مع انزلاق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بعيدًا عن أهدافها الأولى غير المحسومة، من قبيل تغيير النظام في طهران وتفكيك قدراتها الصاروخية والنووية، أخذت أولويات الصراع نفسها تعيد تشكيل ملامحها على نحو واضح. فقد نجحت إيران في دفع المواجهة خارج إطارها العسكري المباشر، وتحويلها إلى أزمة ذات امتدادات دولية أوسع، بما أعاد توجيه الاهتمام العالمي من سؤال الحسم العسكري إلى سؤال احتواء الارتدادات الاقتصادية الكارثية. وفي صدارة هذه الارتدادات، يبرز هاجس أمن الطاقة وضمان استمرار تدفقات النفط، في خضم ما يُعد واحدة من أخطر أزمات الطاقة في التاريخ الحديث. ومن ثم، لم يكن مستغربًا أن يتركز قدر كبير من الاهتمام الدولي على مضيق هرمز، بالنظر إلى موقعه المحوري في معادلة الإمدادات العالمية.
ويمثّل هذا الممر الملاحي الحيوي شريانًا رئيسيًا في منظومة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للنفط السائل، إلى جانب نسبة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم. غير أن دخول الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران، في معادلة الحرب، أضاف بُعدًا جديدًا إلى مشهد إقليمي بالغ الهشاشة، ووسّع نطاق التهديدات التي تواجه صادرات النفط ومسارات الملاحة البحرية في المنطقة. وبحكم سيطرتهم الفعلية على مضيق باب المندب، يمتلك الحوثيون القدرة على إرباك حركة الشحن عبر البحر الأحمر وخليج عدن، بما ينذر باضطراب يتجاوز الإطار الإقليمي ليطال دوائر التجارة والطاقة العالميتين. وفي ضوء ذلك، تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية: لماذا اختار الحوثيون هذه اللحظة تحديدًا للانخراط في الحرب؟ وما الشروط التي قد تدفعهم إلى تصعيد دورهم بدرجة أكبر؟ ثم ما التداعيات المحتملة إذا أُغلق هذا المضيق؟
دخل الحوثيون في اليمن على خط الحرب مع إيران عبر تنفيذ ضربات ضد إسرائيل، في خطوة قد تفتح جبهة جديدة في هذا الصراع المتسع. ويحذّر محللون من أن هذا الانخراط لا يقتصر على بعده العسكري المباشر، بل يرفع أيضًا احتمالات التلويح بإغلاق مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات اختناقًا وحساسية في تجارة السلع والطاقة عالميًا. وفي هذا السياق، أعلن العميد يحيى سريع، المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يوم السبت، تنفيذ الجماعة المدعومة من إيران أول هجوم لها ضد إسرائيل. وبعد يوم واحد فقط، أكد تنفيذ عملية ثانية باستخدام صواريخ كروز ومسيّرات، مشيرًا إلى أن هذه العمليات ستتواصل إلى أن “توقف إسرائيل هجماتها وعدوانها”. ويعكس هذا الموقف استعدادًا واضحًا للإبقاء على مستوى من الضغط المستمر، حتى وإن ظل نطاق الانخراط العسكري، حتى الآن، ضمن حدود محسوبة.
ومن اللافت أن الحوثيين لم يعلنوا رسميًا، حتى الآن، انضمامهم إلى الحرب. وهذه نقطة تميّزهم عن “حزب الله” اللبناني وعدد من الفصائل المسلحة العراقية، التي اصطفّت بصورة أوضح ضمن التموضع الإقليمي الإيراني. ورغم أن طهران تقدّم الحوثيين بوصفهم جزءًا من ما يُعرف بـ”محور المقاومة”، فإن طبيعة هذه العلاقة لا تتطابق بالكامل مع نماذج الارتباط الأخرى داخل هذا المحور. فخلافًا لـ”حزب الله” أو بعض الفصائل العراقية، لا تمنح العقيدة الدينية الحوثية المرشد الأعلى في إيران القدر نفسه من المرجعية والسلطة، بما يعكس نمطًا أكثر مرونة وبراجماتية في هذا الارتباط.
