أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن ألمانيا "في أمسّ الحاجة إلى شراكات جديدة أكثر من أي وقت مضى"، وذلك مع استهلاله جولة شملت المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، أعلن خلالها أن برلين ستخفف القيود التي طالما فرضتها على صادرات الأسلحة إلى دول الخليج. وحتى سنوات قليلة مضت، كان من الصعب تصور صدور مثل هذا التصريح عن مستشار ألماني. غير أن هذا المشهد لا يمثل تحولًا معزولًا، بل يعكس مسارًا أوسع أخذ يتبلور في مختلف أنحاء القارة؛ فالدبابات الكورية الجنوبية تصل إلى الموانئ البولندية، والطائرات المسيّرة التركية تُستقدم لحماية أجواء دول البلطيق، وطائرات النقل البرازيلية تنضم إلى الأساطيل الأوروبية، فيما تتسابق العواصم الأوروبية، من لندن إلى برلين، لاستقطاب استثمارات صناديق الثروة السيادية الخليجية.

 

وبعد عقود من الاعتماد على مظلة أمنية واحدة، تبدو أوروبا اليوم في خضم إعادة تشكيل شبكة شراكاتها الدفاعية، في توجه يصفه المسؤولون بأنه استراتيجية لتنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على طرف واحد. ويكتسب هذا التحول دلالة رمزية خاصة هذا الأسبوع مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، عاصمة الدولة الشريكة التي لم تحسم أوروبا، يومًا، طبيعة العلاقة التي تريد نسجها معها. غير أن كل استراتيجية تفترض وجود بدائل، والبدائل تفترض وجود من يملك قرار الاختيار. ومن هنا يبرز السؤال المحوري الذي تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عنه: هل تختار أوروبا بالفعل شركاءها الدفاعيين الجدد، أم أن فجواتها المتنامية في القدرات العسكرية هي التي باتت تفرض عليها خياراتها؟

ليس بحثًا جديدًا... بل تغيرٌ في قواعد الخطاب

يرى تفسير شائع أن بحث أوروبا عن شركاء دفاعيين جدد بدأ مع الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. غير أن الوقائع تشير إلى خلاف ذلك؛ فما تبدّل في اللحظة الراهنة ليس هذا التوجه في حد ذاته، وإنما دلالاته وطريقة النظر إليه. فقد بدأ مسار تنويع الشركاء باعتبارات تتعلق بالمشتريات الدفاعية، لا بحسابات الجغرافيا السياسية. ففي عام 2014، دخلت كوريا الجنوبية سوق التسليح الأوروبية عندما لبّى مدفع الهاوتزر ذاتي الحركة “K9” احتياجات ملحّة لدى دول أوروبا الشرقية والشمالية في أعقاب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم. ولم يكن اختياره بسبب توافقه مع معايير التشغيل البيني داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) فحسب، بل أيضًا لأن الشركات الكورية استطاعت توفيره بوتيرة وتسليمه في مواعيد عجز المصنعون الأوروبيون عن مجاراتها.

 

وسلكت الأنظمة التركية مسارًا مشابهًا؛ إذ وجدت الطائرات المسيّرة، والمركبات المدرعة، وبرامج الصناعات البحرية التركية مشترين في أوروبا الوسطى والبلقان قبل وقت طويل من الغزو الشامل لأوكرانيا. كان الأمر، في جوهره، محاولة من دول منفردة لسد فجوات محددة في القدرات، من دون استراتيجية جامعة، وإلى حد كبير من دون دور يُذكر لبروكسل.

