تستكشف هذه الدراسة الاستطلاعية التي أُجريت في مارس 2026، اتجاهات الرأي العام حول الحرب الجارية ومساراتها المحتملة، مع التركيز على التوقعات المتعلقة بمدتها ونتائجها وتداعياتها الإقليمية والدولية الأوسع. وتكشف النتائج عن مستوى مرتفع من عدم اليقين، إذ لا يظهر توافق واضح حول كيفية انتهاء النزاع أو توقيته، بما يعكس تعقيد المشهد وسيولته.
مع انزلاق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بعيدًا عن أهدافها الأولى غير المحسومة، من قبيل تغيير النظام في طهران وتفكيك قدراتها الصاروخية والنووية، أخذت أولويات الصراع نفسها تعيد تشكيل ملامحها على نحو واضح. فقد نجحت إيران في دفع المواجهة خارج إطارها العسكري المباشر، وتحويلها إلى أزمة ذات امتدادات دولية أوسع، بما أعاد توجيه الاهتمام العالمي من سؤال الحسم العسكري إلى سؤال احتواء الارتدادات الاقتصادية الكارثية. وفي صدارة هذه الارتدادات، يبرز هاجس أمن الطاقة وضمان استمرار تدفقات النفط، في خضم ما يُعد واحدة من أخطر أزمات الطاقة في التاريخ الحديث. ومن ثم، لم يكن مستغربًا أن يتركز قدر كبير من الاهتمام الدولي على مضيق هرمز، بالنظر إلى موقعه المحوري في معادلة الإمدادات العالمية.
ويمثّل هذا الممر الملاحي الحيوي شريانًا رئيسيًا في منظومة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للنفط السائل، إلى جانب نسبة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم. غير أن دخول الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران، في معادلة الحرب، أضاف بُعدًا جديدًا إلى مشهد إقليمي بالغ الهشاشة، ووسّع نطاق التهديدات التي تواجه صادرات النفط ومسارات الملاحة البحرية في المنطقة. وبحكم سيطرتهم الفعلية على مضيق باب المندب، يمتلك الحوثيون القدرة على إرباك حركة الشحن عبر البحر الأحمر وخليج عدن، بما ينذر باضطراب يتجاوز الإطار الإقليمي ليطال دوائر التجارة والطاقة العالميتين. وفي ضوء ذلك، تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية: لماذا اختار الحوثيون هذه اللحظة تحديدًا للانخراط في الحرب؟ وما الشروط التي قد تدفعهم إلى تصعيد دورهم بدرجة أكبر؟ ثم ما التداعيات المحتملة إذا أُغلق هذا المضيق؟
أثر الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مصالح عدد كبير من الدول. وفي خضم هذا التصعيد، برزت الصين بوصفها طرفًا فاعلًا يسعى إلى الحد من تداعيات الأزمة على الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة الدولية. وفي هذا السياق، دعت بكين إلى وقف فوري للهجمات من الجانبين، وإلى ضمان حماية السفن العابرة في مضيق هرمز، قبل أن يعلن وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إرسال مبعوث خاص إلى الشرق الأوسط للمساهمة في جهود الوساطة.
ترتبط الصين بجملة من المصالح المتشابكة في الشرق الأوسط، وهي مصالح تتأثر بدرجة كبيرة بتداعيات الحرب الجارية. ومن المرجح أن تسهم هذه التطورات في إعادة تشكيل الفرص الاستراتيجية المتاحة لبكين في المنطقة، ولا سيما في مجالات أمن الطاقة، ومسارات التجارة، والعلاقات الدبلوماسية مع الفاعلين الإقليميين الرئيسيين. وفي هذا الإطار، يستند نهج السياسة الخارجية الصيني تجاه الشرق الأوسط إلى مقاربة براغماتية تركز على حماية المصالح الاقتصادية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدر من التوازن الاستراتيجي في علاقاتها مع أطراف المنطقة. وبناءً على ذلك، قد تتيح الحرب لبكين فرصة لإعادة تموضعها في الإقليم واستكشاف آفاق جديدة لتعزيز حضورها، ولا سيما عبر توثيق علاقاتها مع دول أخرى منتجة للنفط، وزيادة استثماراتها في جهود إعادة الإعمار.
