جغرافيا تحت الحصار: كيف تحول البحر إلى أكبر نقطة ضعف لإسرائيل؟
البرامج البحثية

جغرافيا تحت الحصار: كيف تحول البحر إلى أكبر نقطة ضعف لإسرائيل؟

فرضت التعقيدات الجيوسياسية والأمنية للحدود البرية في الشرق الأوسط واقعاً استراتيجياً وضع إسرائيل في خانة "اقتصاد الجزيرة" رغم اتصالها باليابسة. فهذا العزل البري لم يترك للاقتصاد الإسرائيلي خياراً سوى الاعتماد شبه المطلق على الممرات البحرية لتأمين شرايين التجارة، والواردات الحيوية، وتدفق الصادرات. ولذا، لم يعد البحر مجرد مجال جيوسياسي وعسكري إضافي، بل تحول إلى الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد الإسرائيلي. ومن هنا، تحولت الجغرافيا من درع دفاعي محتمل إلى نقطة ضعف هيكلية، حيث أصبح أي مساس بحرية الملاحة أو أمن السواحل يمثل تهديداً وجودياً لدورة رأس المال واستقرار الأسواق.   وتتعمق جذور هذه الهشاشة الاستراتيجية بالنظر إلى التوزيع الديموغرافي والاقتصادي داخل الدولة، حيث يمثل الشريط الساحلي مركز الثقل الحقيقي الذي تتكدس فيه الكثافة السكانية، والمراكز المالية، والبنية التحتية اللوجستية، والموانئ الرئيسية. هذا التركز يجعل الساحل واجهة هشة؛ إذ إن أي اضطراب أمني في المجال البحري لا يقتصر تأثيره على حركة الملاحة فحسب، بل يضرب مباشرة في عمق الحياة اليومية وعصب الأنشطة التجارية. وقد أدركت الفواعل المسلحة دون الدولة هذه المعادلة، ووجدت في استهداف الفضاء البحري فرصة ذهبية لخلق حالة من الشلل الاقتصادي بتكلفة متدنية للغاية، متجاوزة بذلك الحاجة إلى اختراق منظومات الدفاع الجوي والبري المعقدة.   ولم يعد مفهوم البنية التحتية البحرية مقتصراً على السفن والموانئ، بل امتد ليشمل أصولاً سيادية تمثل ركائز الأمن القومي المعاصر. فحقول الغاز الطبيعي المستقرة في أعماق شرق المتوسط باتت تشكل حجر الزاوية في استقلالية قطاع الطاقة، وأي تهديد يطال منصات الاستخراج أو خطوط الأنابيب ينعكس فوراً على تكلفة الإنتاج الصناعي واستقرار الشبكة الكهربائية. وعلى صعيد موازٍ، تبرز كابلات الاتصالات البحرية كشريان حياة لاقتصاد المعرفة الرقمي؛ إذ يعتمد قطاع التكنولوجيا المتقدمة والخدمات المالية كلياً على سلامة هذه الكابلات لضمان تدفق البيانات عالمياً. وعليه، فإن حماية هذه الأصول المغمورة تجاوزت البعد التقني لتصبح في صلب العقيدة الأمنية الرامية لحماية الاقتصاد من الانهيار في أوقات الأزمات.   ويضع هذا الانكشاف البحري المؤسسة العسكرية أمام معضلة استراتيجية مزدوجة تتمثل في اتساع فجوة الحماية بين الساحل القريب والممرات الدولية البعيدة. فعلى المستوى التكتيكي القريب، تتصاعد التحديات المتعلقة بتأمين المنشآت الساحلية من التهديدات غير النمطية كالزوارق المفخخة أو الطائرات المسيّرة، وهو ما يتطلب استنزافاً مالياً هائلاً لتشغيل أنظمة اعتراضية وسفن حربية باهظة التكلفة، في مقابل أدوات هجومية رخيصة الثمن يمتلكها الخصوم. أما على المستوى الاستراتيجي الأبعد، فتتجسد الأزمة في حماية خطوط التجارة الحيوية المارة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث يؤدي أي اضطراب هناك إلى خنق ميناء إيلات، وتعطيل سلاسل الإمداد القادمة من آسيا، ورفع تكاليف التأمين والشحن البحري، وهو ما يوجه ضربة قاصمة لثقة المستثمرين وبيئة الأعمال الكلية.
ورقة الظل عدد 4: البرنامج النووي الإيراني
الإصدارات
3 سبتمبر 2026