 

بدأت المرحلة الثانية، منذ عام 2022، في إضفاء طابع مؤسسي على هذا التوجه. فقد جعلت “البوصلة الاستراتيجية” للاتحاد الأوروبي “الشراكات” أحد الركائز الأربع لسياسة الأمن والدفاع الأوروبية، الأمر الذي أفضى إلى إنشاء شبكة من شراكات الأمن والدفاع المصممة وفق احتياجات كل دولة، والتي باتت تضم اليوم اليابان، وكوريا الجنوبية، وكندا، والمملكة المتحدة، والنرويج، وأستراليا، والهند، وغيرها. وتبع ذلك إطلاق مبادرة “إعادة تسليح أوروبا” (ReArm Europe) وصندوق “SAFE”. والأهم من ذلك أن جميع هذه الخطوات طُرحت باعتبارها مكملة للدور الأمريكي، لا باعتبارها محاولة للتحوط منه أو تقليص الاعتماد عليه.

 

أما في المرحلة الثالثة، أي المرحلة الراهنة، فقد أصبح التحوط صريحًا. فعندما قام المستشار الألماني بجولة في المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة في فبراير 2026، معلنًا سياسة أكثر مرونة في تصدير الأسلحة إلى دول الخليج، قُدمت الزيارة علنًا بوصفها خطوة تهدف إلى تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة والصين. أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن برلين “في أمسّ الحاجة إلى شراكات جديدة أكثر من أي وقت مضى”، محذرًا من أن أوروبا قد تحتاج إلى بدائل للضمانة الأمريكية. وكان مثل هذا الخطاب سيبدو غير قابل للتصور في عام 2021.

ثلاثة شركاء... وثلاثة أوجه للعجز

يميل كثيرون إلى النظر إلى الشراكات الدفاعية الجديدة التي تنسجها أوروبا باعتبارها مسارًا واحدًا تحكمه رؤية موحدة. غير أن التدقيق يكشف أنها أقرب إلى ثلاث صفقات مختلفة، تعكس كل منها وجهًا مميزًا من أوجه العجز الأوروبي. فالقارة لا تختار شركاءها الجدد بقدر ما تفرض فجواتها في القدرات طبيعة الشركاء الذين تتجه إليهم.

تكشف كوريا الجنوبية عن عجز القدرة الإنتاجية. ويبرز المثال البولندي بوضوح في هذا السياق؛ فقد أبرمت وارسو عقودًا لشراء نحو 180 دبابة من طراز “K2″، وأكثر من 200 مدفع هاوتزر ذاتي الحركة من طراز “K9″، و48 طائرة مقاتلة خفيفة من طراز “FA-50″، ضمن حزمة تجاوزت قيمتها 12 مليار دولار. وبذلك أصبحت سيول ثاني أكبر مورّد دفاعي لبولندا بعد واشنطن. ثم جاءت طلبيات النرويج اللاحقة من مدافع الهاوتزر نفسها لتؤكد أن هذا التوجه لم يكن حالة بولندية استثنائية، بل نمطًا أخذ يتكرر على امتداد أوروبا.

 

غير أن ما تبيعه كوريا الجنوبية لأوروبا ليس تكنولوجيا تفتقر إليها القارة، بل قدرة إنتاجية تعجز عن توفيرها بالوتيرة التي يفرضها الواقع الأمني؛ أي القدرة على التسليم بالسرعة التي تفرضها التهديدات. ولم تعد العلاقة تقتصر على البيع والشراء، بل أخذت تتطور إلى مستوى بنيوي أعمق، من خلال نقل التكنولوجيا، وتوطين الإنتاج، وتقدّم سيول بطلب رسمي يتيح لصناعاتها الدفاعية الوصول إلى أموال المشتريات المخصصة في صندوق “SAFE” التابع للاتحاد الأوروبي.

 

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأن الأداة التي صُممت لتعزيز السيادة الصناعية الأوروبية يجري فتحها، بعد عام واحد فقط من إنشائها، أمام منتجين من خارج القارة. ويعكس ذلك حقيقة بسيطة مفادها أن البديل هو إعادة التسلح وفق جدول زمني لا يعترف به التهديد. وهكذا يُحسم التوتر بين “اشترِ الأوروبي” و”اشترِ سريعًا”، عقدًا بعد آخر، لصالح السرعة.

