ثلاث عقود من الغياب: لماذا لا يصل العرب إلى قيادة الأمم المتحدة؟
البرامج البحثية

ثلاث عقود من الغياب: لماذا لا يصل العرب إلى قيادة الأمم المتحدة؟

منذ مغادرة الدبلوماسي المصري بطرس غالي لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة عام ١٩٩٦، بسبب اعتراض -فيتو- أمريكي منع تجديد ولايته، غاب الحضور العربي عن هذا المنصب الرفيع لقرابة ثلاثة عقود. هذا الغياب الطويل ليس مجرد صدفة، ولا يعود لغياب الكفاءات والخبرات الدبلوماسية العربية كما يعتقد البعض. بل هو في الحقيقة نتيجة لتقاطع إجراءات الترشح المٌعقدة داخل الأمم المتحدة مع حسابات القوى العالمية، والتي تشكل معاً حاجزاً يمنع وصول مرشحين عرب جدد لقيادة المنظمة.   وتعود جذور هذه المشكلة إلى طريقة التقسيم الداخلي للأمم المتحدة وقواعد التناوب بين القارات. فالنظام الانتخابي لا يتعامل مع الدول العربية ككتلة جغرافية واحدة، بل يقسمها بين "المجموعة الأفريقية" و"مجموعة آسيا والمحيط الهادئ". هذا التقسيم يضعف القوة التصويتية للعرب؛ فعندما يحين دور إفريقيا أو آسيا لتولي المنصب، يضطر المرشح العربي لمنافسة دول كبرى ذات ثقل سياسي وتعداد سكاني ضخم داخل هاتين القارتين، مما يجعل من الصعب الحصول على الدعم والإجماع الإقليمي اللازم لنجاحه.   إلى جانب هذا التقسيم الداخلي، تلعب الخلافات بين القوى الكبرى في مجلس الأمن دوراً حاسماً. فمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد ساحة رئيسية لتنافس هذه القوى، مما يجعل أي مرشح عربي خاضعاً لحسابات سياسية دقيقة ومشددة من قبل الدول الخمس دائمة العضوية. وبما أن الفوز بالمنصب يتطلب بالضرورة تجنب استخدام أي من هذه الدول لحق "الفيتو"، يصبح من الصعب جداً إيجاد مرشح يحظى برضا جميع الأطراف المتنافسة، خاصة وأن كل مرشح يُقيَّم بناءً على علاقات دولته وتحالفاتها العالمية. لذا، يسعي هذا التحليل إلى تفكيك شيفرة هذا الغياب الممتد فهل يُعد إحجام العواصم العربية عن خوض سباق الترشح خلال العقود الأخيرة تراجعاً واعترافاً بالعجز الدبلوماسي، أم أنه يمثل في واقعه انسحاباً تكتيكياً وقراراً استراتيجياً مدروساً لتجنب خوض معارك انتخابية صُممت قواعدها مسبقاً لاستبعاد مرشحي مناطق التماس الجيوسياسي المشتعلة؟
جائزة ترامب: كيف نصَّبت حزمة تعريفات يوليو 2026 الشرق الأوسط كمركز صناعي عالمي
البرامج البحثية

