في الثالث من يوليو، أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة حذّرت وارسو من احتمال إقدام روسيا على «استفزاز» مسلّح ضد بولندا، يهدف إلى اختبار عزيمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). ووفقًا لمصادر مقرّبة من الرئيس البولندي كارول نافروتسكي، نقلًا عن الموقع البولندي «أونيت»، فقد أبلغت واشنطن وارسو مرارًا بأن عملية من هذا النوع قد تُنفَّذ في غضون أشهر معدودة. وتتراوح السيناريوهات المطروحة بين ضربات صاروخية أو هجمات بطائرات مسيّرة تستهدف البنية التحتية الحيوية البولندية، وتوغّل محدود لجنود روس داخل أراضي الحلف. وهذا يطرح سؤالًا بالغ الأهمية: هل تستعد موسكو لاختبار المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي اختبارًا مباشرًا؟
إن استفزازًا من هذا النوع يختلف اختلافًا جوهريًا عن الغزو التقليدي؛ إذ سيُصمَّم عمدًا ليبقى دون عتبة الحرب المفتوحة: غامضًا بما يكفي لزرع التردد في صفوف الحلفاء، وعدوانيًا بما يكفي لفرض ردٍّ ما. ورغم محدودية نطاقه، فإن تداعياته على الأمن الأوروبي والنظام الدولي قد تكون عميقة.
في حال مضت موسكو قُدُمًا، فمن المرجّح أن تتخذ العملية أحد الأشكال التي حددتها مصادر أمنية بولندية وحليفة. أولها هجوم بطائرات مسيّرة أو صواريخ على البنية التحتية الحيوية البولندية، كمحطات توليد الكهرباء. وثانيها محاكاة هجوم جوي واسع النطاق يُجبر بولندا على تفعيل منظومات دفاعها الجوي، بما يستنزف مواردها ويكشف أنماط استجابتها. أما السيناريو الأكثر تطرفًا فهو توغّل هجين في المنطقة الحدودية، يتمثل في عبور بري محدود لعناصر روسية، وربما بيلاروسية أيضًا، إلى الجناح الشرقي للحلف، انطلاقًا على الأرجح من جيب كالينينغراد أو من الأراضي البيلاروسية.
ويقوم هذا السيناريو على حسابين رئيسيين لدى موسكو. الأول أن روسيا، المنهمكة بثقلها في أوكرانيا، تفتقر إلى الموارد اللازمة لخوض صراع واسع النطاق مع الناتو، ما يجعل العملية المحدودة القابلة للإنكار أداتها المفضّلة. بل إن استهداف بولندا، من منظور الكرملين، قد يكون خيارًا أفضل من استهداف دول البلطيق، تحديدًا لأن الحلفاء ينظرون إلى مخاطر سوء التقدير هناك نظرة مختلفة. والثاني أن ردّ الحلف سيكون سياسيًا لا عسكريًا؛ فروسيا تراهن، بحسب المصادر البولندية، على أن وارسو ستُدفَع — ربما تحت ضغط أمريكي — نحو التفاوض مع موسكو أو مينسك بدلًا من الرد بالقوة. وأي سيناريو تنسحب فيه القوات الروسية من الأراضي البولندية عبر المفاوضات، لا عبر طردها عسكريًا، سيُقدَّم في موسكو بوصفه انتصارًا. والأخطر من ذلك أن تعليق المساعدات العسكرية والمالية الغربية لأوكرانيا قد يصبح المطلب الروسي المحوري في أي مفاوضات من هذا القبيل.
ويزيد من حدة الغموض ما تفيد به التقارير من أن الكرملين قد يسعى إلى إلقاء مسؤولية الحادثة على أوكرانيا نفسها، بما يعمّق انعدام الثقة بين داعمي كييف الغربيين في اللحظة التي تكون فيها وحدتهم أشد ما تكون أهمية.
سيكون لأي استفزاز روسي مسلّح ضد بولندا تداعيات فورية مزعزعة للاستقرار على المدى القصير. وأكثرها إلحاحًا أنه سيضع الناتو أمام القرار الأخطر في تاريخه: هل يُفعّل المادة الخامسة ردًّا على هجوم صُمّم عمدًا ليبدو أصغر وأكثر غموضًا وقابلية للإنكار من أن يستوجب الدفاع الجماعي؟ إن أي ردٍّ متردد أو منقسم سيثبت صحة الفرضية الجوهرية لدى موسكو — وهي أن الضمانة الأمنية للحلف ضمانة مشروطة — وسيفتح الباب أمام اختبارات أخرى أكثر جرأة على طول الجناح الشرقي.
وقد يتسع النطاق الجغرافي للأزمة بسرعة؛ فقد حدد مسؤولون عسكريون ألمان بالفعل كالينينغراد هدفًا محتملًا لضربات انتقامية من الناتو، ما يعني أن استفزازًا «محدودًا» ينطوي على خطر حقيقي بالتصعيد نحو مواجهة مباشرة بين الحلف وروسيا. كما أن تورّط بيلاروسيا المحتمل سيُدخل مينسك رسميًا في المواجهة، موسّعًا رقعة المسرح أكثر فأكثر.
وستكون أوكرانيا هي الضحية المقصودة. فإذا تعاملت العواصم الغربية مع الأزمة بمقايضة تعليق المساعدات لكييف مقابل خفض التصعيد الروسي، تكون موسكو قد حققت بالإكراه ما عجزت عن تحقيقه في ميدان المعركة، وتكون قد أرست نهجًا قابلًا للتكرار: افتعال أزمة على أراضي الناتو، ثم بيع حلّها على حساب أوكرانيا.
أما التداعيات بعيدة المدى فلا تقل خطورة، إن لم تكن أشد. فالاستفزاز الذي يمر دون رد، أو يُحَل عبر التنازلات، سينخر في مصداقية الدفاع الجماعي، وهو المبدأ التأسيسي للأمن الأوروبي منذ عام ١٩٤٩. وقد تُسارع دول خط المواجهة، وقد ساورها الشك في موثوقية ضمانات الحلف، إلى تكثيف إعادة تسلّحها الوطني، أو السعي إلى امتلاك قدرات ردع مستقلة، أو البحث عن ترتيبات أمنية ثنائية خارج هياكل الناتو. وفي المقابل، فإن ردًّا حازمًا من الحلف ينطوي على خطر أول اشتباك عسكري مباشر بين خصمين نوويين في أوروبا منذ الحرب الباردة. وكلا المسارين يعني النهاية الحاسمة للنظام الأمني الأوروبي القائم منذ عام ١٩٩١ — وهو تحديدًا الهدف الذي تنشده موسكو.
“تحذير استراتيجي” هو سلسلة من المقالات المختصرة وسريعة التفاعل، تهدف إلى رصد تطورات أو اتجاهات بارزة من خلال تحليل استشرافي. تجمع هذه السلسلة بين الرؤية التحليلية السريعة والخيال التحليلي، لتسليط الضوء على السيناريوهات المستقبلية المحتملة وتقدير انعكاساتها.
تعليقات