وبالمثل، تقوم الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران في جوهرها على إمدادات النفط والاستثمارات واسعة النطاق. غير أن تداعيات الحرب تثير تساؤلات حول مستقبل هذه العلاقة، كما تفتح المجال أمام احتمال أن تعيد بكين النظر في سياستها الخارجية تجاه طهران إذا ما شهدت قدرة إيران على الحفاظ على هذه المصالح تراجعًا محتملاً نتيجة الضغوط التي قد تتعرض لها مواردها وقدراتها بعد الحرب.
اتسمت الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بقدرة استثنائية على استيعاب التباينات التكتيكية وإدارتها؛ إلا أن التطورات التي رافقت إطلاق عملية "الغضب الملحمي" الأمريكية بالتزامن مع عملية "الأسد الزائر" الإسرائيلية في أواخر فبراير 2026، وضعت هذا التحالف أمام اختبار غير مسبوق في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. فعلى الرغم من أن هذه الحملة المنسقة حققت في انطلاقتها نجاحات عملياتية حاسمة، والتي تمثلت في القضاء على المرشد الأعلى الإيراني وتفكيك الهيكل القيادي للحرس الثوري، إلا أن مشهد التوافق المطلق الذي يُصدره الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يخفي في طياته تناقضات جوهرية في الرؤى والأهداف. وبالقراءة الدقيقة لتاريخ هذه العلاقة ومحدداتها السياسية الحالية تؤكد أن إطالة أمد هذا الصراع ستُعري التباين الحاد في المصالح الاستراتيجية لكلا العاصمتين، مع حتمية تحول المعركة من ضربات خاطفة إلى حرب استنزاف إقليمية معقدة تتجاوز عاقبتها واشنطن وتل أبيب، ستتحول هذه التباينات إلى تصدعات هيكلية عميقة. تقدم هذه الورقة تحليلاً استراتيجياً لتفكيك هذه الديناميكية، مبينة كيف أن الاختلاف الجذري في القدرة على تحمل التبعات الاقتصادية، واستيعاب الخسائر البشرية، والارتهان لجداول انتخابية صارمة، سيحيل الخلافات التكتيكية المكتومة إلى شرخ استراتيجي معلن يصعب تجاوزه أو إنكاره.
لا تقتصر تداعيات الحملة العسكرية المشتركة التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران على إضعاف طهران أو استهداف قدراتها الاستراتيجية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل البنية الجيوسياسية للشرق الأوسط بأسره. فقد أسفرت الضربات عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، واستهدفت البنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية، كما أطلقت موجة من الردود الإيرانية الانتقامية امتدت عبر الإقليم. غير أن الأثر الأعمق لهذه الحرب قد لا يكمن في ما ألحقته بإيران وحدها، بل في ما بدأت تفتحه من مسار جديد لإعادة ترتيب خرائط التنافس الإقليمي. فمع اهتزاز موقع إيران بوصفها القطب الإقليمي الأبرز في معارضة إسرائيل، بدأت ملامح خصومة جديدة تتبلور بين إسرائيل وتركيا، وهي خصومة تختلف في رهاناتها، ومخاطرها، ومنطق تطورها، عن المواجهة التي سعت هذه الحرب أصلًا إلى حسمها. ومن ثم، فإن فهم خط الصدع الناشئ هذا يقتضي التوقف عند كلٍّ من العوامل البنيوية التي تدفع الطرفين نحو مزيد من التباعد، والديناميات السياسية الداخلية التي قد تنقل هذا التنافس من مستوى التوتر الاستراتيجي إلى مواجهة أكثر حدة وأصعب احتواءً.
