أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن ألمانيا "في أمسّ الحاجة إلى شراكات جديدة أكثر من أي وقت مضى"، وذلك مع استهلاله جولة شملت المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، أعلن خلالها أن برلين ستخفف القيود التي طالما فرضتها على صادرات الأسلحة إلى دول الخليج. وحتى سنوات قليلة مضت، كان من الصعب تصور صدور مثل هذا التصريح عن مستشار ألماني. غير أن هذا المشهد لا يمثل تحولًا معزولًا، بل يعكس مسارًا أوسع أخذ يتبلور في مختلف أنحاء القارة؛ فالدبابات الكورية الجنوبية تصل إلى الموانئ البولندية، والطائرات المسيّرة التركية تُستقدم لحماية أجواء دول البلطيق، وطائرات النقل البرازيلية تنضم إلى الأساطيل الأوروبية، فيما تتسابق العواصم الأوروبية، من لندن إلى برلين، لاستقطاب استثمارات صناديق الثروة السيادية الخليجية.
وبعد عقود من الاعتماد على مظلة أمنية واحدة، تبدو أوروبا اليوم في خضم إعادة تشكيل شبكة شراكاتها الدفاعية، في توجه يصفه المسؤولون بأنه استراتيجية لتنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على طرف واحد. ويكتسب هذا التحول دلالة رمزية خاصة هذا الأسبوع مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، عاصمة الدولة الشريكة التي لم تحسم أوروبا، يومًا، طبيعة العلاقة التي تريد نسجها معها. غير أن كل استراتيجية تفترض وجود بدائل، والبدائل تفترض وجود من يملك قرار الاختيار. ومن هنا يبرز السؤال المحوري الذي تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عنه: هل تختار أوروبا بالفعل شركاءها الدفاعيين الجدد، أم أن فجواتها المتنامية في القدرات العسكرية هي التي باتت تفرض عليها خياراتها؟
ظلّ الجدل بشأن احتمال انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من حلف شمال الأطلسي "الناتو" أحد أكثر النقاشات الاستراتيجية حساسية منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا وطبيعة الدور الذي ستواصل واشنطن الاضطلاع به داخل المنظومة الغربية. وخلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما عقب الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، اكتسب هذا الجدل زخمًا إضافيًا، مع اتساع فجوة التوتر داخل الحلف، وتوجيه الرئيس ترامب انتقادات علنية ومتكررة لعدد من الحلفاء الأوروبيين، فضلًا عن تشكيكه في جدوى استمرار بعضهم ضمن المنظومة الأطلسية من الأساس. وفي ظل هذا المناخ، لم يعد النقاش مقتصرًا على احتمال انسحاب واشنطن رسميًا من "الناتو"، بل بات يتجاوز ذلك إلى تساؤل أكثر عمقًا وحساسية يتعلق بقدرة أوروبا نفسها على إدارة أمنها بصورة مستقلة في غياب المظلة الأمريكية الواسعة. ومن هنا، يبرز عدد من الأسئلة الجوهرية: ما الكلفة الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية التي قد تترتب على مثل هذا التحول؟ وهل تمتلك الدول الأوروبية القدرة على إعادة بناء قدراتها الدفاعية وإعادة تنظيم بنيتها الأمنية بالسرعة والكفاءة الكافيتين للتعامل مع بيئة دولية تتسم بتصاعد التهديدات وتسارع التحولات الجيوسياسية؟
غير أن الأهم من مسألة الانسحاب الرسمي ذاتها هو أن القيود القانونية والسياسية والمؤسسية التي قد تعيق أي رئيس أمريكي عن مغادرة "الناتو" بالكامل، لا تمنع واشنطن من انتهاج مسارات بديلة تُفضي عمليًا إلى تقليص دورها داخل الحلف بصورة ملموسة. فقد تلجأ الولايات المتحدة إلى خفض مساهماتها المالية، أو تقليص انتشار قواتها في أوروبا، أو سحب منظومات تسليح وقدرات استراتيجية حيوية شكّلت لعقود أحد الأعمدة الرئيسية للبنية الدفاعية الأوروبية. وفي حال اتجهت واشنطن نحو هذا المسار التدريجي، فإن السؤال الأكثر حساسية لن يتعلق فقط بحجم التراجع الأمريكي، بل بمدى قدرة أوروبا على التعامل مع التداعيات الناتجة عنه. فإلى أي حد قد تنكشف القارة الأوروبية أمام المخاطر الأمنية؟ وهل تمتلك الدول الأوروبية ما يكفي من الجاهزية العسكرية والمرونة السياسية والقدرة الصناعية لتعويض الفجوات التي قد يخلّفها تراجع الدور الأمريكي؟