 

أما تركيا، فتكشف عن عجز من نوع آخر، يتمثل في عجز أوروبا عن حسم خياراتها السياسية. فالشركات التركية تستحوذ اليوم على حصة من صادرات السلاح إلى أوروبا تفوق تلك التي كانت تستحوذ عليها الشركات الأمريكية حتى في عام 2023. ويتجلى هذا الحضور في منشآت إنتاجية أُقيمت في المجر ورومانيا وإستونيا، وصفقات لبيع الطائرات المسيّرة إلى دول البلطيق والبلقان، فضلًا عن سلسلة من الاتفاقات الحديثة، من بينها مشروع مشترك بين “بايكار” و”ليوناردو” لتطوير الأنظمة غير المأهولة، وصفقة بريطانية لتزويد أنقرة بمقاتلات “يوروفايتر” متضمنةً التدريب والدعم، وترتيب تركي–إسباني لتوريد طائرات تدريب نفاثة عبر شركة “إيرباص”.

 

ومع ذلك، لم تقدّم أي مؤسسة أوروبية حتى الآن إجابة حاسمة عن السؤال الجوهري: ما هي تركيا بالنسبة إلى أوروبا؛ شريك، أم منافس، أم عضو ينتظر على العتبة؟ ولأن الحكومات لم تحسم هذا السؤال، باتت الشركات تحسمه عمليًا نيابة عنها. فكل مشروع مشترك جديد يجعل استبعاد تركيا من البنية الدفاعية الأوروبية أكثر صعوبة، من دون أن تكون أوروبا قد اتخذت أصلًا قرارًا واضحًا بإدماجها فيها.

 

أما الملفات العالقة بين الجانبين، بدءًا من صفقة منظومة “إس-400” التي أحدثت شرخًا في بنية الدفاع الجوي داخل حلف شمال الأطلسي، وصولًا إلى سجل الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، فلم تُسوَّ أو تُطوَ صفحتها؛ وإنما جرى احتساب كلفتها ضمن المعادلة بصمت، مع تأجيل حسمها إلى وقت لاحق. فالاندماج الذي تفرضه الوقائع الصناعية يظل اندماجًا، لكنه اندماج تشكّل بحكم الأمر الواقع، لا نتيجة قرار سياسي، ولم يصوّت عليه أحد.

 

أما دول الخليج، فتكشف عن وجه ثالث من أوجه العجز الأوروبي، يتمثل في نقص الموارد والقدرة على الامتداد الاستراتيجي. فالعلاقة المتسارعة بين أوروبا ودول الخليج لا تقوم، في جوهرها، على تجارة السلاح، بقدر ما ترتكز على رؤوس الأموال، وأمن الطاقة، وتوسيع نطاق الحضور الاستراتيجي. وقد كشفت الحرب مع إيران، وما ترتب عليها من إغلاق فعلي لمضيق هرمز، أن استقرار الخليج لم يعد مجرد مصلحة خارجية بالنسبة إلى أوروبا، بل غدا مصلحة استراتيجية من الدرجة الأولى. وانعكس هذا الإدراك سريعًا على التحركات الدبلوماسية الأوروبية، من خلال عقد اجتماعات وزارية طارئة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، وإطلاق منتدى سنوي جديد يجمع قادة الجانبين، فضلًا عن تراجع برلين عن سياستها التقليدية المتشددة في تصدير الأسلحة.

 

وفي موازاة ذلك، تتجه صناديق الثروة السيادية الخليجية بصورة متزايدة نحو الاستثمار في الصناعات الدفاعية والتقنيات العسكرية المتقدمة، وهو ما تجسد في اتفاقات بارزة للتعاون في مجالات الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية، أُبرمت مع أوكرانيا خلال فصل الربيع. وفي المقابل، لا تنظر دول الخليج إلى أوروبا بوصفها ضامنًا لأمنها، بل تتعامل معها باعتبارها شريكًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا قادرًا على الإسهام في تطوير قدراتها، لا على توفير مظلة أمنية لها.