دخلت الولايات المتحدة، في السابع من مارس 2026، أسبوعها الثاني من حملتها العسكرية المشتركة ضد إيران، بعد إطلاق عملية "الغضب الملحمي" بالتنسيق مع إسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير. وخلال أيام معدودة، انزلق الصراع إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق، تمثلت أبرز معالمها في مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وما تبع ذلك من ضربات إيرانية انتقامية طالت مناطق مختلفة من الخليج، إلى جانب اتساع دائرة الانخراط الإقليمي في مسار التصعيد، من البحرين إلى لبنان. وجاءت هذه الحرب بالنسبة إلى الحزب الجمهوري في توقيت بالغ الحساسية، وفي لحظة كانت تتسم أصلًا بدرجة مرتفعة من الهشاشة السياسية. فقبل اندلاع الصراع، كانت البيئة الانتخابية تميل بالفعل بوضوح ضد الحزب، تحت ضغط مجموعة من العوامل الهيكلية الملازمة عادةً لانتخابات التجديد النصفي، وفي مقدمتها التراجع التقليدي في شعبية الرئيس القائم، وانخفاض مستويات التأييد العام، وتصاعد التململ داخل الائتلاف الانتخابي الداعم له. وقد وضعت هذه المعطيات الجمهوريين في موقع دفاعي متزايد، حتى قبل أن تضيف الحرب أعباءها السياسية والأمنية والاقتصادية إلى المشهد. وفي هذا السياق، جاء اندلاع حرب كبرى تفتقر إلى قبول شعبي واسع ليضاعف من حدة هذه الهشاشة ويعمّق آثارها. وعلى هذا الأساس، لم يعد السؤال الذي يواجه الحزب الجمهوري مع اقتراب انتخابات نوفمبر يتمحور حول ما إذا كان سيفقد مقاعد في الكونجرس، بل حول حجم الخسائر التي قد يتكبدها في ظل بيئة انتخابية تتزايد فيها الضغوط السياسية وتتداخل فيها الاعتبارات الاستراتيجية بصورة أكثر تعقيدًا.
سجلت العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية بين الصين وإسرائيل تغيرات جوهرية بعد عمليات العسكرية غزة في أكتوبر 2023، إذ اتجهت السلطات التنظيمية الصينية، إلى إدراج مناطق داخل إسرائيل ضمن "الفئة الحمراء"، بما يُعد تصنيفًا إداريًا رسميًا لهذه الأماكن كمناطق استثمارية عالية المخاطر، مما يفرض قيودًا قانونية تمنع ضخ استثمارات مالية جديدة إليها، الأمر الذي أنتج أنتجت وضعًا قانونيًا تبنيه الشركات الصينية على بروتوكولات التحذير الأمني وسلامة الأفراد كمسوغ قانوني للتحكم في حركة رؤوس الأموال، وتبرير وقف تنفيذ بعض الالتزامات المالية في العقود المبرمة مسبقًا، مما يتطلب دراسة دقيقة لفهم آلية عمل هذه التقييمات وتأثيرها الفعلي على العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
لذلك يتناول هذا التحليل النزاع التجاري والقانوني حول شركة عدسات حانيتا كحالة تطبيقية، وتفكيك آليات تصنيف المخاطر والرقابة في النظام الصيني، وانعكاساته على التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية المباشرة على السوق الإسرائيلي.
تمثّل الضربات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير 2026 واحدة من أكثر لحظات التصعيد خطورة في معادلات الأمن الإقليمي في الخليج خلال أكثر من عقد. فهذه العملية أعادت رسم ملامح المخاطر المحيطة بأسواق الطاقة العالمية، فاتحةً المجال أمام تداعيات فورية ومتوسطة وطويلة الأجل قد تطال استقرار الإمدادات النفطية والتوازنات في سوق الطاقة الدولي. وقد استهدفت الضربات قيادات عليا ومنشآت عسكرية ذات أهمية استراتيجية داخل إيران، الأمر الذي دفع طهران إلى الرد عبر نطاق جغرافي يمتد عبر منطقة الخليج. وفي هذا السياق، تصاعدت بصورة حادة المخاوف من احتمال تعرّض تدفقات الطاقة المنقولة بحراً لاضطرابات واسعة، ولا سيما في مضيق هرمز.
وعلى الرغم من أن الانقطاعات الفعلية في الإمدادات المادية ما تزال محدودة حتى لحظة إعداد هذا التحليل، فإن الأسواق سارعت إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية. فقد قفزت المؤشرات القياسية للنفط الخام مع استئناف التداول، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بصورة ملحوظة، بالتوازي مع تصاعد مستويات التقلب في أسواق السلع والعملات. غير أن السؤال الاقتصادي الجوهري لا يتمثل في ما إذا كانت الأسعار ستتفاعل مع هذه التطورات، إذ إن هذا التفاعل قد حدث بالفعل، بل في ما إذا كان الصراع سيتحوّل من صدمة ناتجة عن علاوة المخاطر إلى اضطراب فعلي ومستدام في الإمدادات.
