جزيرة خرج: نقطة اللاعودة
البرامج البحثية

جزيرة خرج: نقطة اللاعودة

تقوم البنية الاقتصادية للجمهورية الإسلامية في إيران على مفارقة جوهرية؛ فبرغم أن عقودًا من العقوبات الدولية قلّصت اندماجها الرسمي في أسواق الطاقة العالمية على نحو منهجي، فإن الدولة لا تزال تعتمد، في جوهر قدرتها التصديرية، على عدد محدود للغاية من القنوات الحيوية. وفي قلب هذه المعادلة تتموضع جزيرة خرج بوصفها الركيزة التشغيلية الأهم في منظومة تصدير النفط الإيرانية، إذ تمر عبرها النسبة الأكبر من صادرات البلاد من النفط الخام، بما يجعلها نقطة ارتكاز يصعب تعويضها داخل الاقتصاد الإيراني. وخلال المرحلة الماضية، انصبّ تركيز السياسات الغربية على فرض ضغوط تنظيمية على هذه المنظومة، من خلال العقوبات التي رفعت تكاليف المعاملات، وعقّدت ترتيبات الشحن والتمويل، وفرضت خصومات سعرية على النفط الإيراني. غير أن الانتقال من هذا النمط القائم على الاستنزاف التدريجي إلى التعطيل الحركي المباشر، وتحديدًا في سيناريو تتعرض فيه جزيرة خرج لضربات أميركية أو من أطراف حليفة، لا يمثل مجرد تصعيد عسكري، بل تحولًا نوعيًا خطيرًا في طبيعة الصراع ذاته.   لن يقتصر أثر هذا السيناريو على تعطّل مؤقت في الإمدادات، بل سيمثل ضربة مباشرة لآلية توليد الإيرادات الأساسية في إيران. ومن هنا يبرز سؤال تحليلي بالغ الأهمية: ماذا يحدث عندما يفقد النفط دوره بوصفه الركيزة الاقتصادية الرئيسية للدولة، لا نتيجة تحولات تدريجية في السياسات، بل بفعل توقف مادي ومفاجئ في قدرة البلاد على التصدير؟ في هذه الحالة، لن يقتصر الأثر على تراجع الموارد فحسب، بل سيمتد إلى إعادة تشكيل أعمق لبنية الدولة نفسها، مع انتقالها من نموذج ريعي مركزي إلى اقتصاد أكثر تشتتًا يقوم على الشبكات وتحكمه الندرة.
متي تنتهي الحرب: قراءة في اتجاهات الرأي العام العربي والعالمي
البرامج البحثية
1 أبريل 2026

متي تنتهي الحرب: قراءة في اتجاهات الرأي العام العربي والعالمي

تستكشف هذه الدراسة الاستطلاعية التي أُجريت في مارس 2026، اتجاهات الرأي العام حول الحرب الجارية ومساراتها المحتملة، مع التركيز على التوقعات المتعلقة بمدتها ونتائجها وتداعياتها الإقليمية والدولية الأوسع. وتكشف النتائج عن مستوى مرتفع من عدم اليقين، إذ لا يظهر توافق واضح حول كيفية انتهاء النزاع أو توقيته، بما يعكس تعقيد المشهد وسيولته.
ماذا لو: أغلق الحوثيون مضيق باب المندب؟
البرامج البحثية
31 مارس 2026