ورقة الظل عدد 4: البرنامج النووي الإيراني

لم تُمثل مذكرة التفاهم حلاً جذرياً ونهائياً للملف النووي، بل جاءت بمثابة هدنة مؤقتة استهدفت تجميد الضربات العسكرية والتهديدات الملاحية والنووية، بغية كسب الوقت لصياغة اتفاق متكامل يُعالج أزمة التخصيب من جذورها. وتأتي هذه التطورات في أعقاب انهيار الاتفاق النووي لعام ٢٠١٥، إثر انسحاب الولايات المتحدة منه في عام ٢٠١٨، وهو ما منح طهران مساحة واسعة لتوسيع عمليات تخصيب اليورانيوم، وتقليص نطاق عمليات التفتيش الدولية، وتكديس كميات ضخمة من اليورانيوم المخصب بنسب تقترب من المستوى اللازم لإنتاج السلاح النووي. وفي هذا السياق، يبرز البرنامج النووي بوصفه ورقة المساومة الرئيسية بيد القيادة الإيرانية. فعلى الرغم من أن طهران لا تمتلك سلاحاً نووياً في الوقت الراهن، إلا أنها نجحت في مراكمة المعرفة التقنية، وتأسيس البنية التحتية، وتوفير اليورانيوم المخصب، مما يؤهلها لإنتاج هذا السلاح خلال فترة زمنية وجيزة نسبياً متى ما اتُخذ القرار السياسي بذلك. وهذا الواقع يؤكد أن النفوذ الإيراني على طاولة المفاوضات لم يعد نفوذاً افتراضياً، بل هو نفوذ حقيقي يستمد قوته من قدرة طهران على التحرك السريع نحو التسليح.    وعلى الصعيد الميداني، ورغم توجيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات استهدفت المنشآت النووية داخل إيران، إلا أن التقييمات لم تؤكد سوى وقوع أضرار محدودة. ويُرجح بقوة أن طهران لا تزال تحتفظ بقدرة كبيرة على مواصلة عمليات التخصيب، في ظل تباين آراء الخبراء وتقديراتهم حول الحجم الحقيقي للتراجع الذي أصاب برنامجها النووي جراء تلك الهجمات. وتثبت هذه المعطيات أن العمل العسكري وحده لم ينجح في حسم القضية النووية، وهو ما يعزز بطبيعة الحال من احتمالية استئناف المفاوضات والعودة إلى المسار الدبلوماسي في نهاية المطاف. وأمام هذا المشهد المعقد، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على مستقبل الأزمة: هل ستشهد أي مذكرة مستقبلية تعديلاً في بنود الملف النووي، أم سيتم الإبقاء عليها بالصيغة ذاتها التي وردت في "مذكرة إسلام آباد"؟ وإذا ما اتجهت الأطراف نحو إدخال تعديلات جديدة، فما هي حدود التنازلات التي يستطيع كل طرف التفاوض بشأنها لطي هذه الصفحة؟   تم كتابة هذا العدد بتاريخ ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
ورقة الظل عدد 3: معضلة الوكلاء الإقليميين
الإصدارات
18 أغسطس 2026

ورقة الظل عدد 3: معضلة الوكلاء الإقليميين

تدخل مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران منعطفاً استراتيجياً بالغ التعقيد مع انقضاء الجزء الأكبر من مهلة الستين يوماً التي أرستها "هدنة إسلام آباد" دون التوصل لأتفاق حاسم، وما صاحب ذلك من تجدد أعمال القتال و إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية مرة أخري. تتزامن هذه التطورات الميدانية مع مساعٍ دبلوماسية دولية حثيثة لاحتواء تداعيات الصراع العسكري المفتوح الذي استنزف بوضوح معدلات النمو الاقتصادي الإقليمي والعالمي. ويبرز في قلب هذا المشهد التفاوضي غياب واضح لملف الوكلاء الإقليميين عن مسودات الاتفاق الأولي وعن طاولات الحوار الراهنة، وهو غياب لا يعكس تهميشاً للقضية، بل يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذه الشبكة المعقدة التي شكلت لعقود طويلة ركيزة أساسية لعقيدة الردع الإيرانية.   تُظهر الديناميكيات السياسية الراهنة أن ملف الوكلاء لم يعد مجرد بند فرعي قابل للتأجيل أو التجاهل، بل تحول إلى عقدة بنيوية تمس تعريف كل طرف لمفاهيم الأمن والاستقرار وحدود التسوية الممكنة. يعكس استبعاد هذا الملف من الصياغات الأولية إدراكاً عميقاً بصعوبة إدراجه دون الاصطدام المباشر بخطوط حمراء تتقاطع مع عقيدة الردع الإيرانية، والرؤية الأمريكية للأمن الإقليمي، والسعي الإسرائيلي لترجمة الضغوط العسكرية إلى مكاسب تفاوضية غير قابلة للانعكاس. وتكتسب هذه المعضلة أبعاداً أعمق بالنظر إلى التحليلات الماكرو-اقتصادية الحديثة التي تؤكد أن كلفة انخراط الوكلاء تجاوزت الخسائر العسكرية المباشرة لتضرب عصب الاقتصاد العالمي؛ إذ تسببت العمليات المرتبطة بالوكلاء في الممرات البحرية الحيوية، وتحديداً في البحر الأحمر، في اضطرابات حادة لسلاسل التوريد، وكبدت التجارة الدولية خسائر تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات نتيجة القفزات غير المسبوقة في تكاليف الشحن ورسوم التأمين، فضلاً عن بروز تهديدات غير تقليدية طالت أمن البنية التحتية الرقمية، وعلى رأسها شبكات كابلات الألياف الضوئية المغمورة.   و يؤكد خبراء الأمن أن الاستنزاف البنيوي الذي تعرض له محور المقاومة خلال المواجهات العنيفة في عامي 2024 و2025، دفع القيادة في طهران إلى إعادة تقييم تكتيكاتها وأدواتها، ولكنه لم يدفعها مطلقاً نحو التخلي عنها. وتتجلى جذور الأزمة في التضارب الجذري للرؤى بين الفاعلين؛ ففي حين تتعامل إيران مع شبكة وكلائها باعتبارها خط دفاع أمني متقدم وجزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي القائم على دمج هذه الفصائل مع منظوماتها الصاروخية والمسيرة، تنظر واشنطن وتل أبيب، بدعم من قوى إقليمية، إلى تفكيك هذه الجماعات ونزع سلاحها كشرط إلزامي مسبق لأي هندسة أمنية جديدة. يفرض هذا الواقع مقاربة ملف الوكلاء كنقطة تقاطع حاسمة بين ثلاثة مستويات معقدة: المستوى الإيراني الباحث عن العمق الدفاعي، والمستوى الأمريكي الساعي لتجفيف منابع التهديد غير المتكافئ، والمستوى الإقليمي والدولي الذي يربط استقرار الأسواق وحرية الملاحة بإنهاء نشاط هذه الجماعات في مناطق الاختناق البحري وشرق المتوسط، مما يجعل أي تسوية تتجاهل تحديد موقع الوكلاء ووظائفهم أقرب إلى هدنة هشة قابلة للتآكل السريع.   يطرح هذا الجزء تفكيكياً لتباين وجهات النظر بين الفاعلين الأساسيين إزاء أزمة الوكلاء الإقليميين، وتستشرف كيف ستصطدم هذه الرؤى المتناقضة أو تتوافق داخل غرف التفاوض المغلقة. وتسعى الورقة إلى الإجابة عن تساؤل محوري: هل تترجم هذه المناقشات إلى مقايضات استراتيجية تؤسس لتسوية شاملة ومستدامة، أم أن تباعد الخطوط الحمراء سيحيل الاتفاق المرتقب إلى مجرد تجميد تكتيكي مؤقت يسبق جولة أشد عنفاً من الصراع؟    تم كتابة هذا العدد بتاريخ ٢ أغسطس ٢٠٢٦
كٌلفة الحرب: الكٌلفة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران عام 2026
الإصدارات
24 يوليو 2026