جائزة ترامب: كيف نصَّبت حزمة تعريفات يوليو 2026 الشرق الأوسط كمركز صناعي عالمي

شهد النظام التجاري العالمي تحولًا جذريًا في شهر يوليو من عام 2026، إذ تخلت الولايات المتحدة عن سياسات الحماية القطاعية المحدودة لتتبنى هيكلًا تعريفيًا معقدًا ومتعدد الطبقات، جاعلة من حق الوصول إلى سوقها المحلية أداة للضغط الاقتصادي والسياسي. إذ شهد هذا الشهر تزامن أربعة قرارات كبرى، شملت الإلغاء التام لإعفاء الحد الأدنى الذي كان يسمح بدخول الشحنات الصغيرة التي تقل قيمتها عن ثمانمائة دولار دون رسوم جمركية، وتطبيق تعريفات البند 301 المرتبطة بالعمل القسري ضمن مستويين مختلفين يفرضان رسومًا بنسبة 10% و12.5% استنادًا إلى مدى التزام الدول الشريكة. بالإضافة إلى تفعيل البند 338، وهو نص قانوني ظل خاملًا منذ أربعينيات القرن الماضي، لفرض رسوم بنسبة 50% على مجموعة من السلع الكندية، مع إقرار زيادات تصاعدية تبلغ 200% على واردات الأدوية الجنسية.   ولم تقتصر تداعيات هذه الحزمة على رفع الرسوم الجمركية فحسب، بل امتدت لتشكل إعادة هندسة شاملة لقواعد المنشأ ومتطلبات الامتثال الجمركي، مما أدى إلى تغيير حسابات التكلفة لدى جميع المصنعين والموردين عبر سلاسل الإمداد. ودفع هذا الواقع الجديد الشركات إلى البحث عن مسارات بديلة لا تهدف إلى خفض تكلفة النقل وحسب، بل تسعى لتغيير هوية بلد المنشأ ذاتها لتجنب الرسوم العقابية، وهو ما جعل منطقة الشرق الأوسط تتحول من مجرد ممر تجاري عابر إلى عقدة صناعية ولوجستية مرشحة للعب دور محوري في خريطة التجارة العالمية الجديدة.   لذلك، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك آثار حزمة يوليو 2026 على ثلاثة مستويات متصلة: كلفتها الداخلية على الاقتصاد الأمريكي من حيث التضخم واحتكاك الامتثال وجدوى إعادة التصنيع، ثم إعادة اصطفاف الشركاء التجاريين وما ينجم عنها من تحويل لمسارات التجارة وتسرّب لقواعد المنشأ، وأخيرًا انعكاساتها المباشرة على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع تقديرات كمية لاتجاهات الأسعار والاستثمار والحركة الملاحية حتى نهاية العقد.
كٌلفة الحرب: الكٌلفة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران عام 2026
الإصدارات
24 يوليو 2026

كٌلفة الحرب: الكٌلفة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران عام 2026

تقدّر هذه الدراسة الكٌلفة الاقتصادية للحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026، وشهدت هذه الحرب توجيه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات عسكرية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأغلقت إيران مضيق هرمز رداً على هذه الضربات. قبل أن تنحسر الأعمال القتالية بموجب مذكرة إسلام آباد المؤرخة في 17 يونيو 2026. واستنادًا إلى إطار تحليلي قائم على المعادلات الرياضية، تُحتسب جميع التكاليف بالدولار الأمريكي الثابت لعام 2026، وتُقسم الدراسة هذه التكاليف إلى خسائر مباشرة وخسائر غير مباشرة. وتوزع الدراسة هذه الخسائر على فترتين زمنيتين، حيث تشمل الفترة الأولى الأجل القصير حتى نهاية عام 2026، وتشمل الفترة الثانية الأجل المتوسط حتى نهاية عام2030 .   وتظهر النتيجة الرئيسة للدراسة في وجود تفاوت كبير في توزيع الكٌلفة الاقتصادية للحرب بين الأطراف المختلفة. فقد تكبدت إيران خسائر اقتصادية ضخمة تعادل نحو أربعة أخماس ناتجها الاقتصادي المسجل قبل الحرب. بينما تعرضت إسرائيل لصدمة اقتصادية حادة لكنها قابلة للاحتواء والتعافي. أما الولايات المتحدة، فقد تكبدت كلُفة محدودة على مستوى اقتصادها الكلي، لكنها واجهت عبئًا ماليًا كبيرًا يمتد أثره لسنوات. وفي المقابل، سجل الاقتصاد العالمي الخسارة المطلقة الأكبر بين جميع الأطراف، تحملتها في معظمها الدول المستوردة للنفط التي لم تكن طرفًا في النزاع، وليس أيًا من الدول المتحاربة.    وتفصل الدراسة بوضوح بين ارتفاع أسعار النفط، الذي تصدر التغطية الإعلامية، وبين التكلفة الاقتصادية الفعلية للحرب. وتعتبر الدراسة أن هذا الارتفاع في الأسعار يمثل إعادة توزيع للدخل، ولا يمثل خسارة اقتصادية صافية. وعادت أسعار النفط لاحقاً إلى مستوياتها المسجلة قبل الحرب، مما جعل النتيجة النهائية لهذا الارتفاع تعادل صفراً على المستوى العالمي. ويتمثل العبء الاقتصادي الفعلي للحرب في حجم الناتج الاقتصادي المفقود بسبب الاضطرابات التي نتجت عن النزاع.
باب المندب في قلب الأزمة: هل يدفع الحصار الحوثي باكستان إلى مواجهة مع إيران؟
البرامج البحثية