ماذا لو: أغلق الحوثيون مضيق باب المندب؟

مع انزلاق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بعيدًا عن أهدافها الأولى غير المحسومة، من قبيل تغيير النظام في طهران وتفكيك قدراتها الصاروخية والنووية، أخذت أولويات الصراع نفسها تعيد تشكيل ملامحها على نحو واضح. فقد نجحت إيران في دفع المواجهة خارج إطارها العسكري المباشر، وتحويلها إلى أزمة ذات امتدادات دولية أوسع، بما أعاد توجيه الاهتمام العالمي من سؤال الحسم العسكري إلى سؤال احتواء الارتدادات الاقتصادية الكارثية. وفي صدارة هذه الارتدادات، يبرز هاجس أمن الطاقة وضمان استمرار تدفقات النفط، في خضم ما يُعد واحدة من أخطر أزمات الطاقة في التاريخ الحديث. ومن ثم، لم يكن مستغربًا أن يتركز قدر كبير من الاهتمام الدولي على مضيق هرمز، بالنظر إلى موقعه المحوري في معادلة الإمدادات العالمية.   ويمثّل هذا الممر الملاحي الحيوي شريانًا رئيسيًا في منظومة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للنفط السائل، إلى جانب نسبة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم. غير أن دخول الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران، في معادلة الحرب، أضاف بُعدًا جديدًا إلى مشهد إقليمي بالغ الهشاشة، ووسّع نطاق التهديدات التي تواجه صادرات النفط ومسارات الملاحة البحرية في المنطقة. وبحكم سيطرتهم الفعلية على مضيق باب المندب، يمتلك الحوثيون القدرة على إرباك حركة الشحن عبر البحر الأحمر وخليج عدن، بما ينذر باضطراب يتجاوز الإطار الإقليمي ليطال دوائر التجارة والطاقة العالميتين. وفي ضوء ذلك، تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية: لماذا اختار الحوثيون هذه اللحظة تحديدًا للانخراط في الحرب؟ وما الشروط التي قد تدفعهم إلى تصعيد دورهم بدرجة أكبر؟ ثم ما التداعيات المحتملة إذا أُغلق هذا المضيق؟
ماذا لو: استهدفت إيران كابلات الإنترنت في الخليج العربي؟
الإصدارات