يبقى مضيق هرمز القناة المحورية لانتقال تدفقات الطاقة العالمية. إذ يمر عبر هذا الممر البحري ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية وأكثر من ثلث شحنات الغاز الطبيعي المسال المنقولة بحرًا. وحتى أي تعطيل مؤقت في هذا الممر ينطوي على تداعيات اقتصادية كلية واسعة النطاق. ومن ثم فإن تقييم انعكاسات هذه الأزمة يقتضي تحليل ردود الفعل الفورية للأسواق، والسيناريوهات المحتملة لتعطل الإمدادات، واستجابات العرض على المدى المتوسط، فضلًا عن الآثار الهيكلية بعيدة المدى على أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي الكلي.
تغيرت الطبيعة الأساسية لحروب الجوفضائية الحديثة تغيراً جذرياً ونهائياً؛ فـقد تحولت الجيوش من استخدام الأسلحة المتقدمة والمكلفة، إلى الاعتماد على الاستنزاف الصناعي والأسلحة الرخيصة التي تُنتج بكميات ضخمة، وقد ظهر هذا الواقع العملياتي بوضوح في أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦، وذلك بالتزامن مع بدء القوات الأمريكية لعملية "الغضب الملحمي"، وتنفيذ الجيش الإسرائيلي لعملية "الأسد الهادر" الموازية لها.
بسبب انهيار المفاوضات النووية، أطلق التحالف العسكري حملة استباقية واسعة النطاق. ومن ثَمَّ، حشد التحالف قوة جوفضائية هائلة، فـقصف أكثر من ألف هدف استراتيجي داخل الأراضي الإيرانية خلال ال ٢٤ساعة الأولى. أمَّا القوات الأمريكية فـقد نفذت بمفردها أكثر من ٩٠٠ ضربة دقيقة في أول ١٢ ساعة، مستخدمةً قاذفات التخفي، والمقاتلات البحرية، وصواريخ كروز. ثُمَّ ارتفع عدد الضربات ليتجاوز ١٢٥٠ضربة موجهة خلال ٤٨ ساعة. وفي الوقت نفسه، نفذت القوات الجوية الإسرائيلية أكثر من ٧٠٠طلعة جوية في اليوم الأول، وألقت أكثر من ١٢٠٠ قذيفة، لكي تحقق نجاحات تكتيكية فورية وتفرض سيطرتها الجوية.
على الرغم من هذا الهجوم المكثف، إلا أنَّ الرد الفوري والمستمر من جانب الحرس الثوري الإيراني، عبر عملية "الوعد الصادق ٤"، فرض ضغطاً كبيراً ومستمراً على منظومة الدفاع الجوي والصاروخي للولايات المُتحدة وإسرائيل. فـخلال أول ٤٨ ساعة من النزاع، أطلقت إيران حوالي ٤٢٠ صاروخاً باليستيًا متوسط المدى لاستهداف إسرائيل بالإضافة لعدة دول أخرى في المنطقة. ولم يقتصر الهجوم على ذلك، بَل رافقه إطلاق أعداد هائلة من الطائرات المسيرة الهجومية، اسقطت إسرائيل الغالبية العظمى منها مُستنفذةً آلاف الصواريخ الاعتراضية من منظومات الدفاع الجوي.
كشف هذا الاستهلاك السريع للصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة -التي تكلف ملايين الدولارات- في مواجهة أسلحة معادية رخيصة الثمن وكثيرة العدد، عن ضعف واضح في خطوط الإمداد العسكرية المعاصرة، ونظرًا لـعدم قدرة قطاع الصناعات الدفاعية العالمي على تعويض هذه الأسلحة المتقدمة بنفس سرعة استهلاكها في المعارك، فـإن كلا الطرفين يواجهان خطر نفاد المخزون العسكري قريباً. بناءً على ذلك، إذا أراد أي طرف مواصلة الحرب وتحقيق نصر استراتيجي حاسم، فـمن الضروري استبدال هذه الأسلحة المتقدمة والمكلفة ببدائل أخرى رخيصة يمكن إنتاجها بأعداد ضخمة، أي يجب تغيير العقيدة العسكرية للتركيز على الكثافة العددية والقدرة على تحمل الاستنزاف المستمر.
