كتب بواسطة

تفرز الطفرة الراهنة في الذكاء الاصطناعي مفارقة غير مألوفة: فكلما ازدادت حاجة شركاته إلى معلومات عالية الجودة، اشتد سعيها إلى الكتب الورقية التي تختزن هذه المعلومات، إلى حد إتلاف بعضها بعد استخلاص محتواها. وخلال الأشهر الأخيرة، رصد بائعو كتب مستقلون في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا ومناطق أخرى قفزات مفاجئة وغير مفسرة في طلبات الشراء بالجملة، شملت في بعض الحالات مئات الكتب المتباينة والمغمورة. وبعد شرائها، يُنقل بعض هذه الكتب إلى منشآت يُنزع فيها تجليدها، وتُمسح صفحاتها ضوئيًا بسرعات عالية، قبل التخلص مما تبقى منها أو إعادة تدويره. وقد تكون الظاهرة أوسع نطاقًا بكثير مما تكشفه الحالات المعروفة حتى الآن. فقاعدة بيانات الكتب "ISBNdb"، وهي إحدى قواعد البيانات الرئيسية في هذا المجال، تتيح عمليات شراء تتراوح بين ألف ومليون كتاب في الطلب الواحد، فيما يتحدث بائعون عن عناوين ظلت سنوات بلا مشترين، قبل أن تصبح فجأة موضع طلب كثيف. وفي الوقت نفسه، كُشف عن منشأة تابعة لشركة "أمازون" (Amazon) في لاس فيجاس، وصف موظفون فيها عمليات تُقطع خلالها كعوب الكتب، وتُمسح صفحاتها المفككة ضوئيًا، ثم يُتخلص من الورق الناتج عن العملية. غير أن دلالة هذه الظاهرة تتجاوز سوق الكتب وصناعة النشر إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة السباق على تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه. فإذا كان بناء نماذج أكثر قدرة يتطلب كميات متزايدة من المعرفة المختزنة في مصادر مادية، فما الذي يحدث عندما يقود السباق لاستخلاص هذه المعرفة إلى استنزاف المصادر التي تحملها؟ هنا تتجسد المفارقة في صورتها الأكثر وضوحًا: ماذا لو انتهى الذكاء الاصطناعي، في أثناء تعلّمه من الكتب، إلى إتلاف النسخ المادية التي أتاحت له هذا التعلّم من الأساس؟

سباق الذكاء الاصطناعي على الكتب

ليس من الصعب فهم أسباب هذا الإقبال المتزايد على الكتب. فنماذج اللغة الكبيرة، التي تقوم عليها أدوات مثل “ChatGPT” و”Claude” و”Gemini”، تحتاج إلى كميات هائلة من النصوص لتحسين قدرتها على تقديم إجابات دقيقة وموثوقة. ومع تزايد حضور المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي في الفضاء الرقمي، اكتسبت الكتب الورقية القديمة قيمة جديدة؛ إذ يعود محتواها إلى حقبة سبقت الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي، ما يقلل من احتمال تأثر نصوصها بمخرجات نماذج سابقة.

 

 

وقد بدأ هذا الطلب الجديد يعيد تشكيل اقتصاديات سوق الكتب المستعملة. فالبائعون يتلقون طلبات شراء ضخمة وغير معتادة تشمل طيفًا واسعًا من الكتب، من المؤلفات الأكاديمية المغمورة والكتب الصادرة بلغات أجنبية إلى المنشورات الحكومية القديمة. ويكشف حجم هذه الطلبات عن تحول لافت في السوق؛ إذ تحدث أحد البائعين عن قفزة في مبيعاته من أقل من 20 كتابًا أسبوعيًا إلى مئات الكتب، فيما تلقى آخر طلبًا واحدًا يعادل تقريبًا مبيعات أسبوع كامل. وبالنسبة إلى بائعين يمتلكون آلاف الكتب القديمة أو صعبة البيع، يصعب تجاهل العائد المالي الذي تتيحه هذه الموجة الجديدة من الطلب.