ماذا لو: استهدفت إيران كابلات الإنترنت في الخليج العربي؟

يرتكز الاقتصاد العالمي المعاصر على بنية تحتية رقمية ومادية متداخلة، حيث تعتمد استمرارية الأسواق الدولية على شبكة من كابلات الألياف الضوئية البحرية يبلغ طولها الإجمالي نحو ١,٣ مليون كيلومتر. تتولى هذه المنظومة الاستراتيجية نقل ما يتراوح بين ٩٥-٩٩٪ من حركة الاتصالات الرقمية العابرة للقارات، وتوفر القاعدة الأساسية لتسوية تحويلات مالية يومية تقارب قيمتها ١٠ تريليونات دولار. وفي حين تركزت التحليلات الجيوسياسية تاريخياً على تأمين الممرات المائية السطحية لضمان التدفق المستمر لموارد الطاقة التقليدية، أثبتت التحولات الراهنة أن استدامة النظام الاقتصادي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن هذه الشبكات المغمورة.   وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح تام في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب والبحر الأحمر، حيث تتطابق المسارات الجغرافية الحاكمة لحركة التجارة وسلاسل إمداد الطاقة مع خطوط عبور البيانات العالمية. ويمثل مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه ٢١ ميلاً بحرياً، النقطة المحورية لهذا التداخل، إذ يمر عبره قرابة ٢١ مليون برميل من النفط الخام وثلث إمدادات الغاز الطبيعي المسال يومياً، وبالتوازي مع ذلك، يمر عبر قاعه ١٧ نظاماً من الكابلات البحرية التي تنقل نحو ٣٠٪ من إجمالي حركة الإنترنت الدولية، ويؤدي هذا التركز المكاني الكثيف للبنى التحتية المادية والرقمية في نطاق جغرافي ضيق إلى خلق انكشاف أمني بالغ الخطورة، مما يعرض الاقتصاد العالمي لمخاطر منهجية متصلة بالتوترات الإقليمية.   وقد تحولت هذه المخاطر الهيكلية من نطاق التقييمات النظرية إلى واقع ميداني إثر اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في مطلع عام ٢٠٢٦ بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ضمن العمليات التي عُرفت باسم "الغضب الملحمي". أفرزت هذه المواجهات تغيراً جذرياً في العقيدة العسكرية الإيرانية؛ ففي ظل التحديات التي واجهت قدراتها العسكرية التقليدية لإعاقة حركة النقل السطحي للطاقة، برز توجه استراتيجي جديد يعتمد على التهديدات غير المتماثلة، ويتمثل هذا التطور النوعي في الانتقال من التلويح التقليدي بإغلاق الممرات الملاحية أمام ناقلات النفط، إلى استهداف شبكات كابلات الإنترنت البحرية وتوظيف إتلافها المتعمد كأداة للردع والضغط الجيوسياسي. ويعكس هذا التحول استغلالاً مدروساً لنقاط الضعف المادية الكامنة في البنية التحتية المدنية لتعويض الاختلال في موازين القوى، مما ينذر بتداعيات تتجاوز حدود النزاع الإقليمي لتؤثر بشكل مباشر على أسس الاقتصاد الرقمي في بيئة تتسم بتصاعد الحروب الهجينة وعسكرة المجال البحري.   كما يفرض هذا النمط المستحدث من التهديدات واقعاً يُصنف أكاديمياً بمفهوم الأزمة المزدوجة والمتزامنة، وهو مسار يؤدي فيه القطع المنهجي للكابلات البحرية إلى شلل في سلاسل إمداد الطاقة العالمية وتدهور حاد في البنية التحتية الرقمية عبر مناطق الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأوروبا في آن واحد، وتتجاوز التداعيات المباشرة لهذا السيناريو مجرد انقطاع خدمات الاتصالات عن الأفراد، لتمتد مسببة إرباكاً تاماً لأنظمة المقاصة المالية الإلكترونية التي تدير استثمارات صناديق الثروة السيادية، وشللاً في مراكز القيادة والتحكم الرقمية التابعة لتكتلات الطاقة الحكومية. كما يترتب على هذا الاستهداف تعطيل شبكات القيادة والسيطرة العسكرية، وقطع قنوات الاتصال الضرورية لإدارة الملاحة البحرية وإعادة توجيه السفن أثناء الأزمات، فضلاً عن تقويض البنى التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية التي تعتمد عليها دول المنطقة في استراتيجيات التنويع الاقتصادي.    وتستند واقعية هذه التهديدات إلى سوابق مادية حديثة أثبتت الانكشاف الفعلي لهذه المنظومة، أبرزها الأعطال التي لحقت بكابلات البحر الأحمر إثر غرق السفينة روبيمار في عام ٢٠٢٤، وما تبعها من انقطاعات متعددة للخطوط في المنطقة ذاتها خلال شهر سبتمبر من عام ٢٠٢٥، مما يؤكد هشاشة هذه الشبكات أمام الحوادث العارضة والعمليات التخريبية المتعمدة.   وتأسيساً على هذه المعطيات الاستراتيجية والاقتصادية المعقدة، تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومفصل للتبعات المترتبة على هجوم واسع النطاق يستهدف البنية التحتية للاتصالات البحرية في الخليج العربي. عبر فحص القدرات التقنية والعسكرية المتاحة للجانب الإيراني لتنفيذ عمليات التخريب المادي تحت سطح البحر، وتحليل الدوافع الاستراتيجية الكامنة وراء هذا التصعيد غير المتماثل. ومن خلال دمج السوابق التاريخية القريبة مع البيانات المحدثة حول مستويات الاعتماد الرقمي الإقليمي والدولي للوقوف على حجم الخسائر المتوقعة في حال تنفيذ هذا السيناريو.
أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟
البرامج البحثية

أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟

أثر الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مصالح عدد كبير من الدول. وفي خضم هذا التصعيد، برزت الصين بوصفها طرفًا فاعلًا يسعى إلى الحد من تداعيات الأزمة على الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة الدولية. وفي هذا السياق، دعت بكين إلى وقف فوري للهجمات من الجانبين، وإلى ضمان حماية السفن العابرة في مضيق هرمز، قبل أن يعلن وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إرسال مبعوث خاص إلى الشرق الأوسط للمساهمة في جهود الوساطة.   ترتبط الصين بجملة من المصالح المتشابكة في الشرق الأوسط، وهي مصالح تتأثر بدرجة كبيرة بتداعيات الحرب الجارية. ومن المرجح أن تسهم هذه التطورات في إعادة تشكيل الفرص الاستراتيجية المتاحة لبكين في المنطقة، ولا سيما في مجالات أمن الطاقة، ومسارات التجارة، والعلاقات الدبلوماسية مع الفاعلين الإقليميين الرئيسيين. وفي هذا الإطار، يستند نهج السياسة الخارجية الصيني تجاه الشرق الأوسط إلى مقاربة براغماتية تركز على حماية المصالح الاقتصادية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدر من التوازن الاستراتيجي في علاقاتها مع أطراف المنطقة. وبناءً على ذلك، قد تتيح الحرب لبكين فرصة لإعادة تموضعها في الإقليم واستكشاف آفاق جديدة لتعزيز حضورها، ولا سيما عبر توثيق علاقاتها مع دول أخرى منتجة للنفط، وزيادة استثماراتها في جهود إعادة الإعمار.   وبالمثل، تقوم الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران في جوهرها على إمدادات النفط والاستثمارات واسعة النطاق. غير أن تداعيات الحرب تثير تساؤلات حول مستقبل هذه العلاقة، كما تفتح المجال أمام احتمال أن تعيد بكين النظر في سياستها الخارجية تجاه طهران إذا ما شهدت قدرة إيران على الحفاظ على هذه المصالح تراجعًا محتملاً نتيجة الضغوط التي قد تتعرض لها مواردها وقدراتها بعد الحرب.
هل تتحول إيران إلى ساحة لتنافس القوى الكبرى؟
البرامج البحثية
25 مارس 2026