 

ومن ثم، فإن ما يتشكل بين الطرفين ليس تحالفًا أمنيًا بالمعنى التقليدي، بل شراكة تقوم على تكامل عناصر القوة وتبادل المصالح. ففي الوقت الذي تحصل فيه أوروبا على الاستثمارات وضمانات أمن الطاقة، تنتقل دول الخليج تدريجيًا من موقع العميل الذي يقتصر دوره على شراء السلاح إلى موقع الشريك الذي يسهم في تمويل القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية، ويشارك في تشكيل مستقبلها.

 

ولا يقتصر هذا النمط على الحالات الثلاث السابقة، بل يعكس اتجاهًا أوسع يتجاوزها. فقد نجحت طائرة النقل العسكرية البرازيلية “C-390” في شق طريقها إلى الأساطيل الجوية الأوروبية عبر البرتغال، لتنافس مباشرة نظيراتها الأمريكية في هذا المجال. أما أوكرانيا، التي كانت حتى وقت قريب متلقيةً للسلاح الأوروبي، فقد بدأت تتحول تدريجيًا إلى مورّد بحد ذاتها، مستفيدةً مما راكمته من خبرات قتالية خلال الحرب. فهي لا تصدّر تكنولوجيا الطائرات المسيّرة التي أثبتت فاعليتها في ميادين القتال فحسب، بل أيضًا أكبر قاعدة بيانات ميدانية للحروب الحديثة، والتي باتت تُسوَّق اليوم من وارسو إلى الرياض. وهكذا، يبدو أن كل فجوة تظهر في القدرات الأوروبية تجد شريكًا مستعدًا لسدها. وتلك هي القراءة الأكثر طمأنة لهذا المشهد. أما القراءة الأخرى، الأقل طمأنينة، فتتعلق بالثمن الذي تدفعه أوروبا، بهدوء ومن دون ضجيج، مقابل سد هذه الفجوات.

فاتورة التشرذم

يُحتفى اليوم بتنويع الشركاء باعتباره تجسيدًا للمرونة الاستراتيجية. غير أن هذا التوجه، إذا افتقر إلى إدارة محكمة وإطار ناظم، قد يفضي إلى أربعة أشكال من التشرذم لم تحتسب أوروبا كلفتها بعد. ويأتي في مقدمة هذه الأشكال التشرذم الصناعي. فعلى مدى عقدين، سعت السياسات الأوروبية إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية أكثر تكاملًا، بعد أن ظلت لعقود موزعة بين الشركات الوطنية الكبرى في الدول الأعضاء.

 

غير أن الموجة الراهنة تنذر بترسيخ واقع أكثر تعقيدًا. فهي لا تكتفي بالإبقاء على هذه الشركات، بل تضيف إليها شبكة متنامية من المنصات الأجنبية التي تُجمع محليًا، ويكتسب كل منها حماية سياسية بفعل ما يوفره من وظائف ومكاسب اقتصادية للدولة المضيفة. وبهذا المعنى، فإن كل منظومة يجري التعاقد عليها من الخارج بدافع الحاجة إلى سرعة التسليم تمثل، في الوقت نفسه، طلبًا يُسحب من القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية الموحدة التي كان المشروع الأوروبي يسعى، منذ البداية، إلى ترسيخها.