باب المندب في قلب الأزمة: هل يدفع الحصار الحوثي باكستان إلى مواجهة مع إيران؟

يشهد الشرق الأوسط أزمة جيوسياسية جديدة تتركز حول مضيق باب المندب بعد اعلان جماعة الحوثي في اليمن في ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية، تطبيقاً لمبدأ تسميه الجماعة "الحصار بالحصار"، ويأتي هذا الإجراء بوصفه ردًا مباشرًا على القيود التي فرضتها السعودية على المطارات والموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ولا سيما مطار صنعاء وموانئ الحديدة، وجاء هذا القرار بعد تصعيد عسكري شمل توجيه ضربات إلى مطار صنعاء، وإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة نحو مطارات سعودية.   ويهدف الحوثيون من هذا الإغلاق إلى نقل كلفة الحصار من الداخل اليمني إلى مسار حيوي للسعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب عبر إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن التي ترفع العلم السعودي أو السفن المتجهة إلى السعودية، كما يتزامن هذا الإغلاق مع الاضطراب الذي يشهده مضيق هرمز بسبب حرب الإيرانية الأمريكية الجارية، حيث بلغت نسبة اعتراض الحرس الثوري للسفن التي تمر عبر المضيق نحو ٨٩٪. وهو ما دفع المملكة خلال الأشهر الأربعة الماضية إلى تحويل مسار صادراتها النفطية نحو الغرب، إذ نقلت ٤٫٥ مليون برميل من النفط يومياً عبر خط أنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر لتوفير ممر بديل بزيادة تقارب ٥ أضعاف الفترة قبل بدء الحرب.   وعلى صعيد آخر، تواجه باكستان موقفًا استراتيجيًا معقدًا بسبب هذه التطورات، إذ ترتبط إسلام آباد باتفاقية دفاع استراتيجي مشترك مع المملكة العربية السعودية وُقِّعت في سبتمبر ٢٠٢٥، فضلًا عن وجود قوات باكستانية متمركزة في المملكة. وتنص هذه الاتفاقية على أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداءً على الأخرى، بينما تؤدي إسلام آباد في الوقت نفسه دور الوسيط الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، وقد رعت توقيع مذكرة تفاهم لوقف إطلاق النار بين الطرفين في يونيو ٢٠٢٦. وفي هذا السياق، ينظر المسؤولون الباكستانيون إلى الهجمات على السعودية باعتبارها خطًا أحمر، الأمر الذي يجعل الحصار البحري ليس مجرد مشكلة تمس الأمن السعودي، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة باكستان على الموازنة بين دورها كوسيط مع طهران والتزاماتها العسكرية تجاه الرياض. ويضع هذا التضارب القيادة الباكستانية أمام تحدٍ واضح، ويطرح تساؤلًا مهمًا حول ما إذا كانت ستستمر في موقفها المحايد، أم ستتجه إلى موقف أكثر صرامة إذا تطورت الأزمة إلى مواجهة إقليمية تمس مصالح شريكها السعودي.
غلقٌ بعد غلق: الأثر المُحتمل لتهديدات الحوثيين للملاحة السعودية في باب المندب
البرامج البحثية