هل تتحول إيران إلى ساحة لتنافس القوى الكبرى؟

تشير التطورات الراهنة إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجاوزت حدود المواجهة المباشرة المحدودة، لتدخل طورًا تصاعديًا مفتوحًا تتزايد معه احتمالات الامتداد الإقليمي واتساع نطاق التداعيات الاستراتيجية المرتبطة بها. ومع استمرار هذا المسار، لم يعد الصراع يُقاس فقط بحدوده العسكرية المباشرة، بل بما يتيحه أيضًا من فرص لإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط، وإعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين الدوليين والإقليميين. وفي هذا السياق، برزت خلال العقد الماضي مساعٍ روسية حثيثة لاستقطاب حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عبر مقاربة ترتكز على أولوية استقرار الأنظمة بوصفه مدخلًا لإعادة التموضع الاستراتيجي. وفي المقابل، اعتمدت الصين مسارًا مختلفًا يقوم على التمدد الهادئ عبر أدوات القوة الناعمة، من خلال تعميق الشراكات الاقتصادية وتوسيع الحضور الدبلوماسي. ومن ثم، فإن إطالة أمد الحرب أو انزلاقها إلى نطاقات أوسع قد تفتح المجال أمام انخراط أكبر لهاتين القوتين، ليس فقط لملء الفراغات التي قد تنتج عن الاستنزاف الأمريكي، بل أيضًا لتقويض النفوذ الأمريكي عالميًا وإعادة اختبار موازين القوة في واحدة من أكثر الساحات الجيوسياسية حساسية. وانطلاقًا من ذلك، تطرح هذه الدراسة فرضية مفادها أن إيران قد تتحول إلى ساحة رئيسة لتنافس القوى الكبرى، وذلك من خلال تتبع مسارين متداخلين: أولهما مظاهر التمدد الاستراتيجي الأمريكي المفرط، وثانيهما الصدمات الاقتصادية المحتملة الناجمة عن اضطراب أسواق الطاقة واتساع تداعيات الأزمة.
صناعة الوهم: كيف حرفت الصحافة الغربية حقيقة ما جرى في دبي؟
البرامج البحثية

صناعة الوهم: كيف حرفت الصحافة الغربية حقيقة ما جرى في دبي؟

شهدت الساحة الجيوسياسية الإقليمية والدولية منذ نهاية شهر فبراير ٢٠٢٦ تصعيداً عسكرياً متسارعاً إثر اندلاع مواجهات مباشرة شملت حملات متقاطعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو الصراع الذي أسفر عن موجات ارتدادية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي أثرت بشكل مباشر ومتقطع على المجال الجوي لدول الخليج العربي، وتحديداً دولة الإمارات العربية المتحدة. ورغم أن البنية التحتية الدفاعية والمؤسسية في دولة الإمارات وخصوصًا دبي أثبتت مرونة فائقة واستجابة عملياتية فورية في التعامل مع هذه التهديدات عبر تفعيل أنظمة الاعتراض الجوي المتقدمة، والإدارة الدقيقة والاحترازية لإغلاق المجال الجوي لفترات وجيزة لضمان سلامة الملاحة الجوية وحماية المدنيين، إلا أن الأزمة الحقيقية لم تقتصر على البعد العسكري المباشر، بل امتدت لتشمل صراعاً معلوماتياً بالغ التعقيد. لقد ترافقت هذه التطورات الميدانية مع تطبيق صارم لقوانين الجرائم الإلكترونية المحلية التي قيدت تداول الصور ومقاطع الفيديو غير المصرح بها لمنع انتشار الذعر وحماية الأمن القومي، وهو ما خلق ذريعة استغلتها الآلة الصحفية الغربية بشكل استراتيجي وممنهج لفرض هيمنتها على مسار تدفق المعلومات وبناء صورة ذهنية مشوهة عن مجريات الأحداث.   وفي خضم هذا التباين الصارخ بين الواقع المادي المتماسك على الأرض والمشهد الافتراضي الذي رُسم عن بُعد، تحولت وسائل الإعلام الدولية، ولا سيما الصحافة الشعبية البريطانية (تابلويد)، إلى منصات لتضخيم الحدث بشكل درامي غير مسبوق، حيث صورت هذه التداعيات الإقليمية العابرة على أنها انهيار حتمي ووشيك لنموذج دبي الاقتصادي والاجتماعي برمته. من خلال تبني عناوين استقطابية واستفزازية تعلن بشكل قطعي أن دبي قد انتهت، وتصوير الأزمة على أنها تحطم مأساوي لحلم الملاذ الضريبي الآمن، اختارت هذه المؤسسات الصحفية مساراً تحليلياً مجافياً تماماً للواقع الميداني، متجاهلة الحقائق المثبتة حول استمرارية الأعمال وقوة المنظومة الأمنية لصالح سردية كارثية مسبقة الصنع، ويستدعي هذا التحول قراءة تحليلية وتاريخية لتفكيك الآليات والدوافع الاقتصادية والسياسية التي تُخرج المؤسسات الصحفية عن دورها كناقل موضوعي للحقائق، لتصبح جزءاً من مسار توجيه الرأي العام العالمي.
تأثيرات الحرب الإيرانية على مسار الحرب الروسية الأوكرانية
البرامج البحثية

تأثيرات الحرب الإيرانية على مسار الحرب الروسية الأوكرانية

أربك اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الجهود الممتدة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، في وقت كانت فيه مسارات التهدئة والتفاوض بين موسكو وكييف تواجه أصلًا تعقيدات عميقة وفرصًا محدودة للتقدّم. فقد أسهمت الضربات التي استهدفت إيران، وما تبعها من ارتدادات إقليمية واسعة في الشرق الأوسط، في زيادة الضغوط على بيئة دولية مثقلة بالأزمات، بما انعكس سلبًا على مسار التسوية في أوروبا الشرقية. وفي هذا الإطار، تثير هذه الحرب تساؤلات جوهرية بشأن حجم تأثيرها في التوازنات الجيوسياسية الأوسع، ولا سيما في ظل احتمال أن تؤدي إلى تحويل الاهتمام الدولي بعيدًا عن الحرب الروسية الأوكرانية، وإعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، بما قد ينعكس بصورة مباشرة على مسار الصراع بين موسكو وكييف واتجاهاته المقبلة.
الاقتصاد الإيراني بين التكيّف مع العقوبات وضغط الحرب
البرامج البحثية