 

لكن ما يمثل فرصة تجارية للبائعين يكشف، في المقابل، عن مشكلة أعمق. فالنسخة التي يشتريها قارئ تظل متداولة، ويمكن أن تنتقل لاحقًا إلى قارئ آخر، أما النسخة التي تُشترى بغرض المسح الضوئي الإتلافي فقد تنتهي عند تلك النقطة دورة حياتها بوصفها كتابًا. فبمجرد قطع كعب الكتاب وتمرير صفحاته عبر ماسح ضوئي صناعي، تفقد النسخة هيئتها المادية التي تتيح تداولها، وقد لا يتبقى منها سوى أوراق مفككة تُرسل إلى إعادة التدوير.

 

وتقدم إفادة أحد موظفي “أمازون” صورة مباشرة لكيفية تنفيذ هذه العملية عمليًا. فبحسب وصفه، تُستخدم آلات لقطع تجليد الكتب، ثم تُمرر الصفحات المفككة عبر ماسحات ضوئية تلتقط صورًا لها بسرعة. وكانت المنشأة تضم ما لا يقل عن 20 إلى 25 ماسحًا ضوئيًا، فيما شاهد العاملون كتبًا تصل من دول مختلفة، من بينها ألمانيا وروسيا واليابان وبريطانيا. كما لم تقتصر الكتب الواردة على نوع أو مصدر بعينه؛ فبعضها كان جديدًا، بينما بدا أن بعضها الآخر جاء من مكتبات.

 

وتكتسب هذه الممارسات أهمية خاصة لأن خطر فقدان الكتاب لا يرتبط بالضرورة بمدى رواجه التجاري. فقد يكون من السهل تعويض نسخة مفقودة من رواية واسعة الانتشار تتوافر منها ملايين النسخ، بينما قد لا يتبقى من بعض المؤلفات المغمورة سوى عدد محدود للغاية من النسخ. وهنا تصبح الكتب الأكثر ندرة أشد عرضة للخطر؛ فمطبوع أكاديمي نادر، أو كتاب بلغة أجنبية نفدت طبعته، أو نسخة موقعة، قد يكون فقدانه أكثر خطورة عندما تتنافس عدة شركات للذكاء الاصطناعي على الحصول على المادة نفسها.

 

والأخطر أن هذه الآلية قد تحمل في داخلها ما يدفع المشكلة إلى التفاقم. فإذا احتاج عدد من مطوري الذكاء الاصطناعي إلى مواد تدريب متشابهة وعالية الجودة، فسيكون لكل شركة حافز للحصول على نسخة ورقية خاصة بها. وعندئذ، قد تُشترى تباعًا نسخ من كتاب نادر كان يمكن أن يظل متداولًا بين القراء وهواة جمع الكتب والمكتبات والباحثين، ثم تُتلف كل نسخة منها في عملية المسح الضوئي. ومع تكرار هذا النمط، لا تعود النتيجة مجرد رقمنة للمحتوى، بل قد تتحول إلى استنزاف تدريجي للرصيد الثقافي المادي، مع خروج مزيد من نسخه من دائرة التداول

القانون في مواجهة الحفاظ على الكتب

نبع جانب من الجدل المحيط بهذه الممارسات من فجوة بين ما قد تتيحه قواعد حقوق النشر وما تقتضيه اعتبارات الحفاظ على الموروث الثقافي. فقد يكون استخدام الكتب مشروعًا قانونًا ومجديًا تجاريًا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة خلوه من آثار ثقافية ضارة. وقد برزت هذه المفارقة بوضوح في الولايات المتحدة. ففي عام 2025، خلص حكم قضائي إلى أن استخدام شركة “Anthropic” كتبًا اشترتها بصورة قانونية في تدريب نظامها للذكاء الاصطناعي يُعد استخدامًا تحويليًا، ومن ثم يندرج ضمن نطاق “الاستخدام العادل”. وكشفت مستندات قُدمت إلى المحكمة في القضية أن الشركة اشترت ملايين الكتب الورقية، وأزالت تجليدها، ومسحت صفحاتها ضوئيًا، ثم أتلفت النسخ بعد ذلك. وفي قضية منفصلة تتعلق بأعمال جرى الحصول عليها بطرق مقرصنة، وافقت الشركة لاحقًا على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار.

