من أداة إلى وسيط سياسي: كيف يتغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة التشريع الأمريكي
البرامج البحثية

من أداة إلى وسيط سياسي: كيف يتغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة التشريع الأمريكي

دخل إلى أروقة الكونجرس لاعب جديد يمارس، على نحو غير مألوف، دورًا يشبه جماعات الضغط: لا يسجّل نفسه، ولا يفصح عن عميل يمثله، ولا يترك وراءه أثرًا ورقيًا، ومع ذلك يكاد يكون حاضرًا على مكتب كل موظف، في نافذة مفتوحة على متصفح الإنترنت. ولم يعد هذا الحضور مجرد ظاهرة عابرة في بيئة العمل؛ فقد أفادت تقارير بأن مكتب المستشار التشريعي في مجلس النواب، وهو الجهة التي تتولى تحويل أفكار السياسات العامة إلى نصوص تشريعية ملزمة، بات يتلقى سيلًا من مقترحات مشروعات القوانين المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، تعج بإحالات تشريعية خاطئة وصياغات ركيكة، إلى حد أن محامي المكتب أصبحوا يستغرقون في تصحيحها وقتًا يفوق ما كانوا سيحتاجونه لصياغة مشروعات القوانين نفسها من الصفر. وبالتوازي مع ذلك، بدأ يتكشف مدى تغلغل هذه الأنظمة في العمل اليومي للكونجرس؛ إذ يعتمد أعضاؤه وموظفوه بصورة متزايدة على أنظمة مثل ChatGPT وClaude وCopilot وGemini في إجراء بحوث السياسات العامة، وصياغة مشروعات القوانين والخطابات، وإعداد الردود على مراسلات الناخبين.   وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا التحول مجرد امتداد لما تشهده بيئات العمل المختلفة من توظيف متسارع للذكاء الاصطناعي بهدف رفع الكفاءة وتسريع الإنجاز. غير أن الكونجرس ليس بيئة عمل عادية؛ فالمعلومات التي يتلقاها المشرعون، والكيفية التي تُعرض بها القضايا وتُصاغ بها المشكلات، وصولًا إلى الألفاظ الدقيقة التي تجد طريقها في نهاية المطاف إلى نصوص القوانين، يمكن أن تؤثر جميعها في حياة ملايين الأشخاص. ومن هنا، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كانت روبوتات الدردشة تجعل مكاتب الكونجرس أسرع أو أكثر كفاءة، بل في ما يحدث عندما تتجاوز الأنظمة التي يستعين بها صانعو السياسات في البحث وتأطير القضايا وصياغة التشريعات دور الأداة المساعدة، لتصبح طرفًا فاعلًا في العملية السياسية نفسها.