الاقتصاد الإيراني بين التكيّف مع العقوبات وضغط الحرب

تخوض إيران مواجهتها العسكرية الراهنة فوق أرضية اقتصادية تُعد من بين الأكثر هشاشة واختلالًا في الشرق الأوسط. فمنذ أكثر من عقد، فرضت العقوبات الدولية الواسعة طوقًا خانقًا على قدرة البلاد على النفاذ إلى الأسواق المالية العالمية، وقيّدت صادراتها من الطاقة، وقلّصت تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى اقتصادها. ومع تراكم هذه الضغوط، لم ينهَر الاقتصاد الإيراني بالكامل، بل أعاد تشكيل نفسه تدريجيًا ضمن نمط بقاء قسري يمكن فهمه بوصفه "اقتصاد التكيّف مع العقوبات"؛ وهو نمط يقوم على امتصاص الصدمات لا تجاوزها، ويستند إلى شبكات تجارة غير رسمية، وصادرات طاقة موازية، وقنوات مالية بديلة، مكّنته من الاستمرار تحت ضغط خارجي مزمن، من دون أن ينجح في تحقيق تعافٍ اقتصادي فعلي.   لكنّ الحرب، بخلاف العقوبات التي تُراكم القيود الاقتصادية تدريجيًا، تُدخل الاقتصاد في طور مختلف جذريًا من الصدمة؛ طور لا يقتصر على الضغط المالي أو الاختناق التجاري، بل يمتد إلى تعطيل شبكات الإمداد واللوجستيات، وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية الوطنية، وفرض إعادة توجيه الموارد العامة نحو الإنفاق الدفاعي تحت وطأة التصعيد العسكري. وفي حالة اقتصاد هشّ أصلًا ويعمل عند الحواف القصوى للاستقرار الكلي، لا تُقاس آثار هذه الصدمات بحجمها المباشر فحسب، بل بما تولّده من اختلالات متراكمة وتداعيات تتجاوز أثرها الأولي بكثير. ومن هذه الزاوية، يطرح الصراع الراهن سؤالًا اقتصاديًا حاسمًا: هل يستطيع الاقتصاد الإيراني، الذي طوّر على مدى سنوات آليات بقاء تحت ضغط العقوبات، أن يصمد أيضًا أمام منطق الحرب؟ أم أن التصعيد العسكري سيكشف هشاشة أعمق ظلّت كامنة داخل اقتصاد أبقاه نظام العقوبات حيًا، ولكن في حالة إنهاك مزمن؟
أنسنة الطاقة: هل تنجح خطة البحر الاسود في حل أزمة مضيق هرمز؟
البرامج البحثية

أنسنة الطاقة: هل تنجح خطة البحر الاسود في حل أزمة مضيق هرمز؟

يمر المشهد السياسي والاقتصادي العالمي بتحولات هيكلية إثر اندلاع العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦. ورداً على هذا التصعيد، اتخذت القيادة الإيرانية قراراً استراتيجياً بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية وناقلات النفط، معتمدة على قدراتها غير المتكافئة من الألغام البحرية، والصواريخ المتقدمة، والطائرات المسيرة لتحويل المضيق إلى منطقة عمليات عسكرية.   ويُعد مضيق هرمز ممراً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، إذ يعبر من خلاله نحو ٢٠ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠٪ من الاستهلاك العالمي، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال. إذ أسفر الإغلاق عن تداعيات اقتصادية فورية تمثلت في توقف حركة الملاحة، وامتناع شركات التأمين عن تقديم تغطيتها للسفن، فضلاً عن تسجيل ارتفاع حاد في أسعار النفط لتتجاوز ١٢٠ دولاراً للبرميل. وفي مسعى لاحتواء الأزمة، طرحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، مبادرة دبلوماسية تقضي بإنشاء ممر بحري آمن في مضيق هرمز تحت إشراف الأمم المتحدة، لضمان تدفق إمدادات الطاقة بسلام.   وتستند مبادرة كالاس إلى محاكاة "مبادرة البحر الأسود" التي أتاحت تصدير الحبوب الأوكرانية بضمانات دولية، وتأتي التحركات الأوروبية مدفوعة بمخاوف من أن انقطاع إمدادات الغاز سيقوض الإنتاج العالمي للغذاء لارتباطه المباشر بصناعة الأسمدة الزراعية، وتهدف المبادرة إلى تحييد سفن الطاقة عن دائرة الاستهداف العسكري لتأمين الاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي ضوء هذه المعطيات، وهو ما يطرح تساؤل حول مدي جدوى هذه المبادرة في حلحلة الأزمة الراهنة؟ وما هي الخيارات المتاحة في حال فشل تنفيذ مقترح البحر الأسود؟
العد التنازلي للجوع: هل يقود هرمز إيران إلى أزمة غذاء حادة؟
البرامج البحثية