 

وهنا يتضح الفارق بين ما يجيزه القانون وما تقتضيه اعتبارات الحفاظ على الكتب. فقانون حقوق النشر قد يحسم مسألة أحقية شركة تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي في استخدام كتاب ما، لكنه لا يجيب بالضرورة عن سؤال مختلف: هل ينبغي، من منظور المصلحة المجتمعية والحفاظ على الموروث الثقافي، أن يؤدي هذا الاستخدام إلى اختفاء النسخة المادية من الكتاب؟ وتزداد أهمية هذا التمييز مع اتساع نطاق عمليات شركات الذكاء الاصطناعي. فقد دعت أكثر من اثنتي عشرة جماعة معنية بالمصلحة العامة وحماية المستهلك “لجنة التجارة الفيدرالية” الأمريكية إلى التحقيق في ممارسات تصفها بأنها “التكديس والإتلاف”. ولا تقتصر مخاوف هذه الجهات على حقوق النشر، بل تمتد إلى آثار هذه الممارسات في المنافسة؛ إذ ترى أن شراء الكتب وإخراجها بصورة منهجية من دائرة الإتاحة العامة قد يزيد صعوبة وصول مطوري الذكاء الاصطناعي الآخرين والباحثين والجمهور إلى المصادر الأساسية.

 

وقد تمتد هذه التداعيات مباشرة إلى المنافسة بين الشركات. فإذا اشترت شركة ما النسخ المتبقية من كتاب نادر ثم أتلفتها بعد مسحها ضوئيًا، فقد لا يعود بإمكان شركة أخرى الحصول على المادة نفسها بصورة قانونية. وعندئذ، قد يصبح المحتوى الأصلي محصورًا فعليًا داخل الأنظمة الرقمية للشركات التي امتلكت الموارد المالية الكافية لشراء تلك النسخ قبل غيرها. وهنا تبرز مفارقة في صميم اقتصاد بيانات الذكاء الاصطناعي: فصناعة يعتمد تطورها على إتاحة المعرفة على نطاق واسع قد تسهم، مع توسعها، في تقليص إتاحة هذه المعرفة نفسها في صورتها المادية.

 

غير أن تجارب قانونية أخرى تشير إلى أن هذه النتيجة ليست حتمية. ففي سنغافورة، يسمح إطار حقوق النشر صراحة باستخدام المواد المحمية بحقوق النشر في تدريب الذكاء الاصطناعي، شريطة أن يكون الوصول إليها قد تم بصورة قانونية. ويرى خبراء قانونيون أن هذا النهج يمنح المطورين قدرًا أكبر من اليقين القانوني، وهي أهمية أكدها كينت ووكر، رئيس الشؤون العالمية في “Google”، بقوله إن “اليقين هو ما يحتاج إليه القطاع”. وفي الوقت نفسه، أشار ووكر إلى تجربة “Google” السابقة في رقمنة الكتب، التي أظهرت إمكان مسح الكتب التي تتطلب عناية خاصة ضوئيًا من دون إتلافها.

 

وهذا يفتح الباب أمام نموذج مختلف، لا يستلزم فيه الحصول على محتوى الكتب التضحية بنسخها المادية. إذ يمكن لشركات الذكاء الاصطناعي الاعتماد على تقنيات المسح الضوئي غير الإتلافي، وإقامة شراكات مع المكتبات، والاستعانة بمجموعات مرخصة، واستخدام أنظمة مصممة للحفاظ على المواد النادرة. ومن شأن هذه البدائل أن تتيح للشركات الحصول على بيانات التدريب التي تحتاج إليها من دون أن تؤدي العملية نفسها إلى تقليص دائم للرصيد المادي العالمي من المعرفة.

