يشهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط مع مطلع عام ٢٠٢٦ إعادة تشكّل بنيوي تتداخل فيه مخرجات الصراع العسكري مع تحولات عميقة في مقاربة إدارة الأزمات. فالمسار الدبلوماسي الذي أعقب حرب الاثني عشر يوماً في يونيو ٢٠٢٥ أعاد إنتاج أنماط تفاوضية تعكس عقيدة استراتيجية راسخة في العقل الإيراني تُعرف بدبلوماسية البازار. هذه الاستراتيجية لا تنظر للتفاوض كآلية لإنهاء النزاع فحسب، بل كأداة لإعادة توزيع عناصر القوة في سياق الوقت والموقع والتكتيك، إذ يُعد الزمن فيها مورداً استراتيجياً يُستخدم لامتصاص الضغط وإعادة ترميم التوازن الداخلي.
وفي السياق الراهن، تكتسب هذه المقاربة بعداً وجودياً نتيجة التحديات التي تواجه النظام الإيراني بعد الضربات التي استهدفت بنيته الدفاعية والنووية والانكماش الاقتصادي الحاد. وعليه، لم تعد «دبلوماسية البازار» خياراً تفاوضياً، بل تحولت إلى إطار بقاء سياسي يوظّف الغموض المرن والتنازلات المحسوبة لبناء مكاسب استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز حدود الاتفاقات التقنية، ويبقى التساؤل المحوري: هل تنجح هذه الاستراتيجية في التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران؟
تُعدّ الصين الفاعل المهيمن في صناعة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، بما يرسّخ موقعها في صلب واحدة من أكثر الصناعات حساسية في الاقتصاد العالمي المعاصر. فبحلول عام 2025، كانت تسيطر على "نحو 61% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة و92% من عمليات معالجتها"، وهو ما يعكس تركيزًا ملحوظًا في سلاسل الإمداد المرتبطة بهذه الموارد الاستراتيجية. وفي مواجهة هذا الواقع، سارعت دول وقوى اقتصادية عدة إلى تعزيز قدراتها الوطنية في هذا القطاع، سعيًا إلى تقليص اعتمادها على الصين، سواء في المواد الخام أو المنتجات المعالجة. وفي هذا السياق، كثّفت دول مجلس التعاون الخليجي، انسجامًا مع رؤاها الوطنية لعام 2030، استثماراتها في استخراج هذه العناصر ومعالجتها، في مسعى إلى تنويع قواعدها الاقتصادية وتعزيز حضورها في سوق ما تزال الصين تمسك بمفاصله الرئيسية. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تقييم فرص صعود الخليج كمورّد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، من خلال تحليل دوافع هذا التوجه، ومدى قابليته للتحقق، فضلًا عن التحديات التي قد تواجه دول المجلس في مسار الانخراط في هذا السوق الاستراتيجي.
تجاوزت قضية الضفة الغربية كونها مجرد ملف من ملفات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لتغدو محكاً حقيقياً لتماسك القانون الدولي وأسس الردع التي استند إليها النظام العالمي عقب الحرب العالمية الثانية. ففي التاسع من فبراير ٢٠٢٦، صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغّر (الكابينت) على حزمة تدابير استثنائية ترمي لترسيخ الهيمنة الإسرائيلية على الضفة، وتضمنت هذه التدابير إنهاء الحظر التاريخي لبيع الأراضي لليهود، من خلال إلغاء العمل بالقانون الأردني الذي يمنع بيع أملاك الفلسطينيين لليهود، ورفع السرية عن السجلات العقارية ، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، إضافة إلى توسيع صلاحيات الرقابة والهدم لتشمل مناطق "أ" و"ب" الخاضعة للسلطة الفلسطينية وفق اتفاقية أوسلو.