كٌلفة الحرب: الكٌلفة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران عام 2026

تقدّر هذه الدراسة الكٌلفة الاقتصادية للحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026، وشهدت هذه الحرب توجيه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات عسكرية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأغلقت إيران مضيق هرمز رداً على هذه الضربات. قبل أن تنحسر الأعمال القتالية بموجب مذكرة إسلام آباد المؤرخة في 17 يونيو 2026. واستنادًا إلى إطار تحليلي قائم على المعادلات الرياضية، تُحتسب جميع التكاليف بالدولار الأمريكي الثابت لعام 2026، وتُقسم الدراسة هذه التكاليف إلى خسائر مباشرة وخسائر غير مباشرة. وتوزع الدراسة هذه الخسائر على فترتين زمنيتين، حيث تشمل الفترة الأولى الأجل القصير حتى نهاية عام 2026، وتشمل الفترة الثانية الأجل المتوسط حتى نهاية عام2030 .   وتظهر النتيجة الرئيسة للدراسة في وجود تفاوت كبير في توزيع الكٌلفة الاقتصادية للحرب بين الأطراف المختلفة. فقد تكبدت إيران خسائر اقتصادية ضخمة تعادل نحو أربعة أخماس ناتجها الاقتصادي المسجل قبل الحرب. بينما تعرضت إسرائيل لصدمة اقتصادية حادة لكنها قابلة للاحتواء والتعافي. أما الولايات المتحدة، فقد تكبدت كلُفة محدودة على مستوى اقتصادها الكلي، لكنها واجهت عبئًا ماليًا كبيرًا يمتد أثره لسنوات. وفي المقابل، سجل الاقتصاد العالمي الخسارة المطلقة الأكبر بين جميع الأطراف، تحملتها في معظمها الدول المستوردة للنفط التي لم تكن طرفًا في النزاع، وليس أيًا من الدول المتحاربة.    وتفصل الدراسة بوضوح بين ارتفاع أسعار النفط، الذي تصدر التغطية الإعلامية، وبين التكلفة الاقتصادية الفعلية للحرب. وتعتبر الدراسة أن هذا الارتفاع في الأسعار يمثل إعادة توزيع للدخل، ولا يمثل خسارة اقتصادية صافية. وعادت أسعار النفط لاحقاً إلى مستوياتها المسجلة قبل الحرب، مما جعل النتيجة النهائية لهذا الارتفاع تعادل صفراً على المستوى العالمي. ويتمثل العبء الاقتصادي الفعلي للحرب في حجم الناتج الاقتصادي المفقود بسبب الاضطرابات التي نتجت عن النزاع.
مثلث التناقضات: كيف خلط الاعتراف الإسرائيلي بمذابح الأرمن أوراق القوقاز؟
البرامج البحثية

مثلث التناقضات: كيف خلط الاعتراف الإسرائيلي بمذابح الأرمن أوراق القوقاز؟

التزمت إسرائيل -لأكثر من ثلاثة عقود- بسياسة الغموض الاستراتيجي تجاه مذابح الأرمن، مفضلةً الامتناع عن الاعتراف الرسمي بها، رغم تعالي الأصوات الداخلية —برلمانياً وأكاديمياً— المطالبة باتخاذ موقف حاسم. لم يكن هذا التردد الإسرائيلي عشوائياً، بل كان نتاج حسابات براغماتية دقيقة تهدف إلى حماية شبكة معقدة من المصالح الحيوية؛ إذ مثّل هذا الصمت ضمانة لاستمرار التحالفات الوثيقة مع كل من أنقرة وباكو، وحافظ على شريان تدفق النفط، وتأمين طرق النقل التجاري، فضلاً عن حماية التواجد الاستخباراتي الإسرائيلي الحساس على التخوم الإيرانية.   لكن المشهد تبدل جذرياً في يونيو عام ٢٠٢٦، حين اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً يتبنى رسمياً توصيف الإبادة الجماعية. هذا التحول المفاجئ فجّر غضباً أذربيجانياً غير مسبوق، حيث سارعت باكو إلى إدانة الخطوة بشدة، واصفةً إياها بـتشويه للحقائق التاريخية وافتقاراً لأي أساس قانوني أو علمي، ومطالبةً إسرائيل بمراجعة موقفها فوراً. في هذه اللحظة، تجلت ملامح مثلث التناقضات بوضوح: فبينما تُسوّق إسرائيل قرارها بغلاف أخلاقي، تكشف الوقائع عن دوافع سياسية وانتقامية محضة. هكذا، زجّت تل أبيب بنفسها في مواجهة مكشوفة مع تركيا، وصدام مكتوم مع أذربيجان، في وقت تقف فيه إيران متربصة لالتقاط أي فرصة تُمكّنها من تقليص النفوذ الإسرائيلي الخانق على حدودها الشمالية.
بورصة تل أبيب: لماذا صعدت في الحرب وتراجعت مع التهدئة؟
البرامج البحثية