غلقٌ بعد غلق: الأثر المُحتمل لتهديدات الحوثيين للملاحة السعودية في باب المندب

وضعت أحداث عام ٢٠٢٦ أسواق الطاقة العالمية أمام اختبارٍ مرونة غير مسبوق، فبعد أن أخرج الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز (Strait of Hormuz) في فبراير نحو 13 مليون برميل يوميًا من الإمداد المتاح، اتجهت السعودية بمعظم صادراتها غرباً إلى البحر الأحمر، لتجد هذا المخرج ذاته مهدَّداً بعدما هدد الحوثييون في 20 من يوليو بفرض حصاراً بحرياً على مضيق باب المندب يستهدف الملاحة السعودية، وبذلك بات نفط المملكة مُهددًا لأول مرة في تاريخها الحديث مُهددًا بين الممرّين الملاحيّين اللتان تطل عليهما، بالتالي تحوّل سؤال "ماذا لو تعطلت الملاحة عبر باب المندب؟" من افتراضٍ نظري إلى احتمالٍ عملي، غير أن الإجابة ليست رقماً واحداً، بل تتوقّف على حجم الفاقد ونوع الشحنات المحتجَزة وقدرة الأسواق على إعادة توجيهها.   لذلك، يهدف هذا التحليل إلى قياس أثر إغلاق باب المندب قياساً كمّياً عبر ثلاثة سيناريوهات متدرّجة للتوقّف، وتفكيك آليّة انتقال الصدمة من احتجاز الشحنات إلى قفزة الأسعار، ثم تتبّع تبعاتها غير السعرية على المشتقات المكرّرة وقطاع الطيران والنقل البحري، وصولاً إلى المفارقة المالية التي تجعل الضرر الأكبر على السعودية كامناً في السيناريو المتوسط وليس التوقف الكامل.
ورقة الظل عدد 2: معضلة الصواريخ الباليستية والمسيرات
الإصدارات
21 يوليو 2026

ورقة الظل عدد 2: معضلة الصواريخ الباليستية والمسيرات

يُمثل البرنامج الصاروخي ومنظومة الطائرات المسيّرة الإيرانية أحد أبرز المحددات الأمنية في الشرق الأوسط. فقبل اندلاع المواجهات العسكرية في فبراير 2026، امتلكت إيران أكبر مخزون من الصواريخ الباليستية في المنطقة، قُدّر –وفق تباين التقديرات– بما يتراوح بين 2500 و6000 صاروخ بعيد المدى، قادرة على استهداف العمق الإسرائيلي بسرعات تقارب 17 ألف كيلومتر في الساعة. وتزامن ذلك مع تكريس طهران لمكانتها كدولة رائدة في تطوير الطائرات المسيّرة، لا سيما طرازات "شاهد" المتعددة، ومسيّرات "كرار"، وأحدث إصدارات "كمان" المُعلن عنها في يناير 2026.   وقد تجلت محورية هذه القدرات حين شكلت أولوية قصوى للضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال الحرب؛ إذ استُهدفت مصانع الإنتاج، ومواقع التخزين، ومنصات الإطلاق، بهدف تقويض قدرات الردع الإيرانية وتحييد خطرها عن إسرائيل. وجاء هذا التصعيد الميداني متسقاً مع التوجه الأمريكي قبل الحرب، والذي لوّح بمنع طهران من امتلاك الصواريخ الباليستية وضرورة دمج هذا الملف ضمن المفاوضات النووية، وهو ما تُرجم فعلياً عبر استهداف متزامن للبنية التحتية لكلا البرنامجين؛ الصاروخي والنووي.   ولكن مع انطلاق مسار التفاوض، أضافت "مذكرة إسلام آباد" بُعداً استراتيجياً جديداً لهذه الإشكالية. فعلى عكس التوقعات بدمج القدرات العسكرية في الاتفاق الأولي، استُبعد ملف الصواريخ والمسيّرات من نص التفاهم المبدئي. وأعلنت إدارة الرئيس ترامب تراجعها عن موقفها السابق، مشيرة إلى عدم سعيها لمنع طهران من إعادة بناء قدراتها الصاروخية، استناداً إلى حقها السيادي في الدفاع عن النفس. ويعكس هذا التحول "مقايضة استراتيجية" تعتمد على التغاضي المؤقت عن البرنامج الصاروخي مقابل احتواء البرنامج النووي، وتقييد تمويل الفصائل المسلحة في المنطقة.   إن هذا الاستبعاد لا يُعد مجرد إجراء تفاوضي شكلي، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول مسار فترة "الستين يوماً" الانتقالية، واستراتيجية الطرفين بعدها. ويتطلب هذا المشهد تقييماً يتجاوز قياس الخسائر الميدانية، لفهم كيف تحولت هذه المنظومات من مجرد أدوات تسليح إلى ركيزة أساسية في معادلات القوة تفرض نفسها على الحسابات الإقليمية.    تم كتابة هذا العدد بتاريخ ٢ يوليو ٢٠٢٦
من الطقس إلى مضيق هرمز: كيف يمكن أن تبدأ أزمة الغذاء القادمة؟
البرامج البحثية