ومن شأن هذه القرارات إحداث تحولات جوهرية في نظم تسجيل العقارات وتداولها، إذ تتيح الإفصاح العلني عن هويات الملاك، مما يفتح المجال للمشترين الإسرائيليين للتفاوض المباشر معهم، مسهلاً بذلك وتيرة الاستحواذ وتمدد الاستيطان في كافة أرجاء الضفة. وفي هذا السياق، عدّ مجلس المستوطنات "ييشع" هذه الخطوات "الأكثر مفصلية منذ ثمانية وخمسين عاماً"، معتبراً إياها إعلاناً حكومياً فعلياً عن استعادة أرض إسرائيل لشعبها. ولا تمثل هذه التحركات واقعة منفصلة، بل هي حلقة ضمن مسار متصاعد أعاد صياغة أسس الصراع جذرياً خلال العامين المنصرمين، مفرزاً واقعاً مغايراً يستدعي مقاربة تحليلية تتخطى القوالب التقليدية.
شكلت عملية العزم المطلق التي أفضت إلى إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو وقرينته سيليا فلوريس في ٣ يناير ٢٠٢٦، حدثًا مفصليًا في تاريخ الحروب الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. فبينما تُشير المعطيات الأولية إلى تغيير محدود للنظام داخل فنزويلا، إلا أن التداعيات الاستراتيجية لهذه العملية قد ألحقت ضررًا بالغًا بقدرات العمليات الأمامية لإيران. فعلى مدى عقدين تقريبًا، لم تكن فنزويلا مجرد شريك دبلوماسي لطهران، بل كانت بمثابة رأس جسر لوجستي لا غنى عنه، وملاذًا آمنًا في نصف الكرة الغربي، مكّن النظام الإيراني من الالتفاف على العقوبات الدولية، وفرض نفوذ غير متكافئ، وحافظ على شريان حياة مالي عبر التجارة غير المشروعة.
مثلت عملية العزم المطلق، التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في الثالث من يناير 2026 وأفضت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وقرينته سيليا فلوريس، فصلاً ختامياً لسنوات من الجمود والصراع الدبلوماسي. بيد أن هذا الحدث، الذي جاء تتويجاً لمسار طويل من التصعيد، تجاوز في دلالاته مجرد إسقاط لنظام سياسي؛ إذ كان إيذاناً صريحاً ببعث "مبدأ مونرو" في أكثر صيغه صرامة. وقد تجلى ذلك في تصريح الرئيس الأمريكي فور نجاح العملية، حين قطع بأن "الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لم تعد موضع شك بعد اليوم". وعليه، فقد شكلت هذه العملية تحولاً جيوسياسياً مفصلياً، لم تقتصر ارتداداته على تاريخ أمريكا اللاتينية فحسب، بل امتدت لتعيد رسم عقيدة السياسة الخارجية الأمريكية برمتها.
أحدثت العملية صدمة استراتيجية في العواصم المعادية لواشنطن، حيث أعادت للأذهان حقبة التدخلات الأمريكية المباشرة إبان الحرب الباردة، ولكن بأدوات وتقنيات القرن الحادي والعشرين. فلم يعد التهديد الأمريكي مقتصرا على العقوبات الاقتصادية أو العزلة الدبلوماسية، بل تحول إلى توظيف للقوة الصلبة "الذكية" القادرة على اختراق السيادة الوطنية واستهداف رؤوس الأنظمة. وسيفرض هذا التحول الجذري على الدول المصنفة ضمن دائرة العداء الأمريكي -سواء في الكاريبي أو الشرق الأوسط- إعادة تقييم شاملة لحساباتها الأمنية والاستراتيجية، وسط مخاوف جدية من أن تكون كاراكاس مجرد فاتحة لسلسلة من عمليات "تغيير الأنظمة" التي تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الدولي وفق الرؤية الأمريكية الأحادية.