ومع ذلك، لا يبدو هذا الانخراط مفاجئًا في جوهره، إذ جاءت تحركات إيران في المجمل متسقة مع مواقفها المعلنة، ويعكس دخول الحوثيين امتدادًا لهذا النمط الاستراتيجي الأوسع. غير أن مشاركتهم، حتى اللحظة، تبدو محسوبة الإيقاع لا شاملة الانخراط. فالضربات المحدودة يمكن قراءتها بوصفها إشارة مقصودة أكثر منها التزامًا كاملاً، تحمل في طياتها رسالة تحذيرية في ظل تصاعد التوترات واحتمالات الانزلاق نحو مستويات أعلى من التصعيد، لا سيما مع ما يُتداول عن استعداد القوات الأمريكية لسيناريو تدخل بري محتمل خلال الأيام المقبلة. وفي هذا الإطار، يجري بالفعل توظيف “الورقة الحوثية” كأداة ردع. فإبراز القدرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية الحيوية يوجّه رسالة واضحة مفادها أن أي تصعيد إضافي، ولا سيما في حال الانتقال إلى خيار التدخل البري، لن يظل محصورًا ضمن نطاقه الحالي، بل سينعكس في صورة تداعيات إقليمية ودولية واسعة. وبعبارة أكثر تحديدًا، فإن استمرار التصعيد ينطوي على مخاطر امتداده إلى تعطيل مسارات التجارة الحيوية وتدفقات الطاقة على مستوى العالم.
في الوقت الراهن، يبعث الحوثيون بإشارات استعداد واضحة من دون الانخراط الكامل في المواجهة. غير أن تصاعد الصراع إلى مستويات أعلى قد يدفعهم إلى استخدام الورقة الأكثر خطورة في ترسانتهم، والمتمثلة في محاولة تعطيل أو إغلاق مضيق باب المندب، سواء عبر الزوارق الصغيرة، أو الألغام البحرية، أو الهجمات الصاروخية. ومثل هذا التحرك لن يقتصر أثره على ساحة الاشتباك المباشرة، بل سيُحدث تداعيات فورية وواسعة النطاق على حركة التجارة العالمية.
يقع مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بين اليمن والقرن الإفريقي، ويشكّل حلقة وصل بحرية حيوية تربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومنه إلى المحيط الهندي، بما يجعله أحد المسارات الأساسية التي تصل بين أوروبا وآسيا. وتتضاعف أهميته الاستراتيجية بالنظر إلى اتصاله بقناة السويس وخط أنابيب “سوميد”، الأمر الذي يرسّخ مكانته بوصفه شريانًا محوريًا في تدفقات الطاقة والتجارة على المستوى العالمي. ويمر عبر هذا الممر الضيق ما يُقدَّر بنحو 10% إلى 12% من شحنات النفط والغاز الطبيعي عالميًا، وهو ما يمنحه أهمية تتجاوز حدوده الجغرافية الضيقة. وتزداد حساسية هذا المضيق عند أضيق نقاطه، حيث لا يتجاوز عرضه 29 كيلومترًا، ما يفرض حصر حركة الملاحة في قناتين ضيقتين ومحدّدتين لعبور السفن ذهابًا وإيابًا. وفي ضوء سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، ولا سيما في محيط “الحديدة”، باتت الجماعة تمتلك نفوذًا فعليًا على هذا الممر البحري بالغ الحساسية.
وتتحول هذه الحقيقة الجغرافية، في التطبيق العملي، إلى مصدر نفوذ استراتيجي مباشر. فمضيق باب المندب يُعد أحد أكثر المسارات البحرية أهمية لنقل السلع والموارد عبر البحر، ولا سيما النفط الخليجي المتجه إلى أوروبا عبر قناة السويس أو خط أنابيب “سوميد”، فضلًا عن البضائع المتجهة نحو الأسواق الآسيوية. وفي سياق الحرب الراهنة، يبدو هذا المضيق، على الأرجح، أهم ورقة ضغط متبقية بيد الحوثيين، وبالامتداد بيد إيران أيضًا. ورغم ذلك، لا يزال المضيق مفتوحًا حتى الآن، إذ تواصل السفن عبورها، بما في ذلك السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يشير إلى أن الحوثيين لم ينتقلوا بعد إلى فرض حصار كامل. غير أن هذا الامتناع لا يبدو ناتجًا عن عجز، بقدر ما يعكس حسابًا مقصودًا. فمجرد التهديد بإغلاق المضيق يشكّل في حد ذاته أداة استراتيجية قائمة بذاتها، يمكن تفعيلها في حال انزلق الصراع إلى مستويات أعلى من التصعيد.