مثّل الربع الأول من عام ٢٠٢٦ نقطة انعطاف استراتيجية في توظيف القوة الصلبة وإدارة التفاعلات الجيوسياسية. فبعد عقود اقتصر فيها دور التقنيات الحاسوبية على الإسناد العملياتي—كمعالجة البيانات الاستخباراتية أو توجيه الذخائر الدقيقة—شهد شهرا يناير وفبراير تحولاً بنيوياً تمثل في الانتقال من التخطيط المعتمد على العنصر البشري إلى إدارة سلاسل قتل (Kill Chains) خوارزمية مستقلة تماماً، وقد تبلورت هذه العقيدة رسمياً عبر "استراتيجية تسريع الذكاء الاصطناعي" التي أصدرتها وزارة الحرب الأمريكية (DoW)في ٩يناير ٢٠٢٦؛ بهدف تكريس هيمنة عسكرية أمريكية مطلقة، والانتقال بالجهاز الدفاعي من الأطر البيروقراطية الكلاسيكية إلى آلة حرب تتبنى مقاربة الذكاء الاصطناعي أولاً (AI-First).
وقد ارتكزت هذه العقيدة المستحدثة على محددات صارمة تُعلي من شأن القوة المميتة المطلقة، والسرعة العملياتية الفائقة، والأنظمة الموضوعية التي تضع المهمة فوق كل اعتبار، مع استبعاد تام للمقاربات الاجتماعية والسياسية من معادلة الضبط الخوارزمي، وذلك لضمان التفوق الحاسم في اتخاذ القرار الميداني، وتجلى هذا التحول العقائدي بوضوح عبر تدخلين عملياتيين غير مسبوقين وفائقي الخطورة: الاعتقال خارج الحدود الإقليمية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عبر "عملية العزم المطلق" في يناير ٢٠٢٦، وضربة استئصال القيادة شديدة الفتك ضد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي خلال "عملية المدينة المقدسة الصامتة"، كجزء من عملية "الغضب الملحمي" الأوسع، في فبراير ٢٠٢٦.
حيث أسفر الدمج المعقد للنماذج اللغوية التوليدية (LLMs)، والبنى الديناميكية للبيانات، وخوارزميات التقييم التكتيكي، وأنساق الطيران المسير ذاتي التوجيه، عن إحداث ثورة في معايير السرعة، والدقة، وحسابات التكلفة الجيوسياسية لعمليات تحييد الأهداف عالية القيمة (HVTs) وتؤكد هذه المعطيات بشكل حاسم أن حقبة الذكاء الاصطناعي كأداة إسناد تحليلي خلفية قد طُويت؛ ليبرز اليوم بوصفه المهندس الاستراتيجي الأول للميدان، والمحرك الأساسي للمحاكاة التكتيكية، والموجه المباشر لمسارات "التنفيذ الحركي".
شكلت العمليات العسكرية التي دارت رحاها في يونيو ٢٠٢٥، والتي استمرت لمدة اثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل، نقطة انكسار حادة في مسار التوازن العسكري الإقليمي، حيث أسفرت المواجهة عن تآكل جوهري في البنية التحتية العسكرية لطهران وتكبدها خسائر مادية جسيمة، وقد تجلي عمق هذا الإخفاق العملياتي في الانهيار شبه التام لمنظومة الدفاع الجوي المتكاملة، حيث تشير التقديرات الاستخباراتية المؤكدة إلى نجاح إسرائيل في تحييد ما يربو على ٨٠ بطارية صواريخ "أرض-جو" وتدمير أكثر من ١٢٠ منصة إطلاق، الأمر الذي جرد المجال الجوي الإيراني من غطائه الحمائي وفرض حالة من السيادة الجوية الإسرائيلية المطلقة.