 

غير أن توافر البدائل لا يعني بالضرورة أن الشركات ستختارها. فالحوافز الاقتصادية تظل عاملًا حاسمًا؛ إذ إن المسح الضوئي الإتلافي أسرع، وقد يكون أقل تكلفة عند تنفيذه على نطاق صناعي واسع. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتغلب اعتبارات السرعة والكفاءة على متطلبات الحفاظ على الكتب، ما لم تضع الشركات والجهات التنظيمية والمكتبات وبائعو الكتب قواعد واضحة تميز بين النسخ التجارية المتداولة والنسخ التي تتمتع بقيمة ثقافية خاصة.

ماذا لو أصبحت الكتب أندر من النماذج؟

لا يتمثل السيناريو الأشد أثرًا في اختفاء الكتب عمومًا، بل في أن يتركز طلب شركات الذكاء الاصطناعي بصورة منهجية على الكتب التي يصعب تعويضها أصلًا. وهنا يبرز خطر من نوع مختلف: الاستنزاف التدريجي للرصيد الثقافي المادي. فالروايات الأكثر مبيعًا تظل أقل عرضة لهذا الخطر نسبيًا، نظرًا إلى توافر أعداد هائلة من نسخها، بينما يتركز الخطر الأكبر على الكتب التي لم تحظ بانتشار واسع. فقد لا يكون قد طُبع من بعضها سوى بضع مئات من النسخ، وقد يمثل بعضها الآخر طبعات نادرة أو يختزن معارف متخصصة لا تتوافر في مصادر أخرى.

 

ولا يزال من الصعب تحديد الحجم الفعلي لهذه الظاهرة. فقد قدّر أحد بائعي الكتب، في تصريحات نقلتها صحيفة “Orange County Register”، أن المسح الضوئي الإتلافي ربما طال بالفعل عشرات الملايين من الكتب. غير أن هذا الرقم يظل تقديرًا، وليس رقمًا موثقًا يعكس حجم هذه الممارسة على مستوى القطاع بأكمله. وما يمكن تأكيده بدرجة أكبر هو أن الممارسة لم تعد محصورة في حالة “Anthropic” التي لفتت إليها الأنظار في البداية. فقد ارتبط اسم “Amazon” بعمليات واسعة النطاق لمسح الكتب ضوئيًا، فيما أفاد بائعو كتب في دول عدة بتلقي طلبات شراء ضخمة وغير معتادة. وتشير هذه الوقائع إلى أن نطاق الظاهرة آخذ في الاتساع، حتى وإن ظل حجمها الإجمالي غير محسوم.

 

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تتجاوز تداعياته سوق الكتب النادرة وهواة اقتنائها لتطال مؤسسات ومهنًا تعتمد على استمرار إتاحة المواد محدودة الانتشار. فالمكتبات والجامعات والمؤرخون والصحفيون والباحثون يحتاجون إلى هذه المواد تحديدًا لأنها لا تحظى بالرواج التجاري الذي يضمن بقاءها وتوافرها بأعداد كبيرة. وقد يبدو إتلاف نسخة واحدة من كتاب مغمور محدود الأثر في حد ذاته، لكن الصورة تختلف جذريًا إذا أدى تكرار هذه الممارسة إلى إتلاف النسخ القليلة المتبقية من آلاف المؤلفات التي يصعب العثور عليها أو تعويضها.

 

ويكتسب هذا الخطر بُعدًا إضافيًا لأن استخدام الكتاب في تدريب الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة الحفاظ عليه في صورة رقمية متاحة. فالكتب المستخدمة لهذا الغرض لا تتحول تلقائيًا إلى مكتبة رقمية عامة يمكن الرجوع إليها أو البحث فيها لاحقًا، كما أن تدريب نموذج على محتوى كتاب لا يعني احتفاظه بنسخة رقمية متاحة منه، ولا وجود قاعدة بيانات يمكن الوصول إليها تضم كل المواد التي دُرّب عليها. ومن ثم، قد تخرج النسخة المادية الأصلية من دائرة التداول نهائيًا، من دون أن يحل محلها أرشيف رقمي عام يحفظ محتواها ويتيح الوصول إليه.