وقد سبق للحوثيين أن أثبتوا امتلاكهم القدرة على إرباك حركة الملاحة البحرية وتعطيلها. فبعد بدء حرب إسرائيل على قطاع غزة في أكتوبر 2023، أطلقت الجماعة حملة ممتدة استهدفت سفن الشحن التجاري في البحر الأحمر، مركّزة على السفن التي اعتبرتها مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إليها. وخلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2023 حتى مطلع 2025، تعرّض أكثر من 100 سفينة لهجمات، فيما غرقت اثنتان منها، الأمر الذي دفع عددًا كبيرًا من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها. وحتى من دون إعلان حصار رسمي، أحدثت هذه العمليات اضطرابًا ملموسًا في تدفقات التجارة العالمية. ويستند هذا النمط من العمليات إلى تكتيكات غير متماثلة، تشمل استخدام المسيّرات، والصواريخ المضادة للسفن، فضلًا عن احتمال توظيف الألغام البحرية. ومع اقتران هذه الأدوات بتموضعهم الاستراتيجي على امتداد الساحل اليمني، إلى جانب ما يُتداول بشأن الدعم العسكري والتقني الإيراني، تتوافر للحوثيين قدرة فعلية وذات مصداقية على تهديد الملاحة عبر المضيق، بل وربما تعطيلها إذا اختاروا الانتقال إلى هذا المستوى من التصعيد.
ومع ذلك، يظل هذا الانخراط محكومًا بحسابات دقيقة. فخلال فترات خفض التصعيد، كما حدث في أوقات التهدئة بين إسرائيل و”حماس” في عام 2025، تراجعت الهجمات الحوثية بصورة ملحوظة، ما يشير إلى ارتباط مستوى تحرك الجماعة ارتباطًا وثيقًا بديناميكيات التصعيد الإقليمي وبإشارات الردع الصادرة عن إيران. ويعزّز ذلك القراءة التي ترى في الحوثيين أداة مرنة ضمن إطار ردع أوسع، يجري تفعيلها أو تهدئتها تبعًا لمسار المواجهة. وعليه، فإن أي تصعيد إضافي، لا سيما إذا انزلق إلى مواجهة أوسع تشمل إيران، يجعل من سيناريو إغلاق مضيق باب المندب احتمالًا قابلًا للتحقق. وإذا تزامن ذلك مع اضطرابات في مضيق هرمز، فإن التداعيات ستكون عميقة ومباشرة. إذ ستُجبر حركة الشحن العالمية على إعادة توجيه مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، ما يضيف ما بين 4,000 و6,000 ميل بحري إلى الرحلات، ويؤخر الشحنات بما قد يصل إلى 20 يومًا. وستنعكس هذه التحولات في صورة ارتفاع حاد في تكاليف الشحن، وتعطّل ملموس في سلاسل الإمداد، وتقلبات متزايدة في أسواق الطاقة العالمية.
وعلى هذا النحو، لا يُعد باب المندب مجرد نقطة اختناق جغرافية، بل يمثل رافعة استراتيجية بالغة التأثير. فمجرد امتلاك الحوثيين القدرة على تهديد هذا الممر، حتى من دون إغلاقه فعليًا، يكفي لفرض ضغوط على حركة التجارة العالمية، ويمنحهم في الوقت نفسه أداة ردع فعّالة في مواجهة أي تصعيد عسكري إضافي.
ستظهر التداعيات الأكثر إلحاحًا لأي إغلاق محتمل لمضيق باب المندب في أسواق الطاقة العالمية. فالنفط الخليجي المتجه إلى أوروبا عبر قناة السويس وخط أنابيب “سوميد” يعتمد بدرجة كبيرة على هذا الممر البحري الحيوي. ومن شأن أي حصار للمضيق أن يقطع هذا المسار، المثقل أصلًا بالضغوط، بصورة كاملة، بما يجبر ناقلات النفط على إعادة توجيه رحلاتها عبر رأس الرجاء الصالح. والأهم أن الكلفة الاقتصادية لهذا التحول لم تعد مجرد احتمال نظري، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يمكن رصد آثاره بوضوح. فحتى في غياب إغلاق رسمي للمضيق، واصلت شركات شحن كبرى، من بينها Maersk وMSC وCMA CGM، اعتماد مسار رأس الرجاء الصالح منذ أواخر عام 2023، وهو ما ولّد، وفق التقديرات، تكاليف شحن إضافية سنوية تتراوح بين 7 و9 مليارات دولار على مستوى أسطول الحاويات العالمي.