من الطقس إلى مضيق هرمز: كيف يمكن أن تبدأ أزمة الغذاء القادمة؟

نادراً ما يواجه النظام الغذائي العالمي صدمتين هيكليتين متزامنتين بهذه الدرجة من التأثير. ففي فبراير 2026، أدى إغلاق مضيق هرمز، في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلى تعطيل أحد أهم الشرايين العالمية لتدفقات الطاقة والأسمدة والسلع الغذائية، بما هدد سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها عدد كبير من الدول المستوردة. وفي الوقت نفسه، كانت ظاهرة "النينيو" تتجه نحو مرحلة أكثر حدة، وهي ظاهرة مناخية دورية تنجم عن ارتفاع حرارة المياه السطحية في المحيط الهادئ الاستوائي، وتؤدي إلى اضطراب أنماط الطقس العالمية، بما في ذلك موجات الجفاف، وضعف الرياح الموسمية، وتراجع الظروف الملائمة للإنتاج الزراعي في مناطق واسعة من العالم. وتشير التقديرات المناخية إلى أن مسار تطورها الحالي قد يجعلها من بين أقوى موجات "النينيو" المسجلة منذ بدء الرصد المناخي.   ويكفي أي من هذين الاضطرابين، منفرداً، لفرض اختبار بالغ الصعوبة على منظومة الغذاء العالمية. غير أن تزامنهما يخلق نمطاً مختلفاً من المخاطر، إذ تتفاعل الصدمة الجيوسياسية مع الصدمة المناخية في وقت يعاني فيه الشرق الأوسط أصلاً من هشاشة هيكلية تحد من قدرته على امتصاص الاضطرابات الخارجية. ويزداد هذا المشهد تعقيداً في عام 2026 مع تراكب هاتين الصدمتين على أزمة ممتدة في أسواق الأسمدة العالمية، وهو اقتران لم تشهده موجات "النينيو" السابقة. ومن ثم، لم يعد التحدي يقتصر على تقدير الآثار المنفصلة لكل من اضطراب هرمز أو ظاهرة "النينيو"، بل أصبح يتمثل في فهم الكيفية التي قد يؤدي بها تفاعلهما إلى مضاعفة الضغوط على الأمن الغذائي الإقليمي، وإلى أي مدى تستطيع دول الشرق الأوسط احتواء تداعيات صدمة مركبة بهذا الحجم.
أزمة مضيق هرمز: قراءة في تصعيد الثاني عشر من يوليو ٢٠٢٦
البرامج البحثية