 

وقد يقود هذا المسار، في نهاية المطاف، إلى تضييق نطاق الوصول إلى المعرفة. فقد تمتلك البشرية أنظمة ذكاء اصطناعي متزايدة القوة، دُرّبت على رصيد تاريخي هائل من المعرفة، في الوقت الذي يتناقص فيه عدد النسخ المادية من المصادر التي استُمدت منها تلك المعرفة. وهنا تنشأ مفارقة أخرى: فكلما ازدادت قدرة هذه الأنظمة على الاستفادة من هذا الرصيد، قد تتراجع قدرة البشر على الرجوع بصورة مستقلة إلى مصادره الأصلية للتحقق منها ودراستها وإعادة تفسيرها.

 

وتواجه سوق الكتب بدورها معضلة قد تعزز هذا المسار. فبائعو الكتب قد يتحملون كلفة مالية إذا رفضوا طلبات شراء تثير الشبهات، لا سيما أن تقييماتهم على منصات البيع قد تتأثر بمدى تنفيذهم للطلبات. وحتى إذا قرر بائع رفض عملية شراء يشتبه في ارتباطها بالذكاء الاصطناعي، فقد لا يؤدي ذلك إلا إلى انتقال المشتري إلى بائع آخر. وهنا تبرز “مشكلة العمل الجماعي”: فلكل بائع، منفردًا، حافز قوي لإتمام الصفقة، حتى وإن أدرك أن تكرار السلوك نفسه على نطاق واسع قد يفضي إلى نتيجة ضارة.

 

ولهذا، يصعب التعويل على آليات السوق وحدها لمعالجة المشكلة. فالبائع الذي يختار الاحتفاظ بنسخة نادرة قد يخسر الصفقة من دون أن يضمن بقاء الكتاب في دائرة التداول، إذ يستطيع المشتري ببساطة التوجه إلى بائع آخر يقبل الطلب. وما لم يُطلب من المشترين التمييز بين الكتب النادرة أو ذات القيمة الثقافية والنسخ المتوافرة التي يسهل تعويضها، فسيظل الحفاظ على هذه الكتب قرارًا فرديًا يتحمل تبعاته كل بائع على حدة، بدلًا من أن يصبح معيارًا معمولًا به على مستوى السوق. وعلى هذا الأساس، لا يتمثل السيناريو الأكثر ترجيحًا في أن يدمر الذكاء الاصطناعي جميع الكتب بالمعنى الحرفي، بل في أن يعيد تدريجيًا تشكيل خريطة ما يبقى منها متاحًا في صورته المادية. فالكتب الشائعة يُرجح أن تظل متوافرة بأعداد كبيرة بفضل استمرار الطلب عليها وإعادة طباعتها، بينما قد تتناقص تدريجيًا النسخ المتداولة من الكتب المغمورة والنادرة.

 

وهنا تتجلى المفارقة الأعمق: فالندرة التي تجعل هذه الكتب أكثر عرضة للفقد قد تكون هي نفسها أحد أسباب ارتفاع قيمتها كمصدر لبيانات التدريب. ومن شأن ذلك أن يقلب، من دون قصد، المنطق التقليدي للحفاظ على الموروث الثقافي. فالكتب التي تحظى بإقبال واسع من القراء قد تكون الأقدر على البقاء، لأن استمرار الطلب عليها يضمن توافر أعداد كبيرة منها وإعادة طباعتها عند الحاجة. أما الكتب التي تكتسب قيمة خاصة لدى شركات الذكاء الاصطناعي لما تختزنه من معلومات نادرة أو يصعب العثور عليها في مصادر أخرى، فقد تواجه مسارًا معاكسًا: فكلما ارتفعت قيمتها بوصفها مصدرًا للبيانات، ازداد الحافز للحصول على نسخها، ومع المسح الضوئي الإتلافي قد يزداد احتمال خروج تلك النسخ من دائرة التداول. وهكذا، قد تنتهي المفارقة إلى نتيجة معاكسة لما قد يوحي به منطق السوق التقليدي: تبقى الكتب الأكثر رواجًا متاحة، بينما تصبح بعض الكتب الأعلى قيمة من حيث ما تختزنه من معرفة أكثر ندرة وأصعب وصولًا.