بورصة تل أبيب: لماذا صعدت في الحرب وتراجعت مع التهدئة؟

تكشف بورصة تل أبيب (Tel Aviv Stock Exchange – TASE) عن واحدةٍ من أكثر الحالات إثارةً للاهتمام في الاقتصاد السياسي المعاصر، إذ تحوّلت خلال أقل من ثلاثة أعوام من سوقٍ محلية مكبوحة إلى أداةٍ مالية بالغة الحساسية تُسعّر مخاطر الشرق الأوسط لحظةً بلحظة. إذ شهدت الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 إلى يونيو 2026 أعنف صدمة أمنية في تاريخ إسرائيل الحديث، ومع ذلك سجّلت مؤشراتها الرئيسية عوائد قياسية جعلتها الأسرع صعودًا في العالم خلال عامي 2024 و2025، قبل أن تنقلب فجأة نحو تصحيحٍ حاد في منتصف 2026. يطرح هذا المسار المتناقض سؤالًا جوهريًا: عن كيفية استجابة رأس المال — المحلي والأجنبي على السواء — حين تتشابك فوهات البنادق مع المؤشرات المالية والاقتصادية؟ ولماذا تباعدت إشارات سوق السندات عن سوق الأسهم في اللحظة ذاتها؟ يتتبّع هذا التحليل العلاقة الدقيقة بين الأحداث العسكرية والدبلوماسية من جهة، وحركة التدفقات الرأسمالية وعلاوة المخاطر السيادية من جهةٍ أخرى، ليكشف عن منطقٍ مالي جديد بات يحكم تسعير المخاطر الحالة.   لذلك، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك ثلاثة مستوياتٍ متشابكة: أولها آليّة الصدمة الأولى وكيفية تدخّل السُلطات المالية والنقدية لاحتواء هروب رأس المال، وثانيها مفارقة اقتصاد الحرب التي اجتمع فيها تخفيض التصنيف الائتماني مع طفرةٍ غير مسبوقة في الأسهم، وثالثها انعكاس عام 2026 الذي أعاد تسعير المخاطر الجيوسياسية عقب التحوّلات الدبلوماسية، وصولًا إلى استشراف المسارات المُحتملة للسوق حتى عام 2028.
سراب الجغرافيا الآمنة: كيف أصبحت المناطق العازلة عبئاً عسكرياً على إسرائيل
الإصدارات

سراب الجغرافيا الآمنة: كيف أصبحت المناطق العازلة عبئاً عسكرياً على إسرائيل

شهدت منطقة الشرق الأوسط تغيرات عميقة في طبيعتها الأمنية والجيوسياسية عقب الأحداث الكبرى التي بدأت مع السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣ وامتدت وتيرتها حتى عام ٢٠٢٦. وفي قلب هذه التغيرات، برز تحول جذري في العقيدة العسكرية الإسرائيلية. فبعد أن كانت إسرائيل تعتمد لسنوات طويلة على الهجمات الاستباقية السريعة والتقنيات العالية للدفاع عن بُعد دون الحاجة للسيطرة الدائمة على أراضٍ جديدة، تسببت الاختراقات غير المسبوقة لحدودها في تغيير هذه الاستراتيجية تماماً. فقد اتجهت إسرائيل اليوم نحو السيطرة الفعلية والمادية على أجزاء من الأراضي العربية، وبدأت في بناء حزام واسع ومتصل من المناطق العازلة، شمل قطاع غزة في الجنوب، وجنوب لبنان في الشمال، وصولاً إلى هضبة الجولان السورية.   تاريخياً، كانت المناطق العازلة تُعرف بأنها مساحات هادئة ومنزوعة السلاح تهدف إلى الفصل بين الأطراف المتنازعة لمنع الاحتكاك. لكن إسرائيل أعادت صياغة هذا المفهوم كلياً، وحوّلت هذه المناطق إلى أدوات للسيطرة الأمنية المطلقة. وتهدف من خلال ذلك إلى خلق مساحات عسكرية محصنة تمنحها عمقاً استراتيجياً، وتقضي على التهديدات الحدودية والأنفاق، وتُبعد ساحة المعركة تماماً عن مدنها ومراكزها السكانية. ورغم وضوح هذه الأهداف، إلا إن هذا التوجه يضع المخططين العسكريين الإسرائيليين أمام ورطة حقيقية؛ فإبقاء قوات كبيرة من المشاة والمدرعات بشكل دائم داخل مناطق معادية ومضطربة، يهدد بتحويل هذه الأحزمة التي يُفترض بها أن تكون آمنة إلى ساحات استنزاف عسكري مستمر ومكلف. وينطلق هذا التحليل ليطرح تساؤلاً جوهرياً ومحورياً: هل تُمثل هذه الأشرطة الحدودية طوق أمان حقيقي يضمن بقاء إسرائيل وأمنها على المدى الطويل، أم أنها تحولت بالفعل إلى فخ يستنزف قدراتها يوماً بعد يوم؟
هل يُعاد تشكيل الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل؟
البرامج البحثية

