة. وبعد شرائها، يُنقل بعض هذه الكتب إلى منشآت يُنزع فيها تجليدها، وتُمسح صفحاتها ضوئيًا بسرعات عالية، قبل التخلص مما تبقى منها أو إعادة تدويره. وقد تكون الظاهرة أوسع نطاقًا بكثير مما تكشفه الحالات المعروفة حتى الآن. فقاعدة بيانات الكتب "ISBNdb"، وهي إحدى قواعد البيانات الرئيسية في هذا المجال، تتيح عمليات شراء تتراوح بين ألف ومليون كتاب في الطلب الواحد، فيما يتحدث بائعون عن عناوين ظلت سنوات بلا مشترين، قبل أن تصبح فجأة موضع طلب كثيف. وفي الوقت نفسه، كُشف عن منشأة تابعة لشركة "أمازون" (Amazon) في لاس فيجاس، وصف موظفون فيها عمليات تُقطع خلالها كعوب الكتب، وتُمسح صفحاتها المفككة ضوئيًا، ثم يُتخلص من الورق الناتج عن العملية. غير أن دلالة هذه الظاهرة تتجاوز سوق الكتب وصناعة النشر إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة السباق على تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه. فإذا كان بناء نماذج أكثر قدرة يتطلب كميات متزايدة من المعرفة المختزنة في مصادر مادية، فما الذي يحدث عندما يقود السباق لاستخلاص هذه المعرفة إلى استنزاف المصادر التي تحملها؟ هنا تتجسد المفارقة في صورتها الأكثر وضوحًا: ماذا لو انتهى الذكاء الاصطناعي، في أثناء تعلّمه من الكتب، إلى إتلاف النسخ المادية التي أتاحت له هذا التعلّم من الأساس؟
ما بعد «الطلقة التحذيرية»: إلى أي مدى قد تذهب إيران في استهداف البنية التحتية الأمريكية؟
البرامج البحثية

ما بعد «الطلقة التحذيرية»: إلى أي مدى قد تذهب إيران في استهداف البنية التحتية الأمريكية؟

بين 26 و31 يوليو 2026، تعرضت مرافق للمياه والصرف الصحي في عدد من الولايات الأمريكية لسلسلة من الهجمات السيبرانية انتزعت من مشغليها القدرة على التحكم اليدوي في أنظمتها. وامتد نطاق الهجمات من مينيسوتا وميشيجان إلى نيوجيرسي وجورجيا وداكوتا الجنوبية، فيما أصابت في مينيسوتا وحدها أكثر من 30 نظامًا محليًا للمياه. وتشير تقارير إخبارية إلى شبهات بارتباط هذه الهجمات بقراصنة مدعومين من إيران، بما يضفي على استهداف بنية تحتية مدنية بهذه الحساسية دلالة تتجاوز مجرد الاختراق التقني.   وفي مقاطعة كلايتون بولاية جورجيا، ظهرت آثار الاختراق سريعًا على أرض الواقع. فقد رصد مشغلو هيئة المياه، التي تخدم نحو 300 ألف شخص في محيط أتلانتا، تراجعًا في ضغط المياه، ما اضطر الهيئة إلى إصدار تحذير للسكان بضرورة غلي المياه قبل استخدامها. ومع ذلك، لم يدم الاضطراب طويلًا، إذ أُعيدت الخدمة في غضون ساعات.   وفي حالات عدة، تمكن القراصنة من النفاذ عن بُعد إلى أنظمة التحكم في المضخات والصمامات وضغط المياه. لكن الهجمات، على خطورتها، لم تصل إلى الحد الذي ربما كان يخشاه استهداف منشآت من هذا النوع: لم تتأثر سلامة مياه الشرب، وظلت المياه آمنة للاستخدام.   ومنذ ذلك الحين، أعلنت مجموعة القرصنة "CyberAv3ngers"، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والمدرجة على قائمة العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية في فبراير 2024، مسؤوليتها عن العملية عبر تطبيق تيليجرام. غير أن المجموعة تعمدت تقديم ما جرى بوصفه رسالة تحذير لا هجومًا مكتملًا، قائلة إن "هدفنا من مهاجمة مينيسوتا لم يكن سوى التحذير" من قدراتها ومن عزمها الرد على أي دولة تشكل تهديدًا لإيران. وتكمن أهمية هذا التوصيف في ما ينطوي عليه من دلالة تتجاوز العملية نفسها. فإذا كانت المجموعة تصف اختراق أنظمة المياه وتعطيل التحكم فيها بأنه مجرد "تحذير"، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن أن يبدو الهجوم "الفعلي" الذي تلوّح به؟
اتجاهات الرأي العام: من يملك زمام السيطرة على غذاء المنطقة؟
البرامج البحثية