 

وتكشف هذه المفارقة عن توتر أعمق في اقتصاد الذكاء الاصطناعي. فتدريب النماذج يقوم على تحويل الموارد المادية والفكرية إلى أصول قابلة للمعالجة حاسوبيًا، وبمجرد استخلاص المعلومات من الكتاب، قد تتراجع القيمة الاقتصادية لنسخته المادية في نظر الجهة التي حصلت عليها، إلى حد أن تصبح زائدة عن الحاجة. وهنا يتغير موقع الكتاب داخل هذه المنظومة؛ فبدلًا من النظر إليه بوصفه أصلًا ثقافيًا ومعرفيًا له قيمة مستقلة تستحق الحفاظ عليها، قد يُعامل باعتباره حاملًا مؤقتًا للبيانات، تكمن قيمته فيما يمكن استخراجه منه، وتنتهي وظيفته الاقتصادية بمجرد الحصول على تلك البيانات. ومن هنا، تنتقل القضية من سؤال يتعلق بحق شركات الذكاء الاصطناعي في التعلم من الكتب إلى سؤال أكثر جوهرية: هل ينبغي أن يمتد هذا الحق إلى استنزاف الرصيد المادي الذي يقوم عليه اقتصاد المعرفة، من دون تمييز بين نسخ يسهل تعويضها ومواد ثقافية قد يتعذر استعادتها إذا فُقدت؟

 

ومن غير المرجح أن تتوقف شركات الذكاء الاصطناعي عن البحث عن بيانات تدريب عالية الجودة؛ بل يُرجح أن يتزايد الطلب عليها مع احتدام المنافسة بين المطورين لبناء نماذج أكثر قدرة. ولذلك، لا يتعلق العامل الحاسم بما إذا كان هذا الطلب سيستمر، بل بالكيفية التي سيُدار بها. فإذا واصلت الشركات التعامل مع كل كتاب متاح للشراء بوصفه مجرد مصدر لبيانات التدريب، من دون اعتبار لندرته أو إمكان تعويضه، فقد تؤدي آليات السوق تدريجيًا إلى إخراج مزيد من المؤلفات النادرة من دائرة التداول، على نطاق قد لا تتكشف أبعاده كاملة إلا بعد وقوع الضرر.

 

غير أن هذا المسار ليس حتميًا، فالبدائل متاحة تقنيًا بالفعل. إذ يمكن مسح الكتب النادرة ضوئيًا من دون إتلافها، ويمكن للمكتبات المشاركة في برامج رقمنة تراعي متطلبات الحفاظ عليها، كما يمكن بناء مجموعات بيانات التدريب من خلال ترتيبات تجمع بين الترخيص والحفاظ على النسخ الأصلية. وقد شدد كينت ووكر، رئيس الشؤون العالمية في “Google”، على ضرورة التعامل بعناية مع الكتب النادرة، مستشهدًا بالنهج الذي اتبعته الشركة في مشروعات الرقمنة السابقة، حين كانت صفحات الكتب التي تتطلب عناية خاصة تُقلّب “واحدة تلو الأخرى، وبعناية شديدة”.

