ما بعد المعاهدات التقليدية: نحو إعادة تشكيل حوكمة الأسلحة النووية
البرامج البحثية

ما بعد المعاهدات التقليدية: نحو إعادة تشكيل حوكمة الأسلحة النووية

يشهد نظام حوكمة الأسلحة النووية تحوّلًا يتجاوز مجرد تآكل الاتفاقيات القائمة، ليطال الأسس التي قامت عليها منظومة الضبط الاستراتيجي منذ نهاية الحرب الباردة. فلم تعد المعاهدات التقليدية قادرة بالفاعلية نفسها على احتواء التنافس النووي أو تنظيم سلوك القوى المنخرطة فيه، في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد التوترات وتآكل الثقة وتزايد الاعتماد على الردع الصلب. وفي هذا السياق، يتراجع منطق الضبط التعاوني لصالح مقاربات أكثر حدة تقوم على فرض الوقائع بالقوة. ففي 4 فبراير 2026، انتهت معاهدة New START دون أي مؤشرات جدية على تجديدها، في دلالة واضحة على عمق التآكل الذي أصاب منظومة الحد من التسلح. وبعد أسابيع قليلة، شرعت الولايات المتحدة وإسرائيل، في 28 فبراير 2026، في تنفيذ ضربات ضد إيران، مبررتين ذلك بتعثر المفاوضات النووية وغياب أي تقدم ملموس فيها. وتكشف هذه التطورات أن البيئة النووية العالمية لم تعد تُدار بالمنطق المؤسسي الذي حكمها في العقود الماضية، بل باتت تتحرك بصورة متزايدة تحت ضغط الردع القسري والتفوق الاستراتيجي وفرض الوقائع بالقوة.   وفي موازاة ذلك، تتزايد دوافع بعض الدول لتطوير قدراتها النووية، في مقابل تمسك قوى نووية قائمة باحتكار موازين الردع ومنع أي إعادة توزيع لها. ومن ثم، لم يعد التحدي مقتصرًا على مستقبل الحد من الانتشار النووي، بل امتد إلى مستقبل الحوكمة النووية ذاتها وحدود قدرتها على الصمود في بيئة دولية تتراجع فيها الضوابط وتتقدم فيها اعتبارات القوة. يثير هذا التحول تساؤلات جوهرية حول احتمال انتقال النظام الدولي من معاهدات الحدّ من التسلح التقليدية إلى نمط جديد لحوكمة الأسلحة النووية. وقد تتبلور مرحلة مختلفة تقوم على الإشارات غير الرسمية والتقديرات الاستراتيجية المتبادلة، بما يطرح شكوكًا حول كفاية هذا النمط في ضمان التحقق من الالتزام. وفي المقابل، يظل أي نظام نووي ناشئ محاطًا بدرجة عالية من عدم اليقين، سواء من حيث آليات تطبيقه وفاعليته، أو عدد الدول المستعدة للانخراط فيه، فضلًا عن قدرته على كبح مسار قد يدفع العالم نحو مواجهة نووية.
دبلوماسية البازار: هل تنجح في التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران؟
البرامج البحثية
20 فبراير 2026

دبلوماسية البازار: هل تنجح في التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران؟

يشهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط مع مطلع عام ٢٠٢٦ إعادة تشكّل بنيوي تتداخل فيه مخرجات الصراع العسكري مع تحولات عميقة في مقاربة إدارة الأزمات. فالمسار الدبلوماسي الذي أعقب حرب الاثني عشر يوماً في يونيو ٢٠٢٥ أعاد إنتاج أنماط تفاوضية تعكس عقيدة استراتيجية راسخة في العقل الإيراني تُعرف بدبلوماسية البازار. هذه الاستراتيجية لا تنظر للتفاوض كآلية لإنهاء النزاع فحسب، بل كأداة لإعادة توزيع عناصر القوة في سياق الوقت والموقع والتكتيك، إذ يُعد الزمن فيها مورداً استراتيجياً يُستخدم لامتصاص الضغط وإعادة ترميم التوازن الداخلي.   وفي السياق الراهن، تكتسب هذه المقاربة بعداً وجودياً نتيجة التحديات التي تواجه النظام الإيراني بعد الضربات التي استهدفت بنيته الدفاعية والنووية والانكماش الاقتصادي الحاد. وعليه، لم تعد «دبلوماسية البازار» خياراً تفاوضياً، بل تحولت إلى إطار بقاء سياسي يوظّف الغموض المرن والتنازلات المحسوبة لبناء مكاسب استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز حدود الاتفاقات التقنية، ويبقى التساؤل المحوري: هل تنجح هذه الاستراتيجية في التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران؟
تفكيك محور الضرورة: لماذا قد يقود سقوط فنزويلا إلى حربٍ مرجّحة مع إيران؟
البرامج البحثية
5 يناير 2026

تفكيك محور الضرورة: لماذا قد يقود سقوط فنزويلا إلى حربٍ مرجّحة مع إيران؟

نفذت القوات العسكرية للولايات المتحدة، في صبيحة الثالث من يناير لعام 2026، عملية عسكرية نوعية حملت اسم "العزم المطلق" (Operation Absolute Resolve)، أفضت إلى تحييد القيادة السياسية في فنزويلا واحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو، لِتُدشّن بذلك مرحلة مفصلية في توظيف "القوة الصلبة" (Hard Power) ضمن النطاق الجيوسياسي لنصف الكرة الغربي . ويُؤسس هذا الإجراء لعقيدة سياسية مستحدثة تُعرف بـ "لازمة ترامب" (The Trump Corollary)، التي تُعيد صياغة محددات السيادة الوطنية بربطها بالامتثال للمصالح الأمنية العليا لواشنطن.     تتولى هذه الورقة البحثية تفكيك التداعيات البنيوية لهذا الحدث، وتفحص أثره المباشر على "العمق الاستراتيجي" (Strategic Depth) للجمهورية الإسلامية الإيرانية، باحثةً في مآلات التحالف الثنائي المعروف بـ "محور الضرورة" (Axis of Necessity) الذي ربط طهران وكاراكاس لسنوات خارج المنظومة المالية الدولية. ثم تناقش ما إذا كان إسقاط النظام في فنزويلا يؤدي حُكمًا إلى عزل إيران جغرافيًا ولوجستيًا، وإنهاء قدرتها على المناورة في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.     لتنتقل المُعالجة بعد ذلك إلى تحليل "الاقتصاد السياسي للطاقة" (Political Economy of Energy)، حيث تختبر الفرضية القائلة بأن السيطرة الإدارية الأمريكية على الاحتياطيات الفنزويلية توفر ضمانة استراتيجية فورية تُغني الغرب عن إمدادات الخليج العربي في حال إغلاق "مضيق هرمز" (Strait of Hormuz) . وتستند هذه الجزئية إلى تقييم فني للفارق بين حجم الاحتياطيات النظرية وبين القدرة التشغيلية الواقعية لشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) في ظل تهالك بنيتها التحتية.     ثم تستشرف أخيرًا احتمالات التصعيد العسكري المستقبلي عبر تحليل ما نُسميه بـ "مفارقة القوة" (Paradox of Power)؛ إذ يواجه صانع القرار الأمريكي تباينًا بين الحافز الذي يُولده نجاح استراتيجية "استهداف القيادة" (Decapitation Strategy) لتكرار النموذج ضد خصوم آخرين، وبين القيود المادية التي تفرضها استحقاقات "بناء الدولة" (Nation-building) وإعادة الإعمار، وذلك لتحديد احتمالية تطور الموقف إلى مواجهة نظامية شاملة مع إيران.
معضلة التخصيب الإيراني: بين السيادة النووية وهواجس الانتشار العالمي
الإصدارات

معضلة التخصيب الإيراني: بين السيادة النووية وهواجس الانتشار العالمي

تُشكّل أزمة تخصيب اليورانيوم في إيران المحور الجوهري للصراع النووي القائم، حيث تتقاطع الاعتبارات التقنية مع محددات السيادة الوطنية، ويتداخل القانون الدولي مع منطق الردع الاستراتيجي. فمن منظور الجمهورية الإسلامية، يُعدّ امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة، بما في ذلك التخصيب على أراضيها، حقًا أصيلًا ومكفولًا بموجب المادة الرابعة من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT). غير أن هذا "الحق" يتجاوز في الوعي السياسي الإيراني كونه خيارًا تكنولوجيًا، ليتحوّل إلى رمز سيادي وركيزة في سردية الاستقلال الوطني والتحدي لهيمنة القوى الغربية.   في المقابل، تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى التقنية ذاتها بوصفها البوابة المباشرة نحو إنتاج سلاح نووي. فالمعمار الفني القائم على أجهزة الطرد المركزي يتيح – مع توافر القرار السياسي – الانتقال من التخصيب المنخفض إلى إنتاج مادة انشطارية قابلة للتفجير خلال أسابيع معدودة. وقد تعاظمت هذه المخاوف بصورة غير مسبوقة عقب تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مايو 2025 أن إيران راكمت ما يزيد عن 400 كيلوغرام من اليورانيوم المُخصب بنسبة 60%، وهو ما يكفي نظريًا لإنتاج ثلاث إلى خمس قنابل نووية بمجرد رفع النقاء إلى 90%، دون حاجة لإضافة بنية تحتية جديدة.   الخبرة التاريخية الإيرانية – من حرمانها من حصتها في مشروع Eurodif عام 1979 إلى انهيار مبادرة مفاعل طهران البحثي عام 2009 – عززت قناعة راسخة لدى النخبة الحاكمة بأن الاعتماد على الخارج في تأمين الوقود النووي ليس خيارًا موثوقًا. ومن ثمّ، فإن أي صيغة تفاوضية تتطلب التخلي عن التخصيب المحلي تُعدّ، من المنظور الإيراني، مساسًا جوهريًا بالكرامة السيادية والأمن الاستراتيجي للدولة.   وعليه، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في مستويات التخصيب أو أعداد أجهزة الطرد، بل في البنية السياسية العميقة لانعدام الثقة المتبادل. ولن يكون ممكنًا بلوغ تسوية مستدامة إلا ضمن إطار أمني أشمل يُعيد تعريف العلاقة بين إيران والنظام الإقليمي والدولي على أسس جديدة.   لذلك ينطلق هذا التحليل من مقاربة متعددة المستويات تُعالج أزمة التخصيب الإيراني بوصفها مسألة تتجاوز الطابع التقني، لتلامس جوهر الصراع بين السيادة الوطنية وهواجس الانتشار النووي. ويتناول التحليل أربعة محاور رئيسية: الخصائص التقنية للتخصيب، الدوافع السياسية والاستراتيجية الإيرانية، الحسابات الأمنية الغربية، وأطر الحلول المقترحة، مع التأكيد على أن أي تسوية دائمة تقتضي إعادة تعريف العلاقة بين إيران والنظام الدولي.
الانتخابات الرئاسية الإيرانية: منافسة محتدمة ورهانات عالية
البرامج البحثية