أزمة مضيق هرمز: قراءة في تصعيد الثاني عشر من يوليو ٢٠٢٦

شهد مضيق هرمز في الثاني عشر من يوليو ٢٠٢٦ واحدةً من أخطر لحظات تصعيده منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإيرانية مطلع العام، بعدما أعلن الحرس الثوري الإيراني (IRGC) إغلاق المضيق «حتى إشعارٍ آخر» وشرع في استهداف السفن التجارية العابرة. جاء هذا الإعلان تتويجًا لانهيار مذكرة التفاهم (MoU) التي وُقّعت في يونيو برعايةٍ باكستانية، والتي منحت نافذةً من ستين يومًا للتفاوض على الوضع الدائم للممر. ردّت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) بحملةٍ جوية ضربت أكثر من ثلاثمائة هدفٍ إيراني خلال اثنتين وسبعين ساعة، بينها نحو مائةٍ وأربعين هدفًا في ليلةٍ واحدة. لم يبقَ التصعيد حبيس المسرح البحري، إذ وسّعت طهران بنك أهدافها ليشمل عددًا من الدول العربية الكويت والإمارات والبحرين وقطر والأردن وعُمان، في محاولةٍ لوتسيع دائرة الصراع. تزامن ذلك مع قفزةٍ جديدة في أسعار النفط أعادت مخاطر الطاقة إلى صدارة المشهد الاقتصادي العالمي، ليتحول أهم ممرات الملاحة في العالم مجددًا إلى بؤرةٍ للاضطراب الجيوسياسي.   لذلك، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك المشهد الراهن في مضيق هرمز عبر ثلاثة محاور مترابطة: رصد تطوّر الهجمات على الملاحة واتساع رقعتها من البحر إلى العمق الخليجي، وتشخيص وضع المفاوضات المتعثّرة ومقترح الممر المزدوج العُماني، ثم استشراف المآلات المحتملة للأزمة وتداعياتها على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
مثلث التناقضات: كيف خلط الاعتراف الإسرائيلي بمذابح الأرمن أوراق القوقاز؟
البرامج البحثية

مثلث التناقضات: كيف خلط الاعتراف الإسرائيلي بمذابح الأرمن أوراق القوقاز؟

التزمت إسرائيل -لأكثر من ثلاثة عقود- بسياسة الغموض الاستراتيجي تجاه مذابح الأرمن، مفضلةً الامتناع عن الاعتراف الرسمي بها، رغم تعالي الأصوات الداخلية —برلمانياً وأكاديمياً— المطالبة باتخاذ موقف حاسم. لم يكن هذا التردد الإسرائيلي عشوائياً، بل كان نتاج حسابات براغماتية دقيقة تهدف إلى حماية شبكة معقدة من المصالح الحيوية؛ إذ مثّل هذا الصمت ضمانة لاستمرار التحالفات الوثيقة مع كل من أنقرة وباكو، وحافظ على شريان تدفق النفط، وتأمين طرق النقل التجاري، فضلاً عن حماية التواجد الاستخباراتي الإسرائيلي الحساس على التخوم الإيرانية.   لكن المشهد تبدل جذرياً في يونيو عام ٢٠٢٦، حين اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً يتبنى رسمياً توصيف الإبادة الجماعية. هذا التحول المفاجئ فجّر غضباً أذربيجانياً غير مسبوق، حيث سارعت باكو إلى إدانة الخطوة بشدة، واصفةً إياها بـتشويه للحقائق التاريخية وافتقاراً لأي أساس قانوني أو علمي، ومطالبةً إسرائيل بمراجعة موقفها فوراً. في هذه اللحظة، تجلت ملامح مثلث التناقضات بوضوح: فبينما تُسوّق إسرائيل قرارها بغلاف أخلاقي، تكشف الوقائع عن دوافع سياسية وانتقامية محضة. هكذا، زجّت تل أبيب بنفسها في مواجهة مكشوفة مع تركيا، وصدام مكتوم مع أذربيجان، في وقت تقف فيه إيران متربصة لالتقاط أي فرصة تُمكّنها من تقليص النفوذ الإسرائيلي الخانق على حدودها الشمالية.
ورقة الظل عدد 1: لماذا بات مضيق هرمز الورقة التفاوضية الأثقل وزنًا؟
الإصدارات
1 يوليو 2026