 

ويتمثل الشكل الثاني في التشرذم العملياتي. فالقارة التي تشغّل في الوقت نفسه منصات عسكرية ألمانية وكورية جنوبية وتركية وأمريكية وبرازيلية تجد نفسها أمام تعدد متزايد في سلاسل الإمداد، ومخزونات الذخائر، ومنظومات الصيانة، وبرامج التدريب. ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، بل تتفاقم بمرور الوقت، لأن التشغيل البيني لم يعد مسألة تتعلق بتوافق المعدات والمنصات فحسب، وإنما أصبح، بدرجة متزايدة، رهين تكامل البرمجيات والبيانات وقدرتها على العمل ضمن منظومة واحدة. ولعل الفارق يتضح بجلاء في أن دمج مدفع هاوتزر كوري جنوبي ضمن عقيدة المدفعية المعتمدة في حلف شمال الأطلسي يُعد اليوم مسألة محسومة من الناحية الفنية. أما دمج أنظمة إدارة المعارك الكورية الجنوبية والتركية والأوروبية داخل بنية موحدة للقيادة والسيطرة، فما يزال تحديًا لم يُحسم بعد.

 

أما الشكل الثالث، فيتمثل في التشرذم السياسي، وهو في الوقت نفسه الأقل حضورًا في النقاشات الأوروبية. فالشراكات الجديدة تُبرم بقرارات وطنية تتخذها كل دولة على حدة، بينما تتحمل أوروبا بأكملها تبعات علاقات الاعتماد التي تنشأ عنها. فالمجر ودول البلقان تعمّق ارتباطها بتركيا، في حين تعزز بولندا ودول الشمال الأوروبي شراكاتها مع كوريا الجنوبية، بينما تتنافس برلين وباريس ولندن على استقطاب الاستثمارات الخليجية. وعندما تندلع الأزمة السياسية المقبلة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، سواء بسبب قبرص، أو بحر إيجه، أو ملفات الحريات الداخلية، فإن الدول الأعضاء التي تستضيف خطوط إنتاج تركية ستجد نفسها أمام حسابات ومصالح تختلف جوهريًا عن تلك التي لا ترتبط بهذه المصالح الصناعية. وعندئذٍ، قد يتحول تنويع الشراكات في الخارج إلى انقسام في المواقف داخل أوروبا نفسها.

 

أما الشكل الرابع، فهو الأكثر جوهرية، لأن كثيرًا مما يُقدَّم بوصفه تقليصًا للاعتماد لا يعدو، في حقيقته، أن يكون إعادة توزيع له. فالاعتماد على الجداول الزمنية للإنتاج الكوري، وعلى الموقع الجغرافي لتركيا، وعلى رؤوس الأموال الخليجية، ينطوي في كل حالة على انكشاف سياسي من نوع مختلف. ومن اللافت أن أوروبا تُخضع الاستثمارات الصينية في البنية التحتية الحيوية لعمليات تدقيق صارمة، لكنها لم تطبق بعد القدر نفسه من الانضباط على اندماج الدول الصديقة في قاعدتها الصناعية الدفاعية، رغم أن مظاهر الانكشاف في هذه الحالة أكثر خفاءً، بينما يتعلق الأمر بقطاع أشد حساسية وأكثر ارتباطًا بالأمن القومي.

 

ومع ذلك، لا يعني ما سبق أن تنويع الشركاء خيار ينبغي التخلي عنه. فليس هناك اليوم قاعدة صناعية واحدة، أمريكية كانت أم أوروبية أم غيرهما، قادرة بمفردها على تلبية متطلبات إعادة التسلح الجارية بهذا الحجم، كما أن هذه الشراكات تسهم بالفعل في تسريع الإنتاج ودفع الابتكار. غير أن مكمن الخطر لا يكمن في التنويع ذاته، بل في تنويع يفتقر إلى عقيدة استراتيجية واضحة تضبط مساره، وتحدد أولوياته، وترسم حدوده.