الانتخابات الرئاسية الإيرانية: منافسة محتدمة ورهانات عالية

يدلي الناخبون الإيرانيون بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية المبكرة المقرر انعقادها 28 يونيو بعد وفاة رئيسها المتشدد إبراهيم رئيسي في حادث غير متوقع نتيجة تحطم طائرة هليكوبتر في مايو الماضي. حيث شهد النظام الإيراني سيناريوهات مماثلة في السابق، ففي عام 1981، تم عزل أبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية بعد الثورة، من قبل مجلس الشورى بسبب عدم كفاءته السياسية. وفي نفس العام، تكرر هذا السيناريو باغتيال الرئيس محمد علي رجائي خليفة بني صدر، بتفجير حقيبة مفخخة عام 1981، وبالتالي فإن الفراغ السياسي والدستوري الحالي ليس بجديد على إيران، فقد حدث مرتين من قبل في فترة من عدم الاستقرار السياسي، وهذه المرة لا تقل أهمية عن سابقاتها.   وكان رئيسي من الشخصيات القليلة التي تحظى بثقة المؤسسة الأمنية وحراس النظام من رجال الدين، وكان من المخطط له الأشراف على تصعيد مرشد أعلى جديد بعد وفاة علي خامنئي أو ربما قد يصبح هو نفسه المرشد الأعلى، وبالتالي فإن وفاة رئيسي ستشكل تحدياً لنظام الملالي في طهران في ظل تحديات داخلية وخارجية شهدتها إيران في الآونة الأخيرة.   ومن ناحية أخري، مهد المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي الطريق لإجراء الانتخابات الرئاسية الإيرانية عبر اختيار ستة مرشحين فقط، اجتازوا الفحص الذي أجراه مجلس صيانة الدستور -المكون من أثني عشر رجل دين يعيّنهم المرشد الأعلى، بترشيح من السلطة القضائية وموافقة البرلمان عليهم- من بين 80 مرشحا تقدموا بطلبات ترشحهم للمنصب، وفقاً لمعايير فضفاضة يجري تفسيرها وتأويلها من قبل مجلس صيانة الدستور مما يعطيه قول الفصل في اختيار أو استبعاد بعض المرشحين فعلي سبيل المثال لا يستثني الدستور الإيراني صراحة المرأة من حقها في الترشح للانتخابات الرئاسية ولكن يمنعها مجلس الصيانة من ذلك الحق حيث سجلت أربع سيدات أسماءهن في قائمة الترشح للرئاسة وغيرهم على مدار الثلاثة عشر انتخابات رئاسية ماضية، لم تتم الموافقة على ترشيح أي امرأة إلى الرئاسة بسبب المادة 115 من الدستور التي تنص على أن يكون الرئيس من بين "رجال السياسة والدين من أصل إيراني، ومواطناً إيرانياً، ومديراً وحكيماً، يتمتع بسمعة طيبة وأمانة وتقوى، ويؤمن بأسس جمهورية إيران الإسلامية وبالدين الرسمي للبلاد" ، علاوة على وضع معايير أخري تتعلق بالقدرة على الإدارة والتدبير، بخلاف ذلك الافتراض العام بأن خامنئي يريد رئيسًا مخلصًا ومحافظًا لا يعارضه يؤمن بالثوابت الخاصة بالنظام متمثلة في قدسية وطاعة ولي الأمر وإطاعة المرشد.   لذا يسعي هذا التحليل إلى توضيح أهمية هذه الانتخابات، وكيفية إداراتها، وأولويات التي يبحث عنها الناخب والنظام في الرئيس القادم.