هل يُعاد تشكيل الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل؟

شهدت المواقف الأوروبية تجاه إسرائيل خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا، مدفوعًا في الأساس بالحرب على غزة في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023. وقد بدأ هذا التحول في صورة حالة من التوجّس المتصاعد، قبل أن يتبلور تدريجيًا في تراجع واضح في مستويات التأييد الشعبي لإسرائيل عبر القارة الأوروبية، حيث اتجه قطاع متزايد من الرأي العام إلى اعتبار ردّها العسكري مفرطًا في حدّته. غير أن هذا التحول في المزاج العام لم يواكبه انتقال موازٍ على المستوى السياسي، إذ واصل القادة الأوروبيون تبنّي مقاربة حذرة ذات طابع دبلوماسي، ساعين إلى تحقيق توازن دقيق بين التعبير عن القلق والحفاظ على التزامات راسخة، في مقدمتها التأكيد المستمر على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". غير أن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجيًا في الآونة الأخيرة. فقد أدّى التصعيد الإقليمي المرتبط بإيران إلى فرض ضغوط اقتصادية واستراتيجية مباشرة على أوروبا، ما دفع صُنّاع القرار إلى تبنّي استجابة أكثر حزمًا، وإن ظلت مضبوطة ضمن إطارها العام. وفي الوقت ذاته، تعكس التحولات السياسية داخل القارة، بما في ذلك بروز قيادات أقل انحيازًا تقليديًا لإسرائيل، مثل رئيس الوزراء المجري بيتر ماجيار، مسارًا تدريجيًا لإعادة معايرة المواقف، لا قطيعة مفاجئة في السياسة.   وقد تجلّى هذا التحول بوضوح لافت في أواخر أبريل 2026، عندما برزت داخل الاتحاد الأوروبي مناقشات حول تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ورغم أن المقترح لم يحظَ بالتوافق اللازم للمضي فيه، في ظل عرقلة دول محورية مثل ألمانيا وإيطاليا، فإنه كشف في الوقت ذاته عن انتقال خيارات كانت تُعد سابقًا خارج نطاق التصوّر إلى صلب النقاش السياسي. وفي حين أن تعليق الاتفاقية قد يترتب عليه آثار اقتصادية ملموسة بالنسبة لإسرائيل، فإن تفعيله يظل محكومًا بتوازنات داخلية معقّدة داخل الاتحاد الأوروبي. غير أن تعذّر المضي في هذا المسار لا يعني غياب أدوات التأثير؛ إذ لا يزال الاتحاد الأوروبي يحتفظ بطيف من الآليات البديلة القادرة على إحداث ضغط فعّال على إسرائيل.   بلغت المواقف الأوروبية تجاه إسرائيل أدنى مستوياتها منذ تأسيس الدولة في أواخر أربعينيات القرن الماضي، في انعكاس لتحوّل واضح ومستمر في المناخين السياسي والمجتمعي عبر القارة. وفي هذا السياق، بدأ هذا التحوّل يتبلور مع اندلاع الحرب على غزة، التي نظر إليها قطاع واسع من الأوروبيين باعتبارها مفرطة في حدّتها، ما دفع إلى إعادة تقييم مواقف كانت راسخة لعقود. ومع تتابع التطورات، تكرّس هذا الاتجاه في صورة تراجع أوسع في مستويات التأييد، الأمر الذي يشير إلى أن التحوّل لم يعد ظرفيًا، بل يعكس تغيرًا أعمق وأكثر استدامة في بنية الاتجاهات السائدة.     غير أن تطوّر القيادة السياسية لم يعكس هذا التحوّل المجتمعي بالوتيرة ذاتها. فعلى مدار معظم العام الماضي، واصل غالبية القادة الأوروبيين تبنّي الخطاب الحذر المألوف، مع التعبير عن القلق إزاء السياسات الإسرائيلية، بالتوازي مع التأكيد المتكرر على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". وفي هذا الإطار، ظل هذا التوازن الخطابي، الذي شكّل سمة راسخة في الدبلوماسية الأوروبية لعقود، قائمًا إلى أن بدأ يتصدّع في الآونة الأخيرة. ومع ذلك، وبينما خرج عدد محدود من القادة عن هذا النمط في وقت مبكر، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بقيت الغالبية متمسكة بالمواقف التقليدية إلى أن برز عامل أكثر مباشرة دفع نحو إعادة التموضع. وفي هذا السياق، جاء هذا العامل المحفِّز مع التصعيد المرتبط بإيران. فعلى خلاف الحرب على غزة، التي أعادت تشكيل الرأي العام في المقام الأول، بدأت المواجهة الإقليمية الأوسع تؤثر بصورة مباشرة في المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لأوروبا. وتكتسب هذه المفارقة أهمية محورية في فهم مسار التحوّل، إذ بينما تحرّك المزاج العام بدوافع إنسانية وأخلاقية، تبدو استجابات القيادات السياسية مدفوعة بضغوط ملموسة تمس الاستقرار وأمن الطاقة والمرونة الاقتصادية. وعلى هذا الأساس، يشير التحوّل في مواقف القادة الأوروبيين إلى أن تغيّر السياسات يرتبط بدرجة أوثق بحسابات المصالح المادية، لا بالقيم العامة وحدها.   