ورقة الظل عدد 1: لماذا بات مضيق هرمز الورقة التفاوضية الأثقل وزنًا؟

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري عليه خلاف، ولا مجرد نقطة صراع متكررة بين إيران والولايات المتحدة، بل تحول إلى ساحة أساسية لاختبار معنى السيادة في المنطقة. فبينما تصر واشنطن على اعتبار المضيق ممراً دولياً تحكمه قواعد حرية الملاحة، يتعامل الحرس الثوري الإيراني معه كمنطقة سيادية تخضع لإدارته المباشرة، وتخضع لقواعد عسكرية يفرضها هو على أرض الواقع. ومن هنا، فإن أساس الأزمة لم يعد يتركز على سؤال: "هل المضيق مفتوح أم مغلق؟"، بل أصبح السؤال الأهم: ما هو مستقبل المضيق في ظل المفاوضات الجارية؟   وتكشف التطورات الأخيرة، خاصة بعد تلويح الحرس الثوري الإيراني بإغلاق المضيق رداً على ما سماه انتهاك ببنود مذكرة التفاهم وخاصة فيما يتعلق بالحالة اللبنانية بعد أيام من توقيع مذكرة التفاهم، أن المشكلة لم تُحل، بل زاد تعقيدها. فقد تعاملت المذكرة مع المضيق كمسألة فنية يمكن إدارتها عبر ترتيبات للفتح والعبور لمنع الاحتكاك، بينما تعامل الحرس الثوري معه كرمز للسيادة والقوة وحق وضع القواعد. هذا الاختلاف جعل التفاهم نفسه عاجزاً عن إنهاء النزاع الحقيقي؛ لأن الخلاف بين الطرفين ليس على تفاصيل الإجراءات، بل على من يملك السلطة لاتخاذ هذه الإجراءات من الأساس.   وعلى الرغم من اتفاق الولايات المتحدة وإيران على إعادة فتح مضيق هرمز فوراً عقب توقيع الاتفاق المبدئي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية قبل الحرب. فتنفيذ هذا البند يواجه تحديات معقدة تتعلق بآلية إعادة تشغيل الممر الملاحي، والترتيبات اللازمة لاستئناف حركة السفن، والقيود التي قد تستمر خلال فترة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على الاتفاق النهائي، فضلاً عن الخلاف حول الجهة التي ستتولى تنظيم وإدارة حركة المرور البحري داخل المضيق. وتكشف هذه التحديات أن إعادة فتح المضيق قد تتحول إلى إحدى أكثر نقاط الاتفاق تعقيداً، في ظل استمرار التباين بين الرؤية الأمريكية والإيرانية بشأن مستقبل السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي.   لذلك، لا تبدو أزمة هرمز مجرد أزمة حدود أو عبور سفن، بل هي أزمة سلطة: سلطة من يضع القواعد، ومن يفرض الاستثناءات، ومن يملك الكلمة الأخيرة ليقرر ما إذا كان هذا الممر مفتوحاً، أو مغلقاً، أو مشروطاً. ولهذا السبب، لا يجب النظر إلى قضية المضيق اليوم كملف جانبي في الصراع الأمريكي-الإيراني، بل يجب اعتبارها من أهم القضايا التي تشكل وتغير مفهوم السيادة، سواء داخل إيران نفسها، أو في شكل العلاقة بين القوى الإقليمية والدولية.
صعود أنقرة الدفاعي: مسار جديد داخل حلف الناتو؟
البرامج البحثية