"نحتاج إليها من أجل الدفاع." بهذه العبارة المقتضبة أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع جرينلاند في مقدمة النقاشات الجيوسياسية، مُقدّمًا الجزيرة بوصفها عنصرًا متقدّمًا في حسابات الأمن القومي الأميركي. فمنذ عقود، منح الموقع الاستراتيجي لجرينلاند في قلب القطب الشمالي، إلى جانب احتياطياتها الكبيرة من المعادن الحيوية، الجزيرة وزنًا جيوسياسيًا لافتًا. غير أنّ خطاب ترامب لم يقتصر على إعادة إحياء هذا الاهتمام، بل أضفى على الجزيرة بعدًا رمزيًا يعكس طموحات أميركية تتجاوز الأطر التقليدية للمنافسة الدولية. وقد دفع هذا الطرح قادة سبع دول من أعضاء حلف شمال الأطلسي إلى إصدار بيان مشترك نادر، أعلنوا فيه رفضهم الصريح لأي محاولة لضمّ جرينلاند، التي تُعد إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك.
وتزامنًا مع التحركات الأميركية في مناطق أخرى، بما في ذلك السعي لإزاحة رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو والتهديد بالتدخّل في مناطق إضافية، أسهمت هذه التطوّرات في تأجيج مخاوف متنامية داخل حلف شمال الأطلسي من أنّ واشنطن تدفع باتجاه نظام دولي جديد تُهيمن عليه مصالحها الخاصة قبل أي اعتبار آخر. ومن ثمّ، فإن احتمال ضمّ جرينلاند لا يثير تساؤلات جدّية بشأن مستقبل الحلف فحسب، بل يكشف كذلك موقع أوروبا المتراجع داخل بنية النظام الدولي وقدرتها المحدودة على مواجهة الضغوط الأميركية.
في مختلف دول حلف شمال الأطلسي، يُعاد بناء الجيل القادم من القدرات العسكرية على أساس تحوّل بنيوي عميق يعيد تعريف طبيعة القوة العسكرية ذاتها. فبدل الاعتماد التقليدي على الوقود، تتجه المنظومات العسكرية على نحو متسارع إلى إدماج الكهرباء والبطّاريات عالية الأداء بوصفها عناصر مركزية في بنية الردع المعاصر. ويمتد هذا التحوّل من الأنظمة غير المأهولة والذخائر الذكية إلى مراكز القيادة المتنقّلة وشبكات الاستشعار المتقدمة، بما يعكس انتقال الردع الأطلسي إلى نموذج تشغيلي ذي طابع كهربائي متنامٍ. ويُقدَّم هذا المسار بوصفه قفزة تقنية تحمل وعودًا واضحة، تشمل تسريع قدرات الانتشار، وخفض البصمات الضوضائية، والحدّ من الاعتماد على سلاسل الإمداد الثقيلة. غير أنّ هذا التحوّل، على الرغم من مزاياه التشغيلية، يُنتج في بنيته العميقة أنماطًا جديدة من الهشاشة الاستراتيجية الصامتة، قد لا تقتصر آثارها على إعادة تشكيل أدوات الردع، بل تمتد إلى إعادة رسم توازناته الأساسية.
ومع كل خطوة إضافية نحو التحوّل الكهربائي، يتزايد انكشاف حلف شمال الأطلسي أمام سلاسل توريد هشّة وأسواق معادن حرجة شديدة التقلّب. فقد أصبحت البطّاريات عنصرًا محوريًا في قدرة الحلف على نشر القوّة وإدارة العمليات، لكنها تمثّل في الوقت نفسه نقطة ضعف كامنة في هذه القدرة ذاتها. إذ باتت الجاهزية القتالية، وفعالية الردع، وتماسك التنسيق العملياتي مرهونة بمواد تُستخرج أو تُعالَج خارج نطاق السيطرة المباشرة للحلف. وفي ظلّ انتقال الحرب على نحو متسارع إلى نمط رقمي وكهربائي، يواجه الناتو معضلة استراتيجية مختلفة في جوهرها: ليست مرتبطة بسرعة الابتكار، بل بقدرته على تأمين مرتكز الطاقة الذي تقوم عليه منظومته العسكرية، ومنع تحوّل أدوات التحديث إلى قنوات اعتماد بنيوي تُقوّض أسس الردع بدل أن تعزّزها.
تعود أوروبا إلى أجواء التوتّر التي ظنّت أنها طوتها منذ عقود. ففي تحذيرٍ صريح، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إنّ "بولندا اليوم في أقرب نقطةٍ من اندلاع صراعٍ مفتوح منذ الحرب العالمية الثانية"، وذلك عقب انتهاكٍ مفاجئٍ للمجال الجوي البولندي من قِبل روسيا أثار قلقًا واسعًا داخل البلاد وخارجها. ففي التاسع من سبتمبر، اخترقت أسرابٌ من الطائرات المسيّرة الروسية الأجواء البولندية، ما دفع طائرات حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى الإقلاع لاعتراض عددٍ منها، في أول مواجهةٍ مباشرةٍ بين الحلف وموسكو منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 فبراير 2022. ورغم أنّ الحادثة قد تُفسَّر بوصفها اختبارًا من الرئيس فلاديمير بوتين لمدى جاهزية الناتو واستجابة أوروبا، فإنّها تُسلّط الضوء على هشاشة المشهد الأمني الإقليمي واحتمال انزلاق القارّة نحو مواجهةٍ جديدة. وبالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤدّيه بولندا ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وهو دور يتجاوز في وزنه وتأثيره موقع أوكرانيا، فإنّ اندلاع صراعٍ مباشرٍ بينها وبين روسيا قد يضع الأمن الأوروبي بأسره أمام اختبارٍ وجودي غير مسبوق. والسؤال المطروح اليوم: إلى أيّ مدى تقترب أوروبا من هذه المواجهة؟ وهل تملك القدرة على احتواء تداعياتها؟
تُعد استراتيجية الأمن القومي الأمريكية (NSS) وثيقة شاملة أصدرها مجلس الأمن القومي بالاشتراك مع الفرع التنفيذي للحكومة الأمريكية للكونجرس، ووقع عليها الرئيس. وتُحدد الوثيقة بشكل رئيسي القضايا الكبرى المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي وآليات تعامل الإدارة معها باستخدام كافة أدوات القوة الوطنية. في هذا السياق، ستشكل استراتيجية الأمن القومي (2024-2028) إحدى أهم أولويات الرئيس المنتخب، دونالد ترامب.
لا يكمن التحدي الأساسي في التنبؤ بتداعيات هذه الاستراتيجية، بل يتمثل في تحديد أي منطقة ستحتل الأولوية في استراتيجية الأمن القومي (2024-2028)، في ظل واقع جيوسياسي واقتصادي غير مستقر تتخلله النزاعات في المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا والشرق الأوسط.
تشير الأولويات المتوقعة للأمن القومي خلال فترة ترامب الثانية إلى أنها ستكون متأثرة بسياسات ولايته الأولى وخطاب حملته الانتخابية الأخيرة، مما يقدم لمحة عن نهجه المتوقع، على الرغم من تناقضاته الظاهرة، ويبدو أن مؤلف كتاب "فن الصفقة" سيتبنى نهجاً انتقائياً من الناحية الاقتصادية في ملفات السياسة الخارجية.
تتسم رؤية ترامب للعالم بطابع تجاري بحت، وهو ما تجلى في استراتيجية الأمن القومي لعام 2017 ومبدأ "أمريكا أولاً". كما يعكس برنامج الحزب الجمهوري توجهاته المقبلة تحت شعار "استعادة السلام في أوروبا والشرق الأوسط"، في إشارة إلى نهج تاريخي مثل "السلام بالقوة" المعتمد من قبل جورج واشنطن ورونالد ريجان. ولكن تعتمد نسخة ترامب، المسماة "السلام من خلال القوة"، على أساليب أكثر إكراهاً، مثل التهديدات والعقوبات الاقتصادية، مع التركيز على استخدام النفوذ الاقتصادي والتدابير الصارمة لحماية الاقتصاد الأمريكي من خلال الحفاظ على السلام. من المتوقع أن تكون الأولويات الرئيسية موجهة نحو الصين، مع تحول ملحوظ في التركيز نحو الشرق الأوسط، ربما على حساب أوروبا وحلف شمال الأطلسي، ويُنظر إلى الأخير على أنه أقل جدوى من الناحية الاقتصادية.