وقد تجلّى هذا التحوّل بوضوح أكبر تحت وطأة البعد الاقتصادي للأزمة، الذي برز بوصفه عاملًا حاسمًا في توجيه مسار التفاعلات. ففي هذا السياق، تفاعلت أسواق الطاقة سريعًا مع التصعيد، حيث ارتفعت أسعار النفط من نحو 72–73 دولارًا للبرميل قبل اندلاع المواجهة إلى ما يقارب 120 دولارًا عند ذروتها، قبل أن تستقر لاحقًا عند حدود 93 دولارًا عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار. وعلى المنوال ذاته، سلكت أسعار الغاز مسارًا مماثلًا، إذ صعدت من نحو 35.5 يورو لكل ميجاواط/ساعة إلى مستويات تجاوزت 60 يورو، قبل أن تستقر عند قرابة 44 يورو. ورغم أن أوروبا لا تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة المباشرة عبر مضيق هرمز، فإن ارتباطها الأوسع بأسواق الطاقة العالمية يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.   وفي امتداد لهذه الضغوط، أسهمت تقلبات أسعار الصرف، بحكم تسعير النفط بالدولار الأمريكي، في تضخيم الكلفة الإجمالية، ما فرض أعباء إضافية على الاقتصادات الأوروبية والمستهلكين على حد سواء. ولم تقتصر هذه التداعيات على قطاع الطاقة فحسب، بل امتدت إلى قطاعات أخرى، من بينها الطيران. فقد بدأت بالفعل ارتفاعات كلفة وقود الطائرات والقيود على الإمدادات في إرباك العمليات التشغيلية، حيث اتجهت شركات الطيران إلى تعديل الأسعار، بل وإلغاء بعض الرحلات في حالات معينة قبيل فترات الذروة السياحية. وفي المحصلة، تعزّز هذه التطورات إدراك صُنّاع القرار الأوروبيين بأن عدم الاستقرار الإقليمي يخلّف آثارًا داخلية مباشرة، ما يسرّع بدوره الحاجة إلى إعادة تقييم مواقف السياسة الخارجية.   وبالتوازي مع ذلك، تكشف التحولات السياسية داخل أوروبا عن مسار تدريجي لإعادة ضبط المواقف. ففي المجر، يعكس انتخاب رئيس الوزراء بيتر ماجيار انتقالًا نحو تبنّي مقاربة أكثر توازنًا مقارنة بالموقف الداعم لإسرائيل دون تحفظ، الذي طبع مرحلة سلفه. ومع تأكيده استمرار اعتبار إسرائيل شريكًا اقتصاديًا مهمًا، أوضح ماجيار أن قرارات الاتحاد الأوروبي ستُقيَّم مستقبلًا على أساس كل حالة على حدة، بدلًا من عرقلتها بصورة تلقائية. وفي هذا الإطار، تعكس مواقفه الداعية إلى إعادة الانخراط في الأطر القانونية الدولية توجّهًا نحو مواءمة سياسات هنغاريا بشكل أوثق مع المعايير الأوروبية الأوسع، بدلًا من مواصلة النهج الانعزالي الذي ساد في المرحلة السابقة.   وفي امتداد لهذه التحولات، أسهمت التوترات الإقليمية في توسيع الفجوة السياسية داخل المواقف الأوروبية. فقد اتسمت ردود الفعل الأوروبية تجاه الضربات الإسرائيلية في لبنان، ولا سيما في دول مثل فرنسا وبلجيكا، بقدر أكبر من النقد، بما يعكس تنامي حالة عدم الارتياح داخل العواصم الأوروبية. ويشير ذلك إلى أن هذا التحول لم يعد محصورًا في الاعتبارات الاقتصادية وحدها، بل بات يتعزز بصورة متزايدة بفعل تطورات جيوسياسية تضع التوازنات الدبلوماسية القائمة أمام اختبارات متصاعدة.   وفي المحصلة، تعكس هذه الديناميكيات مسار تحوّل يقوم على مستويين متداخلين ومتوازيين. فقد بادر الرأي العام الأوروبي إلى التغيّر أولًا، مدفوعًا بتداعيات الحرب على غزة وأبعادها الإنسانية، بينما جاءت استجابة القيادات السياسية لاحقًا، تحت وطأة الانعكاسات الاستراتيجية والاقتصادية للتصعيد الإقليمي الأوسع. ومن خلال هذا التفاعل، يتبلور اتجاه نحو إعادة توجيه تدريجية لكنها واضحة في موقف أوروبا تجاه إسرائيل، تتشكل عبر تراكم ضغوط مجتمعية، وتزايد الهشاشة الاقتصادية، وإعادة تموضع جيوسياسي، بما يجعل هذا التحول أقرب إلى مسار تراكمي متدرّج منه إلى قطيعة مفاجئة في السياسة.
ديناميكيات الحرب والسياسة: كيف تعيد الحرب الإسرائيلية الإيرانية تشكيل انتخابات الكنيست في ٢٠٢٦
الإصدارات
20 أبريل 2026

ديناميكيات الحرب والسياسة: كيف تعيد الحرب الإسرائيلية الإيرانية تشكيل انتخابات الكنيست في ٢٠٢٦

شهد النظام السياسي الإسرائيلي تحولات هيكلية على خلفية اندلاع عملية الأسد الزائر بين إسرائيل وإيران في أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦. حيث يمثل هذا الصراع انتقالاً من سياسات الردع التقليدي وحروب الوكالة إلى عقيدة المواجهة الشاملة والضربات الاستباقية الموجهة ضد البنية التحتية النووية والعسكرية في العمق الإيراني.   وتزامنت هذه التطورات العسكرية مع اقتراب الموعد الدستوري لإجراء انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، المقررة في موعد أقصاه أكتوبر ٢٠٢٦، وذلك في ظل بيئة سياسية تتسم بالهشاشة بالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم. فقد بدأت هذه المواجهة في وقت تعاني فيه القيادة التنفيذية من تراجع في مؤشرات الدعم السياسي، متأثرة بالتداعيات المستمرة للإخفاقات الاستخباراتية والأمنية المرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر 2023. وتترافق هذه التحديات مع تراجع المؤشرات الاقتصادية المحلية، والانقسامات المجتمعية الحادة حول تشريعات التجنيد الإلزامي لليهود المتشددين، فضلاً عن مسار المحاكمات القضائية الجارية. وفي هذا السياق، تشير المعطيات التحليلية إلى مساعي القيادة التنفيذية لتوظيف حالة الطوارئ الوطنية بهدف توطيد تماسك القاعدة الانتخابية اليمينية، وإثبات مركزية القيادة الحالية في إدارة التهديدات الأمنية ضمن نظام برلماني معقد.   يفرض تقاطع النزاعات العسكرية الممتدة مع الدورات الانتخابية الديمقراطية تحديات بنيوية معقدة على السلوك التصويتي ومستقبل القيادات الحالية، حيث تتداخل متطلبات التعبئة الوطنية مع أزمات الثقة المؤسسية المتجذرة في الوعي العام، يقدم هذا التحليل قراءة للحسابات الانتخابية قبل وبعد اندلاع المواجهة، ويستعرض السوابق التاريخية لتأثير الحروب الممتدة على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، كما   يحلل الدوافع الاستراتيجية والشخصية التي توجه عملية صنع القرار، وصولاً إلى استشراف مسارات إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية في استحقاق عام ٢٠٢٦.
اقتصادات الدفاع في زمن الحرب: تحولات الإنفاق العام تحت وطأة الصراع
البرامج البحثية

اقتصادات الدفاع في زمن الحرب: تحولات الإنفاق العام تحت وطأة الصراع

لا تُدار الحروب الحديثة بالسلاح وحده، بل بقدرة الدولة أيضًا على تمويل هذا السلاح، والحفاظ على استدامة تشغيله، وامتصاص كلفته المتصاعدة داخل بنية الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، يُعدّ اقتصاد الدفاع أحد الأطر التحليلية الرئيسة لفهم كيفية تكيّف الدول مع الحروب الممتدة، بوصفه المنظومة المالية والصناعية والإنفاقية التي تُمكّن الدولة من بناء قدرتها العسكرية، والحفاظ على جاهزيتها، وإعادة توجيهها بما يتوافق مع مقتضيات الصراع. وفي أوقات السلم، تميل هذه المنظومات إلى قدر من الاستقرار النسبي؛ غير أنها تتحول في زمن الحرب إلى آلية ضاغطة تُعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتعيد توجيه الموارد، وتفرض على الدولة خيارات مالية أكثر كلفة وحساسية. وفي هذا السياق، أدى تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، بالتوازي مع اتساع نطاق المواجهة مع إيران ووكلائها الإقليميين، إلى دفع اقتصادات الدفاع لدى أطراف الصراع نحو مرحلة أكثر ضغطًا واختلالًا، انعكست في تصاعد أعباء الموازنات، وتزايد الاعتماد على الدين، وإعادة هيكلة أولويات الإنفاق بما يتماشى مع متطلبات الحرب واتساعها.   تتناول هذه الدراسة أثر التصعيد العسكري المستمر في إعادة تشكيل اقتصادات الدفاع لدى ثلاثة من أبرز الفاعلين: إسرائيل وإيران والولايات المتحدة. وتجمع بين تحليل الاستجابات المالية قصيرة الأجل واستشراف المسارات الأطول أمدًا للموازنات العامة، لتخلص إلى أن ما يشهده الإنفاق العسكري لا يقتصر على طفرة ظرفية، بل يعكس تحولًا عميقًا يعيد ترتيب أولويات الاقتصاد الكلي. وقد تجسّد هذا التحول في اتساع العجوزات المالية، وتآكل الحيز المتاح للإنفاق على الخدمات المدنية لصالح المتطلبات العسكرية، وتسريع وتيرة تعبئة الصناعات الدفاعية المحلية، إلى جانب تصاعد الضغوط على الجدارة الائتمانية السيادية. وفي السياق ذاته، ترسّخت مستويات مرتفعة من الإنفاق العسكري داخل الأطر المالية الوطنية بصورة يُرجّح استمرارها حتى بعد أي وقف لإطلاق النار. وعلى مستوى الشرق الأوسط، بات الفصل بين كلفة العمليات العسكرية ومؤشرات الصحة الاقتصادية الوطنية أكثر تعقيدًا، بما يعكس تداخلاً متزايدًا بين اعتبارات الأمن والاقتصاد.
خيار شمشون: هل ينهار المحظور النووي تحت ضغط الحتمية؟
البرامج البحثية