صعود أنقرة الدفاعي: مسار جديد داخل حلف الناتو؟

تجاوز صعود تركيا، بوصفها قوة صناعية دفاعية، مجرد كونه تفصيلاً ثانوياً في سياسات حلف الناتو؛ ليغدو تحولاً هيكلياً عميقاً يلقي بظلاله على طرق تجهيز الحلف، وتوجهات القوى الإقليمية نحو تنويع مصادر تسليحها، فضلاً عن كيفية ممارسة النفوذ الاستراتيجي بين أوروبا، والولايات المتحدة، والشرق الأوسط. وفي حين يتركز النقاش العام حول الناتو على مسألتي تقاسم الأعباء والتهديدات الخارجية، يتكشف بهدوء تحول استراتيجي موازٍ؛ إذ تؤسس تركيا ممراً صناعياً يربط بين احتياجات الحلف، وأسواق التصدير الإقليمية، وطموحاتها التكنولوجية الوطنية.   وتكتسب هذه التحولات أهمية مضاعفة مع الاستعدادات الجارية لاستضافة أنقرة القمة السادسة والثلاثون في السابع والثامن من يوليو لعام ٢٠٢٦. ولا تقتصر أهمية هذه القمة المرتقبة على الجمع السياسي للقادة، بل تبرز الدور المتنامي لقطاع الدفاع التركي الذي شهد توسعاً ملحوظاً وتطوراً نوعياً في الآونة الأخيرة، فقد نجحت أنقرة في توظيف هذا التطور لتوسيع قاعدة عملائها الاستراتيجيين؛ لتشمل أسواقاً حيوية في أوروبا، والخليج العربي، وأفريقيا، وآسيا.   ولا يسفر هذا المسار المتسارع عن إيجاد بديل لحلف الناتو، كما لا يشكل تكتلاً مناهضاً للغرب من الداخل، بل يفرز واقعاً استراتيجياً أكثر تعقيداً وأهمية يتمثل في تقديم مصدر بديل وموثوق للقدرات العسكرية داخل منظومة الحلف ذاتها، تلجأ إليه الدول بشكل متزايد كلما واجهت تباطؤاً، أو قيوداً سياسية، أو عوائق إجرائية من قِبَل واشنطن أو بروكسل. وبذلك، لا تسعى أنقرة إلى بناء تحالف منافس، بل تشق مساراً صناعياً وتسليحياً مرناً ضمن التحالف القائم.
بورصة تل أبيب: لماذا صعدت في الحرب وتراجعت مع التهدئة؟
البرامج البحثية

بورصة تل أبيب: لماذا صعدت في الحرب وتراجعت مع التهدئة؟

تكشف بورصة تل أبيب (Tel Aviv Stock Exchange – TASE) عن واحدةٍ من أكثر الحالات إثارةً للاهتمام في الاقتصاد السياسي المعاصر، إذ تحوّلت خلال أقل من ثلاثة أعوام من سوقٍ محلية مكبوحة إلى أداةٍ مالية بالغة الحساسية تُسعّر مخاطر الشرق الأوسط لحظةً بلحظة. إذ شهدت الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 إلى يونيو 2026 أعنف صدمة أمنية في تاريخ إسرائيل الحديث، ومع ذلك سجّلت مؤشراتها الرئيسية عوائد قياسية جعلتها الأسرع صعودًا في العالم خلال عامي 2024 و2025، قبل أن تنقلب فجأة نحو تصحيحٍ حاد في منتصف 2026. يطرح هذا المسار المتناقض سؤالًا جوهريًا: عن كيفية استجابة رأس المال — المحلي والأجنبي على السواء — حين تتشابك فوهات البنادق مع المؤشرات المالية والاقتصادية؟ ولماذا تباعدت إشارات سوق السندات عن سوق الأسهم في اللحظة ذاتها؟ يتتبّع هذا التحليل العلاقة الدقيقة بين الأحداث العسكرية والدبلوماسية من جهة، وحركة التدفقات الرأسمالية وعلاوة المخاطر السيادية من جهةٍ أخرى، ليكشف عن منطقٍ مالي جديد بات يحكم تسعير المخاطر الحالة.   لذلك، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك ثلاثة مستوياتٍ متشابكة: أولها آليّة الصدمة الأولى وكيفية تدخّل السُلطات المالية والنقدية لاحتواء هروب رأس المال، وثانيها مفارقة اقتصاد الحرب التي اجتمع فيها تخفيض التصنيف الائتماني مع طفرةٍ غير مسبوقة في الأسهم، وثالثها انعكاس عام 2026 الذي أعاد تسعير المخاطر الجيوسياسية عقب التحوّلات الدبلوماسية، وصولًا إلى استشراف المسارات المُحتملة للسوق حتى عام 2028.