أما في حال الإغلاق الكامل، فإن هذه الكلفة مرشحة للارتفاع بصورة مضاعفة وبمعدلات حادة. والأهم هنا أن باب المندب، بخلاف مضيق هرمز الذي يوفّر له خط الأنابيب السعودي شرق–غرب متنفسًا جزئيًا بطاقة تبلغ 5 ملايين برميل يوميًا، يفتقر إلى أي بديل بري فعّال يمكنه استيعاب الشحنات الخارجة من مسار البحر الأحمر. ونتيجة لذلك، يُرجَّح أن تقفز أسعار النفط بقوة، بما يفاقم الضغوط التضخمية التي كان من شأن إغلاق مضيق هرمز أن يولّدها أصلًا، ويعمّق أزمة يُحتمل بالفعل أن تكون واحدة من أشد أزمات الطاقة وطأة في التاريخ الحديث.
لا تتوقف تداعيات إغلاق باب المندب عند حدود إمدادات النفط العالمية، بل تمتد سريعًا إلى أسعار الشحن وسلاسل الإمداد وأحجام التجارة الدولية. فتعطّل هذا الممر سيُحدث صدمة واسعة ومباشرة في حركة النقل البحري والتجارة العالمية. وفي هذا السياق، ستكون أسعار الشحن الفوري للحاويات من بين أولى المؤشرات التي ستتأثر بشدة. فقد قفزت هذه الأسعار بنسب تراوحت بين 400% و600% خلال أزمة سلاسل الإمداد في عام 2021، كما ارتفعت بما بين 200% و300% خلال اضطرابات البحر الأحمر في مطلع 2024، ما يرجّح أن يؤدي أي إغلاق كامل لباب المندب إلى صدمة مماثلة، أو ربما أشد، في أسواق الشحن العالمية. وفي نهاية المطاف، ستنتقل هذه الكلفة إلى المستهلكين عبر ارتفاع أسعار السلع المستوردة، من الإلكترونيات والسيارات إلى الملابس والمواد الغذائية. أما الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على التجارة العابرة للبحر الأحمر، ولا سيما في أوروبا وشرق إفريقيا وجنوب آسيا وجنوب شرقها، فستكون أكثر عرضة لتلقي هذا الأثر التضخمي بصورة فورية وحادة. وتبرز الهند مثالًا واضحًا على ذلك، نظرًا لاعتمادها على هذا الممر في جزء مهم من واردات الطاقة وصادرات السلع المصنعة إلى أوروبا، بما يضع ميزانها التجاري والتضخم المحلي فيها تحت ضغط مباشر.
لا تقتصر أهمية مضيق باب المندب على الطاقة وحدها، بل تمتد أيضًا إلى كونه شريانًا بالغ الأهمية في معادلة الأمن الغذائي العالمي. فالمضيق يشكّل ممرًا رئيسيًا لعبور السلع الزراعية، بما في ذلك القمح، والأسمدة، والزيوت الغذائية، بكميات كبيرة، ولا سيما من منتجي البحر الأسود وجنوب آسيا إلى أسواق إفريقيا والشرق الأوسط. ومن شأن أي إغلاق للمضيق أن يعطل هذه التدفقات في لحظة تشهد فيها أسعار الغذاء العالمية مستويات مرتفعة أصلًا، بفعل كلفة الإنتاج المدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الضغوط اللوجستية المتزايدة. وفي هذا السياق، حذّر المحلل العسكري سيدريك لايتون، في تصريح لشبكة CNN، من أن أي اضطرابات إضافية قد تهدد إمدادات السلع الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء، ولا سيما في المناطق التي تواجه قيودًا قائمة بالفعل على مستوى الإمداد.
وتبدو دول الخليج من بين أكثر الأطراف انكشافًا على هذه التداعيات؛ فاعتمادها الكبير على استيراد الغذاء والسلع الاستهلاكية ومدخلات الإنتاج الصناعي يجعلها عرضة لضغوط تضخمية متصاعدة بفعل ارتفاع تكاليف الشحن، حتى وإن كانت أسعار النفط المرتفعة قد تمنحها في المقابل دفعة إضافية على مستوى العوائد التصديرية. ويبرز هذا التباين بوضوح في حالة دولة الإمارات، حيث تكشف حركة ميناء جبل علي، الأكبر في الشرق الأوسط، عن أثر مزدوج لهذه الاضطرابات؛ إذ وفّرت بعض التحولات في مسارات الشحن عبر رأس الرجاء الصالح مكاسب جزئية مرتبطة بإعادة التصدير والمناولة، لكنها لم تكن كافية لامتصاص التداعيات الأوسع الناتجة عن اضطراب سلاسل الإمداد.