العد التنازلي للجوع: هل يقود هرمز إيران إلى أزمة غذاء حادة؟

يحظى مضيق هرمز باهتمام عالمي واسع بوصفه أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة في العالم، إذ يعبره يوميًا ما يقارب عشرين مليون برميل من النفط الخام. غير أن هذا التركيز الدولي المكثف على أمن تدفقات النفط غالبًا ما يحجب تطورات أخرى لا تقل أهمية، بل قد تكون أكثر عمقًا وتأثيرًا داخل إيران نفسها. فبحلول مارس 2026، أفضت الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ما يمكن وصفه بتشكّل اختناق حاد في منظومة الإمدادات الغذائية الإيرانية، وهو تأثير يتجاوز في طبيعته المجال العسكري، ولا يمكن تعويضه أو موازنته عبر أي مستوى من القدرات القتالية التقليدية. وفي هذا السياق، تشير تقديرات الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى أن مكمن الضعف البنيوي الأبرز للدولة في القرن الحادي والعشرين لا يكمن في قدراتها العسكرية، بل في البنية اللوجستية التي تقوم عليها وارداتها الغذائية، وعلى رأسها مرافق تخزين الحبوب العميقة المرتبطة بشبكة الإمدادات البحرية. وتمثل هذه المرافق إحدى الركائز الأساسية التي يعتمد عليها الأمن الغذائي الإيراني، ما يجعلها نقطة حساسة في معادلة الاستقرار الداخلي في أوقات الأزمات والصراعات.   تنطوي منظومة الإمدادات الغذائية في إيران على هشاشة لوجستية بنيوية، إذ تقوم في جوهرها على افتراض أن موانئ الجنوب ستظل متاحة وتعمل بصورة طبيعية ودون انقطاع. غير أن انسحاب شركات التأمين من تغطية مخاطر الحرب وتوقف حركة الشحن عبر ميناء بندر عباس يقوّضان هذا الافتراض الذي تقوم عليه منظومة الإمداد بأكملها. وعليه، فإن توصيف الوضع الراهن بوصفه مجرد اضطراب في حركة التجارة لا يعكس طبيعته الفعلية؛ إذ إن ما يجري في جوهره يمثل بداية عدٍّ تنازلي بيولوجي يرتبط بقدرة المجتمع على الحفاظ على الحد الأدنى من الإمدادات الغذائية.   ومع تراجع المخزونات التشغيلية من الأعلاف إلى مستوى لا يتجاوز أربعة عشر يومًا، يتحول النقص الناتج في الإمدادات البروتينية إلى مصدر ضغط خطير على الاستقرار الداخلي. فمثل هذا النقص لا يقتصر أثره على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشكل عامل توتر اجتماعي وسياسي محتمل، وهو تأثير يُرجَّح أن يفوق في حدته التداعيات التي قد تُحدثها الضربات العسكرية التقليدية.
من شركاء حرب إلي خصوم سياسة… هل تشعل إيران الخلاف بين ترامب ونتنياهو؟
البرامج البحثية

من شركاء حرب إلي خصوم سياسة… هل تشعل إيران الخلاف بين ترامب ونتنياهو؟

اتسمت الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بقدرة استثنائية على استيعاب التباينات التكتيكية وإدارتها؛ إلا أن التطورات التي رافقت إطلاق عملية "الغضب الملحمي" الأمريكية بالتزامن مع عملية "الأسد الزائر" الإسرائيلية في أواخر فبراير 2026، وضعت هذا التحالف أمام اختبار غير مسبوق في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. فعلى الرغم من أن هذه الحملة المنسقة حققت في انطلاقتها نجاحات عملياتية حاسمة، والتي تمثلت في القضاء على المرشد الأعلى الإيراني وتفكيك الهيكل القيادي للحرس الثوري، إلا أن مشهد التوافق المطلق الذي يُصدره الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يخفي في طياته تناقضات جوهرية في الرؤى والأهداف. وبالقراءة الدقيقة لتاريخ هذه العلاقة ومحدداتها السياسية الحالية تؤكد أن إطالة أمد هذا الصراع ستُعري التباين الحاد في المصالح الاستراتيجية لكلا العاصمتين، مع حتمية تحول المعركة من ضربات خاطفة إلى حرب استنزاف إقليمية معقدة تتجاوز عاقبتها واشنطن وتل أبيب، ستتحول هذه التباينات إلى تصدعات هيكلية عميقة. تقدم هذه الورقة تحليلاً استراتيجياً لتفكيك هذه الديناميكية، مبينة كيف أن الاختلاف الجذري في القدرة على تحمل التبعات الاقتصادية، واستيعاب الخسائر البشرية، والارتهان لجداول انتخابية صارمة، سيحيل الخلافات التكتيكية المكتومة إلى شرخ استراتيجي معلن يصعب تجاوزه أو إنكاره.