الشراكة بشروط الآخرين

هنا يتجلى التحول الأعمق، وربما الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح العقد المقبل. فعلى مدى ثلاثين عامًا، كانت أوروبا هي التي تضع شروط الشراكة؛ إذ كان الوصول إلى أسواقها ومؤسساتها مشروطًا بالامتثال لمعاييرها وقواعدها. أما اليوم، وخصوصًا في المجال الدفاعي، فقد بدأت هذه المعادلة تنقلب تدريجيًا. فباتت كوريا الجنوبية تفاوض على شروط نقل التكنولوجيا وإتاحة الوصول إلى موارد صندوق “SAFE”، بينما تحوّل تركيا المشروعات الصناعية المشتركة إلى حقائق سياسية يصعب تجاوزها، فتقيد بذلك هامش الخيارات الأوروبية المستقبلية. وبالمثل، فإن الاستثمارات الخليجية، شأنها شأن أي استثمارات ذات طابع استراتيجي، تحمل أولوياتها الخاصة بشأن المواقع والقطاعات التي ينبغي أن تتوسع فيها القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية الأوروبية.

 

وبذلك، لم تعد القدرة على تحديد شروط الشراكة متمركزة في الجانب الأوروبي كما كانت في السابق، بل أخذت تنتقل تدريجيًا إلى الشركاء أنفسهم. إنها “المشروطية المعكوسة”، حيث لم تعد معايير أوروبا هي التي ترسم حدود العلاقة، بل أصبحت فجواتها في القدرات هي التي تحدد شروطها ومساراتها.

 

وقد عكست قمة حلف شمال الأطلسي المنعقدة في أنقرة عام 2026 هذا التحول في صورة مكثفة. فالدول المضيفة تؤثر، بطبيعة الحال، في صياغة أجندات القمم، وقد دفعت تركيا باتجاه تعميق مبادرة إسطنبول للتعاون بين الحلف ودول الخليج. وهكذا، وجد شريك لم تحسم أوروبا بعد موقعه داخل بنيتها الدفاعية نفسه يدفع نحو قرار على مستوى الحلف يخدم شركاء تعتمد أوروبا بصورة متزايدة على مواردهم المالية. وبذلك، لم تعد الفجوات الأوروبية تُسد فحسب، بل بات آخرون يسهمون أيضًا في تنظيم كيفية سدها، وتحديد اتجاهاتها، ورسم أولوياتها.

 

ومع ذلك، فإن الخروج من هذه “المشروطية المعكوسة” لا يقتضي المفاضلة بين الاستقلالية والانفتاح، وإنما يتطلب الانتقال من تراكم الترتيبات الارتجالية إلى هندسة استراتيجية واعية تحكم مسار الشراكات. ويمكن لثلاثة مبادئ أن تضع الأساس لهذا التحول.

 

أولًا، ينبغي تصنيف الشراكات ضمن مستويات واضحة ومعلنة. فالأدوات اللازمة متوافرة بالفعل، سواء في إطار شراكات الأمن والدفاع، أو قرارات إتاحة الوصول إلى صندوق “SAFE”، أو قواعد المشاركة الصناعية. غير أن هذه الأدوات لا تزال تُستخدم بمنطق الاستجابة للظروف، وتعالج كل حالة على حدة، بدلًا من أن تنتظم ضمن عقيدة استراتيجية متماسكة.

 

وفي هذا الإطار، ينبغي أن تحدد هذه العقيدة بوضوح ما الذي يحصل عليه كل مستوى من الشركاء، وما الذي يُطلب منه في المقابل. فشركاء القدرات يُمنحون إمكانية الوصول إلى برامج المشتريات مقابل نقل التكنولوجيا وتوطين الإنتاج. أما الشركاء الذين تستند أهميتهم إلى موقعهم الجغرافي، فيُدمجون في القاعدة الصناعية الأوروبية وفق ترتيبات مؤسسية مقيدة بضوابط سياسية واضحة، بحيث تصبح كل خطوة نحو تعميق الشراكة ثمرة تفاوض سياسي صريح، لا أمرًا واقعًا تفرضه الشركات. وفي المقابل، يُمنح شركاء رأس المال أطرًا واضحة للاستثمار المشترك، تستند إلى قواعد متفق عليها مسبقًا وتحكمها مصالح متبادلة معلنة.