تُعد أوروبا من بين أكثر المناطق انكشافًا على سيناريو إغلاق باب المندب. فالقارة تعتمد على هذا الممر في جزء مهم من وارداتها من النفط والغاز الطبيعي المسال من الخليج، ولا سيما من قطر، ثاني أكبر مورّد للغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا. وقد سبق لقطر أن علّقت مرور ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر باب المندب استجابةً لتصاعد التهديدات، ما أثار مخاوف حادة بشأن أمن الإمدادات، خصوصًا خلال فصل الشتاء في الأسواق الأوروبية. وفي هذا السياق، حذّرت محللة أمن الطاقة الدكتورة إليزابيث كيندال من أن فرض قيود متزامنة على كل من مضيق هرمز وباب المندب من شأنه أن “يعطّل، إن لم يشلّ، التجارة المتجهة إلى أوروبا”.
ورغم احتفاظ السعودية بمسار بديل لتصدير النفط عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، فإن أي إغلاق لباب المندب، أو حتى تصاعد الهجمات الحوثية عليه، من شأنه أن يعطّل هذا المنفذ أيضًا، بما يفضي عمليًا إلى تقويض أحد أهم الخيارات الاحتياطية لدى الرياض. ومن ثم، سيتعرض سوق الطاقة الأوروبي لضغوط هائلة، ولا سيما مع دخول أي دورة موسمية يرتفع فيها الطلب على الطاقة. وفي مثل هذا السيناريو، ستجد الاقتصادات الأوروبية نفسها مضطرة إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية، وتسريع وتيرة التعاقدات الطارئة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال من موردين بديلين، إلى جانب تحمّل موجة جديدة من التضخم الاستهلاكي الناتج عن ارتفاع تكاليف الطاقة.
شهدت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب ارتفاعًا ملحوظًا بالفعل، غير أن أي حصار كامل لباب المندب قد يدفع شركات التأمين إلى الامتناع عن تغطية هذا الممر البحري كليًا ضمن الأطر التجارية المعتادة. وفي هذه الحالة، لن تجد شركات الشحن أمامها سوى ثلاثة خيارات جميعها مكلف: تحمّل المخاطر ذاتيًا، أو رفع أسعار النقل بصورة حادة، أو الانسحاب من هذا المسار بالكامل. ولا تقف التداعيات عند هذا الحد، بل تمتد إلى الأسواق المالية الأوسع. فالتقلبات الحادة في أسعار السلع ستغذي توقعات التضخم، وتزيد من تعقيد قرارات السياسة النقدية بالنسبة إلى البنوك المركزية التي تتحرك أصلًا في بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة. وفي هذا الإطار، خلص مركز الدراسات الاقتصادية والقانونية الإندونيسي (Celios) إلى أن إغلاق باب المندب ينطوي على تهديد هيكلي للتجارة العالمية يفوق، من حيث الأثر المنهجي، سيناريو إغلاق مضيق هرمز وحده، وذلك لأن مسار البحر الأحمر لا يملك بديلًا مكافئًا يمكن أن يحل محله.
لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مجرد صراع ذي أهداف عسكرية محددة، بل تحوّلت إلى أزمة ذات ارتدادات اقتصادية وهيكلية واسعة، يتصدر مضيق باب المندب أحد أخطر تجلياتها. فقد أظهر دخول الحوثيين، بما اتسم به من تدرج وارتباط وثيق بإطار الردع الإيراني الأوسع، أن مجرد التلويح باستخدام هذا الممر الحيوي بات كافيًا لإعادة تشكيل أنماط الشحن والتجارة والطاقة على مستوى العالم، حتى من دون فرض حصار فعلي. وفي ضوء سيطرتهم على أجزاء محورية من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، بات الحوثيون يمتلكون نفوذًا فعليًا على ممر يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية يوميًا، وهو ما منحهم ورقة ضغط تتجاوز بكثير حدود قدراتهم العسكرية التقليدية. ومن هنا، فإن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لهذه الورقة لا تكمن فقط في إمكانية استخدامها، بل في بقائها كتهديد قائم وقابل للتفعيل. فطالما ظل باب المندب عرضة لهذا النوع من التهديد، فإن الحرب لن تبقى محصورة في ميدانها العسكري، بل ستظل مفتوحة على احتمالات أوسع تمس التجارة العالمية، وأمن الطاقة، واستقرار الاقتصاد الدولي برمّته.
أما إذا انتهى هذا القدر من ضبط النفس، سواء بفعل تدخل بري في إيران، أو انهيار وقف إطلاق النار، أو انزلاق الصراع إلى موجة تصعيد أوسع في ساحات أخرى، فإن التداعيات الاقتصادية ستظهر بصورة فورية ومتعددة المستويات: صدمات جديدة في إمدادات الطاقة تُفاقم أزمة هي بالفعل من بين الأشد في التاريخ الحديث، وقفزات حادة في أسعار الشحن تمتد آثارها إلى أسعار المستهلكين عالميًا، واضطرابات في تدفقات السلع الغذائية تهدد الدول والمجتمعات الأكثر اعتمادًا على الاستيراد، فضلًا عن احتمال انسحاب أسواق التأمين بالكامل من تغطية هذا الممر البحري. وفي ظل غياب أي بديل عملي قادر على تعويض هذا المسار، وافتقار النظام التجاري العالمي إلى سابقة مماثلة لقيود متزامنة على كل من مضيق هرمز وباب المندب، تجد الأطراف الدولية نفسها أمام ضرورة ملحّة لإدراج هذه الهشاشة ضمن حسابات التحرك الدبلوماسي وخطط الطوارئ. وعلى هذا الأساس، لم يعد باب المندب مجرد نقطة اختناق جغرافية، بل غدا نقطة ارتكاز استراتيجية يتوقف عليها جانب أساسي من استقرار الاقتصاد العالمي.
“Houthis Open New Front in Iran War: Will Yemeni Group Block Bab al-Mandeb?” Al Jazeera, March 29, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/3/29/houthis-open-new-front-in-iran-war-will-yemeni-group-block-bab-al-mandeb
“Houthis Threaten to Join Mideast War, Raising Specter of Renewed Red Sea Attacks.” The Times of Israel, March 2026. https://www.timesofisrael.com/houthis-threaten-to-join-mideast-war-raising-specter-of-renewed-red-sea-attacks/
“Houthis Attack Israel: Why Bab el-Mandeb Strait Matters.” The Indian Express, March 2026. https://indianexpress.com/article/world/houthis-attack-israel-bab-el-mandab-10607537/
“Bab el-Mandeb Strait: Has Iran Found Second Global Choke Point after Hormuz?” The Economic Times, March 2026. https://economictimes.indiatimes.com/news/international/global-trends/bab-el-mandeb-strait-has-iran-found-second-global-choke-point-after-hormuz/articleshow/129806526.cms
“Houthis Expand Role in Regional Conflict.” Iran International, March 25, 2026. https://www.iranintl.com/en/202603253635
“Bab al-Mandeb: The Second Chokepoint That Could Shut Down Global Trade.” The Middle East Insider, March 29, 2026. https://themiddleeastinsider.com/2026/03/29/bab-al-mandeb-strait-houthi-global-trade-2026/
“Bab el-Mandeb: The Alternate Trade Lifeline Under Threat.” Outlook Business, March 2026. https://www.outlookbusiness.com/economy-and-policy/bab-el-mandeb-the-alternate-trade-lifeline-under-threat-explained
“Bab el-Mandeb Closure: A Strategic Card Yet to Be Played.” WANA News Agency, March 30, 2026. https://wanaen.com/bab-el-mandeb-closure-a-strategic-card-yet-to-be-played/
“Houthi Red Sea Attacks: One Year On, the Impact on Global Shipping.” BBC News, November 19, 2024. https://www.bbc.com/news/articles/c9dl13zezdlo
“Red Sea Crisis: What Is Happening and What Is the Impact on Trade?” World Economic Forum, January 2024. https://www.weforum.org/stories/2024/01/red-sea-attacks-shipping-houthi-what-you-need-to-know/
“Strait of Bab el-Mandeb.” U.S. Energy Information Administration, August 2024. https://www.eia.gov/international/analysis/special-topics/World_Oil_Transit_Chokepoints
“Houthis and the Red Sea: Iran’s Axis of Resistance Strategy Explained.” Reuters, December 2023. https://www.reuters.com/world/middle-east/houthis-red-sea-irans-axis-resistance-strategy-explained-2023-12-19/
Gady, Franz-Stefan. “The Houthi Maritime Campaign: Lessons for Naval Deterrence.” International Institute for Strategic Studies (IISS), 2024. https://www.iiss.org/online-analysis/military-balance-blog/2024/02/the-houthi-maritime-campaign/
تعليقات