وفي خضم هذا التداعي، فقدت طهران فعلياً كامل ترسانتها من منظومة (S-300PMU2) "إس-300 بي إم يو-2" الروسية الصنع، التي كانت قد تسلمتها في عام ٢٠١٦ بعد مفاوضات مضنية وتكلفة مالية باهظة، إذ دُمرت هذه المنظومات بشكل ممنهج بين عامي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥. كما أثبتت الصناعات الدفاعية المحلية، المتمثلة في منظومتي "باور-373" (Bavar-373) و"خرداد-15" (Khordad-15)، عجزاً عملياتياً واضحاً عند اختبارها في بيئة قتالية حقيقية. مما كشف عن فجوة تقنية واسعة بين القدرات الهجومية الإسرائيلية ووسائل الدفاع الإيرانية فلم يسجل الدفاع الجوي الإيراني إسقاط أي مقاتلة إسرائيلية مأهولة، وقف سلاح الجو الإيراني عاجزاً بترسانته المتقادمة التي تعتمد على إرث ما قبل الثورة من طائرات "إف-14 تومكات" (Grumman F-14 Tomcat) و"فانتوم" و"تايغر"، مدعومة بطائرات (MiG-29) "ميغ-29" من حقبة التسعينيات. هذا العجز التام عن المنافسة أو الردع لم يثبت فشل التكتيكات فحسب، بل وجه ضربة قاضية للمسلمات الاستراتيجية التي قام عليها مذهب الدفاع الإيراني لعقود، والمتمثل في الاعتماد على "الردع الصاروخي غير المتكافئ" وشبكات الدفاع الطبقية الهجينة.
وأمام هذا الواقع الذي شهد تحييد القدرات الصاروخية وتفكيك المظلة الجوية، اضطرت القيادة الإيرانية إلى تبني استراتيجية إعادة ضبط ما بعد الحرب، مدشنة حملة استحواذ عاجلة تهدف إلى سد الفجوة التكنولوجية عبر التوجه شرقاً نحو روسيا والصين لترميم الردع المفقود، ويبقى السؤال الجوهري الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط هل ينجح هذا "الردع الهجين" -المكون من صواريخ محلية وأسلحة مستوردة غير مدمجة كلياً- في الصمود أمام خصم أثبت بالفعل امتلاكه الجرأة والقدرة على توجيه ضربات مدمرة في العمق الإيراني.
تجاوزت قضية الضفة الغربية كونها مجرد ملف من ملفات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لتغدو محكاً حقيقياً لتماسك القانون الدولي وأسس الردع التي استند إليها النظام العالمي عقب الحرب العالمية الثانية. ففي التاسع من فبراير ٢٠٢٦، صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغّر (الكابينت) على حزمة تدابير استثنائية ترمي لترسيخ الهيمنة الإسرائيلية على الضفة، وتضمنت هذه التدابير إنهاء الحظر التاريخي لبيع الأراضي لليهود، من خلال إلغاء العمل بالقانون الأردني الذي يمنع بيع أملاك الفلسطينيين لليهود، ورفع السرية عن السجلات العقارية ، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، إضافة إلى توسيع صلاحيات الرقابة والهدم لتشمل مناطق "أ" و"ب" الخاضعة للسلطة الفلسطينية وفق اتفاقية أوسلو.
ومن شأن هذه القرارات إحداث تحولات جوهرية في نظم تسجيل العقارات وتداولها، إذ تتيح الإفصاح العلني عن هويات الملاك، مما يفتح المجال للمشترين الإسرائيليين للتفاوض المباشر معهم، مسهلاً بذلك وتيرة الاستحواذ وتمدد الاستيطان في كافة أرجاء الضفة. وفي هذا السياق، عدّ مجلس المستوطنات "ييشع" هذه الخطوات "الأكثر مفصلية منذ ثمانية وخمسين عاماً"، معتبراً إياها إعلاناً حكومياً فعلياً عن استعادة أرض إسرائيل لشعبها. ولا تمثل هذه التحركات واقعة منفصلة، بل هي حلقة ضمن مسار متصاعد أعاد صياغة أسس الصراع جذرياً خلال العامين المنصرمين، مفرزاً واقعاً مغايراً يستدعي مقاربة تحليلية تتخطى القوالب التقليدية.