تشهدُ البنية الهيكلية للاقتصاد العالمي لألعاب الفيديو تحولاً جذرياً يتجاوز مراكز الهيمنة الثلاثية التقليدية في أمريكا الشمالية واليابان والصين، إذ ينتقلُ الثقل الاستراتيجي للصناعة نحو منطقة الخليج، مدفوعًا بتدفقات رأسمالية غير مسبوقة تقودها صناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي، حتي بات يُجسد هذا الحراك يُجسد تغيرًا مفصليًا في العقيدة الاستثمارية لهذه الكيانات—وتحديداً صندوق الاستثمارات العامة السعودي((Public Investment Fund - PIF)، وشركة مبادلة و"ADQالقابضة" في الإمارات، وجهاز قطر للاستثمار(QIA)—التي انتقلت من إدارة المحافظ السلبية القائمة على مراكمة الأصول الآمنة كسندات الخزانة الأمريكية والعقارات، إلى ممارسة الملكية التشغيلية النشطة في قطاعات التكنولوجيا عالية النمو. برز قطاع الألعاب، الذي تتجاوز قيمته مائتي مليار دولار والمرشح للنمو ليتخطى ثلاثمائة مليار بحلول عام ٢٠٢٨، كمرتكز محوري لهذا التحول، نظراً لتقاطعه الفريد مع قطاعات الإعلام والذكاء الاصطناعي، مما يجعله أداة مثالية لتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي في الرؤى الوطنية.
يتجاوز التدخل الخليجي في هذا المضمار الأبعاد المالية البحتة ليلامس الجغرافيا السياسية، حيث تسعى هذه الدول عبر حيازة الملكية الفكرية وشبكات التوزيع والبنية التحتية إلى تأسيس "نوع من السيادة الرقمية" كبديل لهيمنة الهيدروكربونات على اقتصاداتها، وذلك عبر استراتيجيات متباينة تتراوح بين التكامل الرأسي السعودي، وبناء المنظومة البيئية الإماراتي، والربط الاستراتيجي القطري.
بالتالي يستوجبُ استيعابُ هذا النطاق الاستثماري وضعَه ضمن سياق التحولات الاقتصادية الكلية؛ فقد كشفت الصدمات السعرية المتتالية في أسواق النفط، لاسيما في عام ٢٠١٤ وأثناء الجائحة في ٢٠٢٠ وما تلاها، عن قصور النموذج التقليدي القائم على عوائد البترودولار في ضمان استدامة الثروة، فيما يوفر قطاع الألعاب حلاً للتحديات الديموغرافية الملحة، إذ يُحقق مُضاعفاً اقتصادياً للوظائف يتجاوز نظيره في قطاعات أخرى، ويستوعب "الكتلة الشبابية" التي تُمثل الغالبية العظمى من السكان، مُحولاً إياها من قوة استهلاكية للمحتوى الأجنبي إلى قاعدة إنتاجية وطنية تُرسخ مفاهيم القومية الاقتصادية الجديدة.
تُرسِّخ استراتيجية الأمن القومي (NSS) الإطار الحاكم لرؤية القوة الأميركية، وتكشف عن الكيفية التي تفهم بها الولايات المتحدة طبيعة البيئة الدولية، وتُحدِّد من خلالها أولوياتها، وتختار الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي ستعتمد عليها في صون مصالحها الوطنية. ومن هذا المنطلق، تضطلع الاستراتيجية بدورٍ محوري في توجيه تخطيط الدفاع، وصياغة عقيدة السياسة الخارجية، وضبط آليات التنسيق بين الوكالات الحكومية، فضلًا عن إرسال رسائل واضحة إلى الحلفاء والخصوم على السواء بشأن اتجاهات الانخراط الأميركي في نظام دولي يشهد تحوّلات متسارعة.
