تحاصر مئات قوارب الصيد شعابًا مرجانية لا يدور حولها، رسميًا، أي قتال. لا صواريخ تُطلق، ولا سفن حربية تتبادل النيران؛ مجرد خفر سواحل يعجز عن الاقتراب، وصيادين ينتهي بهم الأمر إلى مغادرة المنطقة. وبعد أسابيع، تصبح تلك المياه، بحكم الأمر الواقع، تحت سيطرة طرف آخر. على مدى أكثر من عقد، بنت الصين هذه القدرة من خلال "الميليشيا البحرية للقوات المسلحة الشعبية" (PAFMM)، وهي أسطول لا يرفع راية عسكرية ولا يتحرك في ظل حرب معلنة، لكنه يحظى بدعم الدولة وتنسيقها لتحقيق أهدافها في بحر الصين الجنوبي، من دون تجاوز العتبة التي قد تستدعي تدخل البحرية الأمريكية، أو تفعّل معاهدة دفاعية، أو توحّد دول المنطقة في مواجهة بكين.
لكن أهمية هذه الميليشيا تتجاوز أنشطة الصين في بحر الصين الجنوبي؛ فهي تمثل نموذجًا لاتجاه أوسع نحو دمج الأصول المدنية في استراتيجيات الأمن القومي. ومن هنا، لا يكمن السؤال الأجدر بالطرح في ما تفعله الصين بهذه الأصول بقدر ما يكمن في سبب اختيارها هذه الأداة تحديدًا، وما يكشفه ذلك عن الكيفية التي قد تُخاض بها الجولة المقبلة من التنافس بين القوى الكبرى.
شهد مضيق هرمز في الثاني عشر من يوليو ٢٠٢٦ واحدةً من أخطر لحظات تصعيده منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإيرانية مطلع العام، بعدما أعلن الحرس الثوري الإيراني (IRGC) إغلاق المضيق «حتى إشعارٍ آخر» وشرع في استهداف السفن التجارية العابرة. جاء هذا الإعلان تتويجًا لانهيار مذكرة التفاهم (MoU) التي وُقّعت في يونيو برعايةٍ باكستانية، والتي منحت نافذةً من ستين يومًا للتفاوض على الوضع الدائم للممر. ردّت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) بحملةٍ جوية ضربت أكثر من ثلاثمائة هدفٍ إيراني خلال اثنتين وسبعين ساعة، بينها نحو مائةٍ وأربعين هدفًا في ليلةٍ واحدة. لم يبقَ التصعيد حبيس المسرح البحري، إذ وسّعت طهران بنك أهدافها ليشمل عددًا من الدول العربية الكويت والإمارات والبحرين وقطر والأردن وعُمان، في محاولةٍ لوتسيع دائرة الصراع. تزامن ذلك مع قفزةٍ جديدة في أسعار النفط أعادت مخاطر الطاقة إلى صدارة المشهد الاقتصادي العالمي، ليتحول أهم ممرات الملاحة في العالم مجددًا إلى بؤرةٍ للاضطراب الجيوسياسي.
لذلك، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك المشهد الراهن في مضيق هرمز عبر ثلاثة محاور مترابطة: رصد تطوّر الهجمات على الملاحة واتساع رقعتها من البحر إلى العمق الخليجي، وتشخيص وضع المفاوضات المتعثّرة ومقترح الممر المزدوج العُماني، ثم استشراف المآلات المحتملة للأزمة وتداعياتها على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.