تفرز الطفرة الراهنة في الذكاء الاصطناعي مفارقة غير مألوفة: فكلما ازدادت حاجة شركاته إلى معلومات عالية الجودة، اشتد سعيها إلى الكتب الورقية التي تختزن هذه المعلومات، إلى حد إتلاف بعضها بعد استخلاص محتواها. وخلال الأشهر الأخيرة، رصد بائعو كتب مستقلون في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا ومناطق أخرى قفزات مفاجئة وغير مفسرة في طلبات الشراء بالجملة، شملت في بعض الحالات مئات الكتب المتباينة والمغمورة. وبعد شرائها، يُنقل بعض هذه الكتب إلى منشآت يُنزع فيها تجليدها، وتُمسح صفحاتها ضوئيًا بسرعات عالية، قبل التخلص مما تبقى منها أو إعادة تدويره. وقد تكون الظاهرة أوسع نطاقًا بكثير مما تكشفه الحالات المعروفة حتى الآن. فقاعدة بيانات الكتب "ISBNdb"، وهي إحدى قواعد البيانات الرئيسية في هذا المجال، تتيح عمليات شراء تتراوح بين ألف ومليون كتاب في الطلب الواحد، فيما يتحدث بائعون عن عناوين ظلت سنوات بلا مشترين، قبل أن تصبح فجأة موضع طلب كثيف. وفي الوقت نفسه، كُشف عن منشأة تابعة لشركة "أمازون" (Amazon) في لاس فيجاس، وصف موظفون فيها عمليات تُقطع خلالها كعوب الكتب، وتُمسح صفحاتها المفككة ضوئيًا، ثم يُتخلص من الورق الناتج عن العملية. غير أن دلالة هذه الظاهرة تتجاوز سوق الكتب وصناعة النشر إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة السباق على تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه. فإذا كان بناء نماذج أكثر قدرة يتطلب كميات متزايدة من المعرفة المختزنة في مصادر مادية، فما الذي يحدث عندما يقود السباق لاستخلاص هذه المعرفة إلى استنزاف المصادر التي تحملها؟ هنا تتجسد المفارقة في صورتها الأكثر وضوحًا: ماذا لو انتهى الذكاء الاصطناعي، في أثناء تعلّمه من الكتب، إلى إتلاف النسخ المادية التي أتاحت له هذا التعلّم من الأساس؟