تحاصر مئات قوارب الصيد شعابًا مرجانية لا يدور حولها، رسميًا، أي قتال. لا صواريخ تُطلق، ولا سفن حربية تتبادل النيران؛ مجرد خفر سواحل يعجز عن الاقتراب، وصيادين ينتهي بهم الأمر إلى مغادرة المنطقة. وبعد أسابيع، تصبح تلك المياه، بحكم الأمر الواقع، تحت سيطرة طرف آخر. على مدى أكثر من عقد، بنت الصين هذه القدرة من خلال "الميليشيا البحرية للقوات المسلحة الشعبية" (PAFMM)، وهي أسطول لا يرفع راية عسكرية ولا يتحرك في ظل حرب معلنة، لكنه يحظى بدعم الدولة وتنسيقها لتحقيق أهدافها في بحر الصين الجنوبي، من دون تجاوز العتبة التي قد تستدعي تدخل البحرية الأمريكية، أو تفعّل معاهدة دفاعية، أو توحّد دول المنطقة في مواجهة بكين.
لكن أهمية هذه الميليشيا تتجاوز أنشطة الصين في بحر الصين الجنوبي؛ فهي تمثل نموذجًا لاتجاه أوسع نحو دمج الأصول المدنية في استراتيجيات الأمن القومي. ومن هنا، لا يكمن السؤال الأجدر بالطرح في ما تفعله الصين بهذه الأصول بقدر ما يكمن في سبب اختيارها هذه الأداة تحديدًا، وما يكشفه ذلك عن الكيفية التي قد تُخاض بها الجولة المقبلة من التنافس بين القوى الكبرى.