اتجاهات الرأي العام: من يملك زمام السيطرة على غذاء المنطقة؟

أصبح الأمن الغذائي واحدًا من أخطر القضايا الاستراتيجية التي تواجه العالم العربي، إذ إن الاعتماد الكبير على استيراد الحبوب والبذور والمدخلات الزراعية، إلى جانب محدودية السيطرة على التسعير والتوزيع، ترك المنطقة عرضةً لقرارات تُتخذ خارج حدودها.
ما بعد “بيبفار”: كيف يعيد الانسحاب الأمريكي رسم خريطة الصحة العالمية؟
البرامج البحثية

ما بعد “بيبفار”: كيف يعيد الانسحاب الأمريكي رسم خريطة الصحة العالمية؟

على مدى أكثر من عقدين، مثّلت خطة الرئيس الأمريكي الطارئة للإغاثة من الإيدز (بيبفار) المثال الأبرز على ما يمكن أن تصنعه قوة مانح واحد حين تتركز بهذا الحجم. فقد ترجمت دولة واحدة إرادتها السياسية إلى مليارات الدولارات من التمويل سنويًا، عبر برنامج يُنسب إليه إنقاذ أرواح أكثر من أي برنامج منفرد للصحة العالمية في التاريخ. لكن هذه الحقبة تقترب اليوم من نهايتها، لا عبر انتقال منظم ومدروس، بل بانسحاب مفاجئ وغير مخطط له إلى حد بعيد، بدأ بعد أيام من تولي إدارة ترامب الثانية السلطة في يناير 2025.   ولا تتعلق المسألة بمجرد خفض التمويل المخصص لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، بل بما يحدث حين تفقد منظومة تمويل الصحة العالمية ركيزتها المهيمنة. فمن يسارع إلى ملء الفراغ الناشئ؟ وهل تستطيع الدول التي تركها هذا التراجع أكثر انكشافًا بناء القدرات المالية والمؤسسية اللازمة للاعتماد على نفسها؟ والأهم، هل ستكون المنظومة التي تنشأ من هذا التحول أكثر هشاشة من سابقتها، أم أكثر قدرة على الصمود؟   بدأت كلفة هذا التحول تظهر بالفعل: عيادات أُغلقت، ومسارات علاج تعطلت، وإصابات عادت إلى الارتفاع في دول أمضت سنوات في احتواء أوبئتها. لكن التحول نفسه يسرّع، في الوقت ذاته، إصلاح منظومات التمويل، ويوسع التعاون الإقليمي، ويدفع نحو بناء قدرات التصنيع المحلي، وهي مسارات جعل الاعتماد على المانحين الحاجة إليها أقل إلحاحًا على مدى عقدين. وهنا تكمن المفارقة التي يتتبعها هذا التحليل: الانسحاب نفسه الذي يفرض كلفة فورية على النظم الصحية قد يدفعها أيضًا إلى تحولات تقلل اعتمادها على المانحين.
تسليح المجال المدني: استراتيجية الصين في المنطقة الرمادية
البرامج البحثية