 

وهكذا، لا يكمن التحدي الأساسي في حدود القدرة التقنية، بل في الحوافز المؤسسية والاقتصادية التي تحدد كيفية استخدام هذه القدرة. ففي غياب ضوابط تحمي النسخ التي يصعب تعويضها، قد تجعل اقتصاديات الذكاء الاصطناعي من سرعة استخلاص المعرفة وكلفته العاملين الحاسمين في اختيار طريقة التعامل مع الكتب، حتى عندما يفضي ذلك إلى استنزاف دائم للمصادر المادية التي تحمل تلك المعرفة.

 

وإذا استمر هذا المسار، فقد يقود الذكاء الاصطناعي إلى مفارقة تاريخية لافتة: أن تصبح الآلات أكثر معرفة، فيما يصبح الأرشيف البشري الذي تعلمت منه أقل ثراءً. فالسباق نحو تطوير الذكاء الاصطناعي يتحول، على نحو متزايد، إلى سباق على المعرفة التي راكمتها البشرية عبر تاريخها. ويبقى السؤال الأهم: هل يتطلب الفوز بهذا السباق أن نفقد، في الطريق، جزءًا من الأرشيف الذي جعل هذا التقدم ممكنًا من الأساس؟

المراجع

Cerullo, Megan. 2026. ‘AI Companies Accused of Hoarding and Destroying Millions of Books’. CBS News, August 21. https://www.cbsnews.com/news/ftc-ai-companies-destroying-books/.

 

Cole, Samantha. 2026. ‘Company Offering Printed Books to Train AI Stops After 404 Media Coverage’. 404 Media, July 31. https://www.404media.co/ai-company-training-scanning-books-database-isbndb/.

 

Convery, Stephanie. 2026. ‘“More Than Just Objects”: Australian Booksellers Raise Alarm Over “Horrific” Destruction of Rare Titles to Feed AI’. The Guardian, The Guardian, August. https://www.theguardian.com/technology/2026/aug/02/australian-book-sellers-alarm-destruction-rare-titles-ai-supply-chain?CMP=Share_AndroidApp_Other.

 

Edwards, Benj. 2025. ‘Anthropic Destroyed Millions of Print Books to Build Its AI Models’. Ars Technica, June 25. https://arstechnica.com/ai/2025/06/anthropic-destroyed-millions-of-print-books-to-build-its-ai-models/?ref=404media.co.

 

James, Kathryn. 2026. ‘Why Is Anthropic Destroying Books?’. The Guardian, The Guardian, August 5. https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/aug/05/anthropic-ai-destroying-books.

 

Korn, Melissa. 2026. ‘Rare-Book Sales Are Booming. They’re Getting Sliced up and Fed to AI.’. The Wall Street Journal, August 22. https://www.wsj.com/articles/ais-need-for-content-has-put-rare-book-dealers-in-a-bind-1ac5a053.

 

Loffhagen, Emma. 2026. ‘Book Publishers Sue Google for Copyright Infringement Over Gemini AI Training’. The Guardian, The Guardian, July 14. https://www.theguardian.com/books/2026/jul/14/publishers-sue-google-gemini-ai-training?ref=404media.co.

 

Maiberg, Emanuel. 2026. ‘Inside the Warehouse Where Amazon Scans and Destroys Books for AI Training’. 404 Media, August 26. https://www.404media.co/inside-the-warehouse-where-amazon-scans-and-destroys-books-for-ai-training/.

 

Milmo, Dan. 2026. ‘Secondhand Booksellers in UK and Ireland Suspect AI Firms Behind “Strange” Bulk Orders’. The Guardian, The Guardian, August 15. https://www.theguardian.com/technology/2026/aug/15/uk-ireland-booksellers-suspect-ai-companies-bulk-orders-data-acquisition.

 

Silman, Anna. 2026. ‘AI Has Plunged the Book Publishing Industry Into Utter Chaos’. The Wall Street Journal, August 17. https://www.wsj.com/arts-culture/books/generative-ai-book-publishing-be79a287.

 

Wain, Philippa. 2026. ‘Secondhand Book Sales Are Booming. Is It Because of AI?’. BBC, August 15. https://www.bbc.com/news/articles/cp3rprx2wl4o.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *