عاد الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض حاملًا رسالة واضحة إلى قطاع التكنولوجيا: أن الإدارة الفيدرالية ستتراجع عن نهج التدخل التنظيمي، وتفسح المجال أمام الابتكار. وخلال حملته الانتخابية، تعهد بإلغاء ما وصفه بالإفراط الذي مارسته إدارة بايدن في تنظيم سلامة الذكاء الاصطناعي، وعيّن المستثمر في رأس المال الجريء ديفيد ساكس مسؤولًا عن ملفي الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة في البيت الأبيض، كما دعا الرؤساء التنفيذيين لكبرى شركات التكنولوجيا إلى حضور مراسم تنصيبه، في إشارة واضحة إلى الشراكة التي سعى إلى ترسيخها مع هذا القطاع. وفي وادي السيليكون، لم يكن من الصعب فهم الرسالة: فقد بدأت مرحلة تخفيف القيود التنظيمية، وأصبحت شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية تتوقع مواصلة سباقها مع الصين من دون أن تعيقها القيود البيروقراطية. لكن بعد أقل من ثمانية عشر شهرًا، وجدت هذه الشركات نفسها غير قادرة على طرح أكثر نماذجها تقدمًا قبل التنسيق مع وزير التجارة والحصول على موافقته. فكيف حدث هذا التحول؟ وما الذي يعنيه للأمن القومي الأمريكي، وثقة الحلفاء، ومستقبل المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي؟ ذلك سؤال لم تقدم الإدارة، حتى اليوم، تفسيرًا كاملًا له.
في فبراير 2025، صاغ الباحث في الذكاء الاصطناعي أندريه كارباثي مصطلحًا لوصف ظاهرة كانت قد بدأت تترسخ بين المبرمجين، إذ يكتفون بصياغة ما يريدون بلغة إنجليزية بسيطة، ثم يتركون لنموذج الذكاء الاصطناعي مهمة توليد الشفرة البرمجية، بدلًا من كتابتها أو حتى فهمها بأنفسهم. وأطلق على هذا النهج اسم "البرمجة بالحدس" (vibe coding). وبعد عام واحد، بدأ النمط نفسه يظهر في مجال أقل تسامحًا بكثير مع الخطأ. فقد تناول تقرير حديث لمجلة "الإيكونوميست" ما سمّاه "المحاماة بالحدس" (vibe lawyering)، حيث أصبح غير المتخصصين، مستعينين بروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلًا من التدريب القانوني، يصوغون الشكاوى، ويديرون المنازعات، ويتابعون الدعاوى القضائية التي كان الاضطلاع بها، حتى وقت قريب، يتطلب الاستعانة بمحامٍ.
وأظهرت الدراسة التي استشهد بها التقرير، وأعدها أناند شاه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجوشوا ليفي من جامعة جنوب كاليفورنيا (USC)، بعد تحليل 4.5 مليون قضية مدنية فيدرالية، أن نسبة المتقاضين الذين يتولون تمثيل أنفسهم أمام المحاكم، والتي ظلت مستقرة عند نحو 11% على مدى عقدين، ارتفعت إلى 16.8% بحلول السنة المالية 2025، في حين تضاعف تقريبًا عدد الدعاوى التي رفعها أصحابها دون الاستعانة بمحامٍ. ولا تقتصر وظيفة روبوتات الدردشة المستخدمة في هذه الحالات على مساعدة الأفراد في إعداد الوثائق القانونية، بل تميل أيضًا إلى اختلاق سوابق قضائية من العدم، وتشجيع اللجوء إلى التقاضي، وتثبيط التسويات، وتعزيز ثقة المستخدمين، على نحو مبالغ فيه، بفرص نجاحهم في الدعوى. وقد بدأت المحاكم بدورها في التصدي لهذه الظاهرة؛ إذ أصدرت ما يقرب من ألف مذكرة توبيخ بسبب إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في المستندات القضائية المقدمة إليها، كما أوقفت إحدى محاكم الاستئناف الفيدرالية مؤخرًا محاميين بعد أن تضمّنت مذكراتهما استشهادات قانونية مختلقة.
يمثل المجال القانوني حالةً دراسيةً فريدة؛ إذ تحتفظ المحاكم بسجل علني قابل للبحث يوثق ما يحدث عندما تتجاوز ثقة الأفراد قدراتهم الفعلية. غير أن هذه ليست سوى حالة دراسية، وليست القصة بأكملها. فالنمط نفسه، حيث تحل إجابة سلسة يصوغها الذكاء الاصطناعي محل حكمٍ لا يمتلكه الشخص في الواقع، أخذ يظهر في كل مجال بات فيه الناس يعتمدون على الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات كانت تتطلب في السابق خبرة بشرية حقيقية. وهذا هو الموضوع الحقيقي الذي تتناوله هذه المقالة: ليس التقاضي في حد ذاته، بل الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل تصور الإنسان لكفاءته الذاتية عندما يبدأ، في هدوء، بالقيام بجزء من عملية التفكير نيابةً عنه، وما قد يترتب على ذلك مع امتداد هذا النمط إلى مجالات تتجاوز بكثير حدود قاعات المحاكم.