 

ثانيًا، ينبغي إدراج المخاطر السياسية ضمن معايير تقييم قرارات المشتريات، جنبًا إلى جنب مع سرعة التسليم وكلفته. فهذه القرارات تُبنى اليوم، في المقام الأول، على اعتبارات الوقت والتكلفة، بينما تُظهر تجربة منظومة “إس-400” أن تجاهل كلفة الانكشاف السياسي قد يفرض على التحالف أثمانًا باهظة في مرحلة لاحقة. ومن ثم، ينبغي أن تخضع العقود الكبرى مع الموردين الخارجيين لتقييم جماعي يقيس حجم علاقات الاعتماد التي تنشئها، بما يمدد إلى الشركاء والدول الصديقة القدر نفسه من الانضباط الذي تطبقه أوروبا بالفعل عند التعامل مع خصومها.

 

ثالثًا، ينبغي أن تتحمل أوروبا هذه الخيارات بصورة جماعية، حتى وإن تعذر اتخاذها بصورة جماعية. فالمشتريات الدفاعية المركزية قد تظل هدفًا يصعب تحقيقه سياسيًا في المستقبل المنظور، لكن إعداد خريطة مشتركة ومحدثة باستمرار توضح من يبني علاقات اعتماد مع أي شريك، وفي أي مجال، يظل هدفًا واقعيًا وقابلًا للتنفيذ. فأدنى متطلبات وجود فضاء أمني أوروبي مشترك هو أن تكون التداعيات الجماعية لهذه الخيارات معروفة مسبقًا، قبل أن تكشفها الأزمات، عندما تعمّق إحدى الدول الأعضاء شراكتها مع أنقرة أو تتجه أخرى إلى توثيق علاقاتها مع الرياض.

 

لقد انطلقت أوروبا لسد فجواتها في القدرات. غير أن هذه الفجوات، إذا تُركت من دون إدارة استراتيجية، ستواصل القيام بما تفعله اليوم: صياغة شروط الشراكات، واختيار الشركاء، ورسم خريطة العلاقات الدفاعية الجديدة. ومن ثم، فإن السؤال ليس ما إذا كانت أوروبا ستواصل تنويع شراكاتها، بل من الذي سيرسم مستقبلها الدفاعي: أوروبا نفسها، أم فجواتها المتراكمة في القدرات؟”

المراجع

Council of the European Union. “Joint Statement by GCC-EU Ministers’ Meeting on Recent Developments in the Middle East: Iran’s Attacks against GCC States.” Press release, March 5, 2026. https://www.consilium.europa.eu/en/press/press-releases/2026/03/05/joint-statement-by-gcc-eu-ministers-meeting-on-recent-developments-in-the-middle-east-iran-s-attacks-against-gcc-states/.

 

Darnis, Jean-Pierre. New Entrants in the European Defense Market: A Study of South Korea, Turkey, and Brazil. Paris: Foundation for Strategic Research, May 2026. https://www.frstrategie.org/en.

 

European Parliamentary Research Service. The EU’s New Bilateral Security and Defence Partnerships. Brussels: European Parliament, 2026. https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/BRIE/2025/767215/EPRS_BRI(2025)767215_EN.pdf.

 

Mammadov, Ali. “NATO’s Turkey Paradox.” Modern War Institute at West Point, June 2026. https://mwi.westpoint.edu/natos-turkey-paradox/.

 

Pierini, Marc. “Deciphering Europe’s Relationship with Turkey.” Carnegie Europe, May 8, 2026. https://carnegieendowment.org/europe/posts/2026/05/deciphering-europes-relationship-with-turkey.

 

Rieck, Christian E. “Ankara in the Spotlight: Potentials of the NATO Summit 2026.” United States Studies Centre, June 2026. https://www.ussc.edu.au/ankara-in-the-spotlight-potentials-of-the-nato-summit-2026.

الكلمات الدالة

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *