بعد مادورو: أين تتجه مطرقة واشنطن؟
البرامج البحثية

بعد مادورو: أين تتجه مطرقة واشنطن؟

مثلت عملية العزم المطلق، التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في الثالث من يناير 2026 وأفضت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وقرينته سيليا فلوريس، فصلاً ختامياً لسنوات من الجمود والصراع الدبلوماسي. بيد أن هذا الحدث، الذي جاء تتويجاً لمسار طويل من التصعيد، تجاوز في دلالاته مجرد إسقاط لنظام سياسي؛ إذ كان إيذاناً صريحاً ببعث "مبدأ مونرو" في أكثر صيغه صرامة. وقد تجلى ذلك في تصريح الرئيس الأمريكي فور نجاح العملية، حين قطع بأن "الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لم تعد موضع شك بعد اليوم". وعليه، فقد شكلت هذه العملية تحولاً جيوسياسياً مفصلياً، لم تقتصر ارتداداته على تاريخ أمريكا اللاتينية فحسب، بل امتدت لتعيد رسم عقيدة السياسة الخارجية الأمريكية برمتها.   أحدثت العملية صدمة استراتيجية في العواصم المعادية لواشنطن، حيث أعادت للأذهان حقبة التدخلات الأمريكية المباشرة إبان الحرب الباردة، ولكن بأدوات وتقنيات القرن الحادي والعشرين. فلم يعد التهديد الأمريكي مقتصرا على العقوبات الاقتصادية أو العزلة الدبلوماسية، بل تحول إلى توظيف للقوة الصلبة "الذكية" القادرة على اختراق السيادة الوطنية واستهداف رؤوس الأنظمة. وسيفرض هذا التحول الجذري على الدول المصنفة ضمن دائرة العداء الأمريكي -سواء في الكاريبي أو الشرق الأوسط- إعادة تقييم شاملة لحساباتها الأمنية والاستراتيجية، وسط مخاوف جدية من أن تكون كاراكاس مجرد فاتحة لسلسلة من عمليات "تغيير الأنظمة" التي تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الدولي وفق الرؤية الأمريكية الأحادية.
بين الصين والشرق الاوسط: ما هي أولويات ترامب في ولايته الثانية؟
البرامج البحثية
3 ديسمبر 2024

بين الصين والشرق الاوسط: ما هي أولويات ترامب في ولايته الثانية؟

تُعد استراتيجية الأمن القومي الأمريكية (NSS) وثيقة شاملة أصدرها مجلس الأمن القومي بالاشتراك مع الفرع التنفيذي للحكومة الأمريكية للكونجرس، ووقع عليها الرئيس. وتُحدد الوثيقة بشكل رئيسي القضايا الكبرى المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي وآليات تعامل الإدارة معها باستخدام كافة أدوات القوة الوطنية. في هذا السياق، ستشكل استراتيجية الأمن القومي (2024-2028) إحدى أهم أولويات الرئيس المنتخب، دونالد ترامب.   لا يكمن التحدي الأساسي في التنبؤ بتداعيات هذه الاستراتيجية، بل يتمثل في تحديد أي منطقة ستحتل الأولوية في استراتيجية الأمن القومي (2024-2028)، في ظل واقع جيوسياسي واقتصادي غير مستقر تتخلله النزاعات في المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا والشرق الأوسط.   تشير الأولويات المتوقعة للأمن القومي خلال فترة ترامب الثانية إلى أنها ستكون متأثرة بسياسات ولايته الأولى وخطاب حملته الانتخابية الأخيرة، مما يقدم لمحة عن نهجه المتوقع، على الرغم من تناقضاته الظاهرة، ويبدو أن مؤلف كتاب "فن الصفقة" سيتبنى نهجاً انتقائياً من الناحية الاقتصادية في ملفات السياسة الخارجية.   تتسم رؤية ترامب للعالم بطابع تجاري بحت، وهو ما تجلى في استراتيجية الأمن القومي لعام 2017 ومبدأ "أمريكا أولاً". كما يعكس برنامج الحزب الجمهوري توجهاته المقبلة تحت شعار "استعادة السلام في أوروبا والشرق الأوسط"، في إشارة إلى نهج تاريخي مثل "السلام بالقوة" المعتمد من قبل جورج واشنطن ورونالد ريجان. ولكن تعتمد نسخة ترامب، المسماة "السلام من خلال القوة"، على أساليب أكثر إكراهاً، مثل التهديدات والعقوبات الاقتصادية، مع التركيز على استخدام النفوذ الاقتصادي والتدابير الصارمة لحماية الاقتصاد الأمريكي من خلال الحفاظ على السلام. من المتوقع أن تكون الأولويات الرئيسية موجهة نحو الصين، مع تحول ملحوظ في التركيز نحو الشرق الأوسط، ربما على حساب أوروبا وحلف شمال الأطلسي، ويُنظر إلى الأخير على أنه أقل جدوى من الناحية الاقتصادية.