خيار شمشون: هل ينهار المحظور النووي تحت ضغط الحتمية؟

تُجسد الترسانة النووية الإسرائيلية واحدةً من أكثر القضايا إثارةً للجدل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ تظل ضمن ما يُوصف بـ"الأسرار المكشوفة" التي تحكمها سياسة غموض استراتيجي محسوب، لا ينفي الوجود ولا يقرّه صراحة. وفي هذا الإطار، تقف إسرائيل خارج معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فيما تُجمع التقديرات على كونها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك قدرات نووية عسكرية، يُرجَّح أنها تشمل نحو 80 رأسًا نوويًا قابلة للإطلاق عبر صواريخ باليستية أو منصات جوية. في المقابل، يتخذ البرنامج النووي الإيراني مسارًا معلنًا مختلفًا في طبيعته ووظيفته، حيث تؤكد طهران انحصاره في إنتاج الطاقة للأغراض السلمية. وعلى خلاف الحالة الإسرائيلية، تُعدّ إيران طرفًا في معاهدة عدم الانتشار، وتُصرّ على أن خياراتها الاستراتيجية لا تتجه نحو امتلاك سلاح نووي.   وعلى الرغم من هذا الموقف المعلن، فقد ظل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مدى عقود، يروّج لفرضية اقتراب طهران من امتلاك سلاح نووي، معتبرًا أن اللجوء إلى الخيار العسكري من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل يشكّل ضرورة حتمية للحيلولة دون استخدامه ضد إسرائيل. وقد انتقل هذا التصور من مستوى الخطاب إلى حيّز الفعل مع اندلاع مواجهة عسكرية في أواخر فبراير، أعقبتها ضربات متبادلة مكثفة استمرت قرابة أربعة إلى خمسة أسابيع. ورغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم تتراجع حالة القلق، بل تحوّلت إلى هواجس أعمق تتمثل في احتمال إقدام إسرائيل على كشف كامل قدراتها النووية عبر ما يُعرف بـ"خيار شمشون". ولا يقتصر أثر هذا السيناريو على كسر أحد أكثر المحظورات رسوخًا في النظام الدولي، بل يمتد ليُحدث ارتدادات نفسية واستراتيجية واسعة، تعيد تشكيل إدراك التهديد والاستقرار في المنطقة، وتلقي بظلالها على البيئة الأمنية العالمية برمّتها.
تجاوز العقبات: كيف تحرر “إريديوم” مسيرات “شاهد”؟
البرامج البحثية

تجاوز العقبات: كيف تحرر “إريديوم” مسيرات “شاهد”؟

شهد ميدان الحرب الجوية الحديثة تحولاً جذرياً وعميقاً في طبيعته وأدواته خلال العقد الماضي، إذ لم يعد التفوق الجوي حكراً على من يملك أغلى المنصات وأكثرها تطوراً، بل بات في متناول من يُحسن توظيف الكم والتكرار في مواجهة الكيف والتعقيد، وقد تجلّت هذه المعادلة الجديدة بوضوح في الانتشار الواسع لطائرات الهجوم الانتحارية أحادية الاتجاه، ولا سيما السلسلة الإيرانية المعروفة بـ"شاهد"، التي غيرت كثيراً من الحسابات الاستراتيجية الراسخة. ففي بداياتها، كانت هذه الطائرات تعمل بمنطق بسيط: تُبرمج بإحداثيات هدفها مسبقاً، ثم تُطلَق لتشق طريقها مستعينةً بأنظمة الملاحة الفضائية التقليدية كنظام GPS الأمريكي ونظيره الروسي GLONASS. غير أن هذا الاعتماد الكامل على تلك الأنظمة كان يمثّل في الوقت ذاته نقطة ضعفها الأكثر استغلالاً من قِبَل المدافعين، الذين سارعوا إلى تطوير أدوات التشويش والتضليل الإلكتروني بما يكفي لتعطيل مسارها وإحباط مهماتها.   بيد أن هذا الواقع لم يدم طويلاً، فمع تصاعد حدة الصراعات التي تورطت فيها هذه المنظومات، انتقلت الطائرات الإيرانية إلى مرحلة مغايرة تماماً، حين أُدمجت في بنيتها الإلكترونية أجهزة اتصال تعمل عبر شبكة الأقمار الصناعية التجارية "إيريديوم" Iridium ، والذي لم يكن مجرد ترقية تقنية عابرة، بل كان استجابةً محسوبة ومباشرة لثغرات GPS وأسلوباً ذكياً لاستثمار البنية التحتية المدنية في خدمة الأهداف العسكرية، فبينما تعجز أقمار GPS عن الصمود أمام موجات التشويش الأرضية لضعف إشاراتها القادمة من ارتفاعات شاهقة تتجاوز عشرين ألف كيلومتر، تبثّ أقمار إيريديوم المتحركة في مدارات منخفضة لا تتجاوز ثمانمائة كيلومتر إشاراتٍ أقوى بألف مرة، محمية بطبقات من التشفير تجعل تزويرها أو تضليلها أمراً بالغ الصعوبة.   تحولت "شاهد" إذًا من مقذوفات صمّاء تسير وفق مسار محدد لا تحيد عنه، إلى منصات حية متصلة بمشغليها في الوقت الفعلي، قادرة على تلقّي التحديثات وتغيير مساراتها ومشاركة بياناتها مع وحدات أخرى في الجو، بل وتوجيه ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة كالسفن في عرض البحر، لذلك يُقدّم هذا التقرير دراسةً تقنية واستراتيجية معمّقة لهذا التحول وتداعياته الميدانية، بدءاً من بنية شبكة إيريديوم ومنطق عملها، مروراً بتشريح منصة شاهد-131 وكيفية دمج هذه الاتصالات فيها، وصولاً إلى الأثر العملياتي الذي خلّفه ذلك على أعقد منظومات الدفاع الجوي في العالم وأكثرها كثافةً، وهي المنظومة الإسرائيلية المتعددة الطبقات التي واجهت اختباراتها الأشد قسوة بين عامَي 2024 و2026.