تُشكّل استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، الصادرة عن إدارة ترامب في نوفمبر 2025، مقاربة واضحة لكيفية تموضع هذه الإدارة في عالم يتّسم بتصاعد التفكّك الجيوسياسي، واحتدام التنافس، وتزايد القيود الداخلية. ويتمثّل هدفها الجوهري في تحويل رؤية الإدارة للعالم إلى إطار متماسك يحدّد بدقّة ما ستمنحه الولايات المتحدة الأولوية، وما ستتراجع عنه، والظروف التي ستدفعها إلى توظيف رأسمالها السياسي، ونفوذها الاقتصادي، أو قوتها العسكرية.
بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تكتسب قراءة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 أهمية خاصة، إذ إنها تُجسِّد المبادئ التي تُشكِّل ملامح الموقف الأميركي المتحوّل تجاه المنطقة. ويعكس تركيز الاستراتيجية على تقاسم الأعباء، وتقليص الانخراط العسكري المباشر، والشراكات ذات الطابع التبادلي تحوّلًا في سقف التوقعات الموجّهة إلى الفاعلين الإقليميين، في حين يواصل تركيزها على أمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتنافس الاستراتيجي مع القوى الخارجية رسم الإطار الناظم لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. وباعتبارها صياغة رسمية لكيفية إدراك الإدارة لمصادر التهديد وفرص الحركة، تُقدِّم استراتيجية الأمن القومي أوضح خارطة طريق متاحة لتوجّهات واشنطن، كما ترسم الإطار المرجعي الذي ستُصاغ في نطاقه قراراتها حيال الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
في الرابع من ديسمبر 2025، اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قرارًا بتعيين سكرتيره العسكري، اللواء رومان جوفمان، مديرًا لجهاز الموساد، خلفًا للرئيس الحالي للجهاز دافيد برنيع، الذي تنتهي ولايته الممتدة لخمس سنوات في يونيو 2026. ويشكّل هذا القرار تحولًا قياديًا لافتًا داخل أحد أخطر وأهم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، لا سيما في ظل افتقار جوفمان إلى خبرة استخباراتية متخصصة، إلى جانب ما يُعرف عنه من نزعة حادّة في اتخاذ القرار. وفي سياق أوسع، يندرج هذا التعيين ضمن مسار متصاعد لتسييس المناصب الأمنية العليا في عهد نتنياهو، حيث يبدو أن معايير الولاء الشخصي باتت تتقدّم على الخبرة المهنية والمؤسسية. وبناءً عليه، يثير هذا التوجّه تساؤلات جدّية حول مستقبل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي.
منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، تواجه المملكة المتحدة أزمة حوكمة متفاقمة؛ إذ عانى حزب المحافظين حالةً مزمنة من عدم الاستقرار نتيجة تعاقب القيادات على نحو متكرر، في حين يفتقر حزب العمّال، الذي انتُخب حديثًا، إلى القدر الكافي من الطموح والثقة اللازمين لإدارة شؤون الحكم بفاعلية. ومع تداخل الصدمات الناجمة عن بريكست، وجائحة كوفيد-19، والحرب الروسية على أوكرانيا، دخل الاقتصاد البريطاني في حالة من الركود، وتراجعت جودة الخدمات العامة على نحو ملحوظ، الأمر الذي أسهم في دفع أعداد متزايدة من المواطنين البريطانيين إلى الهجرة خارج البلاد.
تُعدّ الإمارات العربية المتحدة، وبصورة أدق دبي، إحدى أبرز هذه الوجهات. إذ يقيم حاليًا نحو 240 ألف مواطن بريطاني في الإمارة، مع توقّعات بانضمام أعداد إضافية؛ فقد سُجِّلت زيادة لافتة بلغت 420% في عمليات البحث عبر الإنترنت داخل المملكة المتحدة المرتبطة بالانتقال إلى دبي. وهي مؤشرات دالّة يُرجَّح أن تتواصل وتتصاعد مع استمرار انتقال البريطانيين من مختلف الشرائح الاجتماعية والاقتصادية إلى الإمارة. غير أنّ دوافع هذه الهجرة لا يمكن اختزالها في اعتبارات تقليدية مثل انخفاض الضرائب، أو مستويات الأمان المرتفعة، أو المناخ الجاذب فحسب. إذ يمكن القول إن تنامي الهجرة البريطانية إلى دبي يرتبط، على نحو أعمق، برغبة في التحرّر من نظام طبقي جامد، وبهيمنة نزعة الانحدار على المزاج العام، فضلًا عن الاضطراب العاطفي الذي غذّته أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة داخل المملكة المتحدة.
ترصد هذه الدراسة اتجاهات الرأي العام في المجتمعات العربية تجاه الذكاء الاصطناعي، وذلك استنادًا إلى بيانات جُمعت في نوفمبر 2025، مع تركيز خاص على الاعتماد المتزايد على نماذج أجنبية وتداعيات ذلك على القيم الثقافية والهوية العربية. وتُبرز النتائج تنامي المخاوف إزاء الدور الذي قد تؤديه أنظمة الذكاء الاصطناعي في التأثير على الأعراف السائدة، وإعادة تشكيل الهوية الجمعية، وإعادة ترتيب الأولويات المجتمعية، بما يحمله ذلك من آثار بعيدة المدى.
ومن خلال تحليل تصوّرات الرأي العام بشأن الحاجة إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية، والجهات التي ينبغي أن تتولّى قيادتها، تُقدّم هذه الدراسة قراءة معمّقة لكيفية تحوّل الاعتماد التكنولوجي، على نحو متزايد، إلى قضية ذات أبعاد استراتيجية وثقافية مرتبطة بالهوية في مختلف أنحاء العالم العربي.
تَرتَكِزُ هذه الدراسة الاستقصائية على مقاربة تحليلية مُمنهجة تستهدف تفكيك الثروة الفعلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مُبرزةً الفجوة الهيكلية العميقة بين مداخيله المُعلنة وأصوله الحقيقية. وتكشف الدراسة عن مؤشرات دالة على ممارسات مالية مُتعمّدة لتقويض الشفافية، وذلك عبر توظيف آليات مُعقّدة للتحايل المالي، تشمل الملاذات المصرفية، وحيازة الأصول الخارجية من خلال واجهات اعتبارية (كالشركات محدودة المسؤولية) أو عبر أسماء مستعارة. كما تعمد الدراسة إلى تشريح البُنى الشبكية المؤسسية وأنماط مقايضة النفوذ، التي تضمن ديمومة تدوير الامتيازات والمنافع المالية ضمن حلقة مغلقة تجمع المسؤولين الحكوميين والفاعلين الرئيسيين في قطاع الصناعات الدفاعية. ويُظهِر التحليل الوظيفة المحورية التي تؤديها الأزمات، وتحديداً حرب غزة، كآلية لتعظيم سلطاته التنفيذية وتمرير قرارات تُغيَّب عنها الرقابة والمساءلة.
وتُرجّح نتائج الدراسة وجود مؤشرات قوية على تحقيق نتنياهو مكاسب مالية مباشرة جراء حرب غزة، عبر استغلاله منظومة الصلاحيات الاستثنائية لتمرير عقود دفاعية ضخمة بالتجاوز الإجرائي لآليات المناقصات الرسمية. وقد أفضى هذا المسار إلى تضخم غير مسبوق في أرباح الشركات الدفاعية المرتبطة بشبكة المنتفعين المحيطة به. كما أتاحت له الحرب تسخير الموازنات العامة لخدمة أجندة مصالحه الخاصة، ومأسسة آليات تدوير النفوذ بين دوائر صنع القرار وقيادات قطاع الصناعات العسكرية. وبذلك، تصاعدت القيمة الإجمالية للعقود المبرمة في سياق حالة الطوارئ، مما يفضح حالة التماهي بين السلطتين السياسية والاقتصادية في عهده، حيث بات استثمار الأزمات أداة ممنهجة لتعظيم الثروة وتكريس النفوذ ضمن منظومة الامتيازات المغلقة.