تسليح المجال المدني: استراتيجية الصين في المنطقة الرمادية

تحاصر مئات قوارب الصيد شعابًا مرجانية لا يدور حولها، رسميًا، أي قتال. لا صواريخ تُطلق، ولا سفن حربية تتبادل النيران؛ مجرد خفر سواحل يعجز عن الاقتراب، وصيادين ينتهي بهم الأمر إلى مغادرة المنطقة. وبعد أسابيع، تصبح تلك المياه، بحكم الأمر الواقع، تحت سيطرة طرف آخر. على مدى أكثر من عقد، بنت الصين هذه القدرة من خلال "الميليشيا البحرية للقوات المسلحة الشعبية" (PAFMM)، وهي أسطول لا يرفع راية عسكرية ولا يتحرك في ظل حرب معلنة، لكنه يحظى بدعم الدولة وتنسيقها لتحقيق أهدافها في بحر الصين الجنوبي، من دون تجاوز العتبة التي قد تستدعي تدخل البحرية الأمريكية، أو تفعّل معاهدة دفاعية، أو توحّد دول المنطقة في مواجهة بكين.   لكن أهمية هذه الميليشيا تتجاوز أنشطة الصين في بحر الصين الجنوبي؛ فهي تمثل نموذجًا لاتجاه أوسع نحو دمج الأصول المدنية في استراتيجيات الأمن القومي. ومن هنا، لا يكمن السؤال الأجدر بالطرح في ما تفعله الصين بهذه الأصول بقدر ما يكمن في سبب اختيارها هذه الأداة تحديدًا، وما يكشفه ذلك عن الكيفية التي قد تُخاض بها الجولة المقبلة من التنافس بين القوى الكبرى.
هل انتهى عصر إخفاء الهوية؟ النظارات الذكية ومستقبل الخصوصية في الفضاء العام
البرامج البحثية

هل انتهى عصر إخفاء الهوية؟ النظارات الذكية ومستقبل الخصوصية في الفضاء العام

تجاوزت النظارات الذكية بالفعل مرحلة التقنية التجريبية التي تنتظر اختبار إقبال المستهلكين، وأصبحت واقعًا تقنيًا وتجاريًا يتسع حضوره بوتيرة متسارعة. فقد باعت شركة ميتا أكثر من سبعة ملايين نظارة من طراز "راي بان" الذكي، فيما تشير التقارير إلى أن معدل استخدامها اليومي تضاعف ثلاث مرات على أساس سنوي في مطلع عام 2026. وبالتوازي مع اتساع هذا الانتشار، تتطور قدرات النظارات الذكية وتتعدد وظائفها؛ إذ تجمع بين الكاميرات والميكروفونات والذكاء الاصطناعي والترجمة والملاحة والتقنيات الصوتية وتقنيات التعرف البصري، في جهاز صُمم ليظل على وجه مستخدمه طوال اليوم. ومع مواصلة الشركات المصنّعة تطوير هذه التقنية ونمو سوقها، تجد المطاعم والمسارح وأماكن العمل والمؤتمرات وغيرها من الأماكن نفسها أمام سؤال يزداد إلحاحًا: هل لا تزال القواعد الحالية المنظمة للتصوير والتسجيل كافية في عالم بات من الممكن فيه ارتداء كاميرا طوال اليوم؟   ومن ثم، لم يعد السؤال ما إذا كانت النظارات الذكية ستصبح جزءًا من الحياة اليومية، بل ما الذي سيعنيه انتشارها المتزايد للخصوصية والفضاء العام. فعلى خلاف الهواتف الذكية، التي يتطلب التسجيل بها عادةً حركة ظاهرة من المستخدم، تستطيع النظارات الذكية التقاط ما يحيط بها وتحليله من دون أن يضطر مرتديها إلى تغيير سلوكه المعتاد. ومع اتساع نطاق استخدامها، لم تعد القدرة على المراقبة حكرًا على الحكومات والشركات والأنظمة الأمنية، بل أخذت تمتد إلى الأفراد العاديين. ويثير هذا التحول أسئلة أوسع نطاقًا: من يتحكم في المعلومات التي تجمعها هذه الأجهزة؟ ومن يملكها؟ وكيف يمكن استخدامها بعد تسجيلها؟ وهل يمكن أن تتحول التسجيلات التي ينشئها الأفراد إلى مصدر جديد للمراقبة المؤسسية؟